إصلاح المنبر الحسيني في مؤلفات الشيخ مرتضى مطهّري_قراءة وصفية
{ د. فراقد داوود سلمان الشلال – جامعة البصرة، مركز دراسات البصرة }
المقدّمة
إنّ الاشتغال على التعريف بالجوانب الشخصية للشيخ الشهيد مرتضى مطهّري في هذه الدراسة، يأتي ضمن سياق التعريف بمنهجه الفكري الديني وليس بشخصه؛ لوجود مؤلفات عدّة تناولت تفاصيل حياته الشخصية. حيث يُعدّ مطهّري من أبرز مفكري إيران الذين ظهروا في منتصف القرن الماضي، ولقد جمع مرتضى مطهّري في دراسته بين الحوزة والجامعة وبين الأصولية والتجديد، فاهتم من جهة بدراسة الأدب العربي والفارسي، وعلم الكلام والفلسفة الإسلامية، واللغة العربية، تاركاً لنا أكثر من خمسين كتاباً، مثّلت صرحاً من الإبداع الفكري، وجعلت منه واحداً من أبرز أعمدة الفكر في الفضاء الشيعي المعاصر، ومن جهة أُخرى يُعدّ(رحمه الله) رائد التجديد وناقد الفكر الديني، والدعوة للعودة إلى القرآن الكريم، وتصحيح الأفكار ونبذ البدع. استُشهد الشيخ مرتضى مطهّري في 12/شباط/1980م على يد جماعات مسلحة [1]، وشُيّع جثمانه تشييعاً مهيباً، شاركت فيه مختلف شرائح المجتمع الإيراني، وكان الإمام الخميني(قدس سره) يتصدّرهم، ودُفن الشيخ الشهيد مرتضى مطهّري بجوار مرقد السيّدة فاطمة المعصومة(عليها السلام) في مدينة قمّ جنوب طهران، وأُعلن الحداد العام في الجمهورية الإسلامية على روحه الطاهرة لمدّة ثلاثة أيّام، وأُقيم مجلس العزاء في المدرسة الفيضيّة.
وقد تحلّى الشهيد مطهّري بجملة كبيرة من الخصال العلمية التي تميّزت بها شخصيته، وقد برزت في نتاجه العلمي وفي محاضراته وخطبه، والتي منها:
أولاً: دقة منهجه في التفكير، وعمق طريقته في معالجة المشكلات، فقد كان يعرض المسائل التي تشغل فكره عرضاً تفصيلياً، موضحاً تاريخها، وواصفاً إيّاها وصفاً دقيقاً وموضوعياً، ورابطاً بين القضايا ربطاً منطقياً محكماً، ومستنبطاً النتائج برؤية ثاقبة ودقة تقدير.
ثانياً: إيمانه العميق بما كان يدعو إليه ويُنظّر له من الرؤى والمبادئ، كما أنّه(رحمه الله) كان من ذوي القناعات الثابتة من دون تزمّت أو تعصّب في الرأي.
ثالثاً: كان مطهّري يتمتع بعقل رافض للتقليد الأعمى للأفكار، حتّى ولو كانت راسخة شائعة، ويتّبع النقد الواعي لكلّ فكرة من غير أن يقع تحت تأثيرها، أو يطغى عليه تماسك منطقها، مضافاً إلى أنّه(رحمه الله) لم يكن يقبل رأياً أو يرفضه إلّا بحجة قوية[2].
رابعاً: كان(رحمه الله) شديد الإيمان بحرية الفكر والتعبير عن الرأي، إيماناً مصحوباً بالتطبيق ومؤكّداً بالممارسة، بحيث كان(رحمه الله) يؤكّد على حق كلّ شخص في أن يعلن عمّا يراه بلا خوف أو قمع أو اضطهاد، وأنّ الإسلام يضمن حرية الفكر والقول، مع سلامة النية وصدق القصد من غير خداع أو تضليل[3].
خامساً: إنّه(رحمه الله) كان يعالج من خلال نتاجه الفكري الموضوعات التي لها مسيس الحاجة في المجتمع، ويتطرّق إلى المشكلات التي يعاني منها الواقع، فيختار الأهم منها، ثمّ المهم منها، وذلك من قبيل: حقوق المرأة، والحجاب، والقومية الإيرانية[4].
هذا، وقد ظهرت العديد من الدراسات الأكاديمية الحديثة والمعاصرة عن المنبر الحسيني، منها ما اتّسم بالسطحية، وآخر اتّسم بالعمق والجدية، إلّا أنّ دراسات الشيخ مطهّري عن النهضة والملحمة الحسينية تتّسم بالأصالة والتحليل والعمق؛ لأنّه(رحمه الله) يرى أنّ الإمام الحسين(عليه السلام)، صاحب رسالة مقدّسة، هدفها الأساس المحافظة على نقاء الدين الإسلامي من زيف الادّعاءات الأُموية، وأنّ المنبر الحسيني لا بدّ أن ينطلق في معالجته لمختلف المشاكل التي يعاني منها المجتمع، كمعطى من معطيات هذه الرسالة، التي ضحّى من أجلها(عليه السلام) في واقعة الطفّ، هو ومَن معه من أهل بيته وصحبه؛ ومن هذا المنطلق، يمكن للباحث والمتابع أن يطرح مجموعة من الأسئلة المتعلّقة بما ذُكر، وهي: هل أنّ إصلاح المنبر الحسيني وفق رؤية مرتضى مطهّري ناجم عن تردّي وضع بعض خطباء المنبر؟ وما هي طروحات مطهّري لإصلاح المنبر الحسيني؟ وما هي منهجيته في تأليف كتبه موضع البحث والدراسة؟ سنحاول ـ في هذا المقام ـ الإجابة عن هذه الأسئلة وفق المنهج الوصفي التحليلي، معتمدين في ذلك على كتابي الشهيد مطهّري اللذين هما بعنوان: (الملحمة الحسينية)، و(بين المنبر والنهضة الحسينية).
