التروية و اصداؤها … نداء : فَلیَرحَل مَعنا! فلْيَرْحَل مَعَنا !
يوم التروية بالنسبة للحجاج ، هو نداء الرحيل و التوجّه الى المشاعر و المكوث في وادي العشق و الحيرة و الدعاء و القرب .
وفضلاً عن ذلك ، يوم التروية بالنسبة للشيعة هو استحضار لواقعة تاريخية خالدة ، حافلة بالدروس و العبرة .. هو يوم دعوة الانسان النوراني للانقطاع عن المنصب و المقام ، و الدنيا ، و الاسم ، و المنافع الشخصية .. يوم خروج الامام الحسين سيد الشهداء ، برفقة انصاره من مكة متوجهاً الى العراق .. و من ثم حصل واقعة عاشوراء ، المأساة التاريخية الخالدة .
و ها هي اصداء النداء الذي صكّ اسماع العالم على مرّ التاريخ : ” فليرحل معنا ” .
ان التحرك الذي صنع التاريخ ، ما فتىء يشغل الاذهان و و يستحوذ على الافكار و يدعوها للتأمل و التمعن ، و يلفت انظار كل مسلم ـ بمعزل عن الخلفية الفقهية ـ لوعي و إدراك ثمرة اداء الحج و اهميته في الاسلام ، و المنزلة الفريدة التي تحتلها هذه الفريضة المتميزة و جذبتها المعنوية . ذلك ان مناسك الحج و شعائره ذات جذبة خاصة تهيمن على توجهات كل مسلم ، و تمهّد الطريق امامه بناء الذات و الارتقاء في مدارج التكامل المعنوي .
الامام الحسين ـ سبط الرسول الاعظم ـ ، الذي ما زالت ترانيم دعائه القدسي يوم عرفه تبهر العقول و تذهل النفوس ، و تجعل الانسان في حيرة و دهشة ، و تناغم وانسجام بين الروح و المشاعر .. و المناجاة العرشية التي تعتبر موروثاً معنوياً قيّماً و نفيساً ، وتعد احد مصادر العرفان الاسلامي الفريدة .. كيف تسنى له الانفكاك من كل ذلك قلباً و قالباً ، و الانقطاع عن الحضور و المشاركة في هذه الشعائر المقدسة ، و التوجّه الى العراق ؟
ما الذي جعل من نهضة الامام الحسين و نهجه طليعياً رائداً ؟ .. انه الدافع الرباني الصادق ، و الاتصال بعالم المعنى و الملكوت .. إذ نجده اثناء الطواف لأداء الفريضة الاهم و الاصعب ، و حيث اللذة المعنوية التي هي أمر مقبول و موافق للعرف ؛ و بعبارة أخرى ، خيار مصالح الامة وتطلعاتها ، حتى الميول الشخصية بما فيها المعنوية .. نجده اثتاء الطواف يتخطى اللذائذ المعنوية و الميول الشخصية ، و يمضي دون ادنى تردد في قراره و عزمه و اقدامه.. دون اي تردد ازاء تشخيص التكليف و مصالح الامة ، و كذلك تجاه ما يؤمن به .. لم يحاول التذرع بالتكليف و التشبث بالمصلحة العامة ، و محاولة تبرير إكمال مناسك الحج و الحظي بثوابه .
بيد أننا نحن اصحاب الإدعاء ، الذين نحاول في كل مرة يعرض علينا منصب أو مقام ، بل وحتى مجرد وصول رائحته الى مشامنا ، نحاول التذرع بالواجب والتكليف و الايثار للقبول بذلك ، و الترحيب به بكل رغبة وحماس ، و نكون على اهبة الاستعداد لبذل المال و انتهاك حرمات الآخرين ، أداء لهذا النوع من التكليف..
للتخلص من عطش السلطة و الشهرة ، كل الايام بالنسبة لنا هي يوم التروية . لأن هذا العطش لا يروى و لا ينتهي .. وفرة الماء في يوم واحد لن تروي ولن تغني عنه .
و لكن اذا ما انتابنا الشك و الترديد ازاء الاستغناء عن الكرامة ، الملذات ، الشهرة ، و الجهاد للذود عن الدين و المعتقد ؛ فإننا نمضي في هذا المسار الى الحد الذي نقضي كل الوقت بالاستخارة و استشارة من نشترك معهم بالمسلك و المنافع ، حتى يطرق الاسماع صوت طبول انتهاء المعركة ، و اعلان نهاية فجر العاشر.
العبد الصالح ، العارف المتأله الزاهد و الانسان الكامل ، العاشق للمناجاة مع ربّ العزة ، و المستغرق في الذكر و الدعاء ، يقف بكل شجاعة و يتخلى عن رغباته وميوله النفعية ، ويفكر بما يخدمة مصالح الاسلام و الامة و ليس منافعه الشخصية ، و اتخاذ قراره و عقد العزم دون ادنى تردد ، و الصدح بكلمات خالدة في التاريخ ، و حاضرة في كل عصر و زمان : ” من کان باذلاً فِينَا مهجتَه، وموطِّناً على لِقَاءالله نفسه، فلْيَرْحَل مَعَنا” .
و على الرغم مما كان ينتظره النفعيون ، والزهّاد القشريون ، و المرفهون طلاب الدنيا ، و الاعداء الحاقدون ؛ فانه لم يملأ قرابه بالماء لأجل عرفات ، بل و لم يلق حتى نظرة اليه ، و قرر الالتحاق بمصارع عشاق نينوى .
دعا الجميع الى سقي غرسة الاسلام الفتية و رعاية شجرة العدالة ، كي تكون التروية لأجل الهجرة على الدوام ، و يكون التحرّك لأجل شجرة الاسلام الباسقة ، مخلداّ اسمه و نهضته .
و على الرغم من وقوف الجميع بوجهه و محاولة ثنيه عن نهجه و مسيرته ، بدءً بالنفعيين و انتهاء بالمتحمسين ، المنافسين ، طلاب الدنيا و الاعداء ؛ غير ان ذلك لم يفت في عضد الامام الهمام و لن يثنيه عن توجهاته و اهدافه الربانية السامية.
حاولوا تخويفه من الموت ، و من تشريد أهل بيته ! فردّ عليهم لافتاً الى ايمانه بطريقه و نهجه : أبالموت تخوفني ؟ ” فيا سيوف خذيني ” .
كان عزمه وارادته تستند الى مكان آخر .. وما اراده و اصرّ عليه عين ما كان يريده ” هو ” ، حيث قدره و ارادته.
و لهذا يوم التروية هو يوم العزم و الارادة الايمانية و الربانية في تخطي المنافع الشخصية و اللذائذ المعنوية لأجل أمر هام و حياتي ، و إن كان أمر في غاية الصعوبة و باهض التكلفة ، حيث الدفاع عن دين الله و صيانة مصالح الامة و العمل بالتكليف ، الذي اضحى خالداً في الوجود و التاريخ .. الاسلام و التحرر أخذت منه الحياة و بقي خالداً .. فهو لم يفكر بغير التكليف و مسؤوليته التاريخية و الالهية ، ولم يرغير ذلك و لن يريده .. وكم هو جميل و دقيق ما قاله شيخ عارف : ” سيد الشهداء اوضح التكليف لنا جميعاً ” .
بالنسبة لي يعتبر يوم الثامن من ذي الحجة ، ملازماً لشعور غريب و قلق واضطراب على الدوام .. إذ كثيراً ما كنت اتساءل لو أننا واجهنا مثل هذا الموقف ماذا كنّا سنفعل ؟ هل سنكون بهذا القدر من الاطمئنان لإتخاذ قرار صائب ، و أدركنا تكليفنا بشكل سليم ؟ ونعمل و نتحرك وفقاً لما يقتضيه الواجب؟ أم نتخذ من العمل بالظواهر و الفرائض ذريعة للهروب من المسؤولية الاولى و الحقيقية ؟
لابد من تفويض الأمر الى الله و ندعو لأن يمنّ علينا بالمعرفة ، و الشعور ، و الارادة ، و العزم ، و الشجاعة اللازمة لإتخاذ القرار الصائب و الاقدام في الوقت المناسب .
وا أسفا من التشخيص غير السليم و القرار الخاطىء .. ونعوذ بالله من التوجهات النفعية و الانانية المقرونة بذرائع و مبررات مخادعة .
لینک کوتاه
سوالات و نظرات