المبحث الأول: الملحمة الحسينية
ويتكوّن هذا الكتاب من ثلاثة أجزاء، وهو من مؤلفات مرتضى مطهّري، التي تتصف بغنى مباحثه وجرأة طروحاته، والتي تضمّ أفكاره وتحليلاته حول النهضة الحسينية بأسلوب النقد البنّاء، الرامي إلى تصحيح الكثير من الانحرافات والمغالطات.
والكتاب عبارة عن مجموعة من المحاضرات التي ألقاها الشيخ مرتضى مطهّري في مناسبات عدّة، وقد تمّت طباعة الكتاب في إيران أكثر من أربعة عشر مرّة من قِبل مؤسسة الدار الإسلامية في بيروت.
كان يهدف الشيخ من وراء هذا التأليف؛ تصحيح وتصويب ما تعرّضت له النهضة الحسينية من تشويهات، ومغالطات، وتحريفات بأسلوب سهل ومباشر.
في مقدّمة الكتاب ذكر الناشر الأستاذ (نادر التقي) أنّ الشيخ مرتضى مطهّري يضع أيدينا على جوهر هذه النهضة المباركة، التي شكّلت منعطفاً حاسماً في مسار التاريخ الإسلامي المجيد، والتي كانت وما زالت مناراً مشعّاً يقود السالكين في دروب الحق ومعارج الحقيقة.
يتناول مطهّري هذه الملحمة الفريدة من جانبها الحي الملتهب صدقاً وحماساً، والمشع أصالةً ونبلاً، ويصفه مثل الطبيب الجراح الماهر، الذي يضع مبضع الحقيقة ويزيل ما تراكم عليها من أدران الوهم والخيال، ويكشف زيف ما علق بها من تشويه الأساطير والخرافات، ويدفع ما لحق بها من مغالطات، وكلّ ذلك بهدف إخراج هذه النهضة صافية نقيّة قويمة المنهج صحيحة المسار.
أولاً: الجزء الأول من الملحمة الحسينية
حاول مرتضى مطهّري في الجزء الأول من الملحمة سبر أغوار واقعة كربلاء بالدراسة والتحليل، والتطرّق إلى التحريف الذي طال الثورة الحسينية وأهدافها السامية، وحذّر مطهّري من تلك الانحرافات التي أُدخلت عليها، سواء كانت من النوع اللفظي أو المعنوي، وبيّن بأنّها تؤدّي إلى فقدان هذه الملحمة العظيمة تأثيرها السياسي والاقتصادي، والفكري والثقافي في المجتمع؛ لذلك يدعو الشيخ(رحمه الله) في هذا الجزء من كتابه إلى التمسّك بمضمون هذه الحادثة كما هي، بموضوعية تامّة بعيداً عن الانفعال، والوهم، والخيال في عرض الأدوات المتصلة بها؛ لأنّ هذه الأُمور تؤدي إلى أضرار فادحة تطال الأُمّة الإسلامية، تلك الأُمّة التي تحتاج إلى التفاعل مع رموزها ومحطّاتها الدينية والتاريخية بالشكل الذي يحفظ لها توازنها وأصالة حضورها.
وفي هذا الإطار يرى مرتضى مطهّري أنّ الأفراد يحتاجون إلى التفاعل مع رموزهم الدينية والتاريخية، بالشكل الذي يحفظ لهم التوازن والأصالة؛ لأنّ الفهم الحقيقي لغايات الثورة الحسينية ينعكس إيجاباً على الواقع الإسلامي ككل، ويقول مطهّري في هذا الشأن:( إنّ هذه القضية ينبغي عرضها كما هي ودون زيادة أو نقصان؛ لأنّه في حالة أيّ تدخلٍ أو تصرفٍ في اللفظ أو المعنى مهما كان بسيطاً سيرتّب بلا شكّ حرف اتجاه الحادثة عن مسارها، وبالتالي إلحاق الضرر بأُمّتنا بالتأكيد بدلاً من إفادتها منها)[5].
كما يبيّن الشيخ مطهّري بأنّ المسؤولية ـ في المقام ـ تقع على عاتق كلّ من العلماء والرواة وعامّة الناس، للوقوف بوجه الذين أساؤوا إلى القضية الحسينية، وأفرغوها بتحريفاتهم وتفاعلهم السلبي معها من كل قيمة، أو مضمون يمكن أن يرتفع بمستوى وعي الأُمة؛ إذ يقول بهذا الصدد:( إنّ التحريفات التي أصابت هذه القضية على أيدينا، كانت كلّها باتجاه التقليل من قيمة الحادثة، ومسخها وتحويلها إلى حادثة لا طعم لها ولا معنى، والمسؤولية تقع ـ هنا ـ على الرواة والعلماء، كما تقع على العامّة من الناس)[6].
ويدعو الشيخ مطهّري إلى تصحيح النظرة في التعاطي مع المجالس الحسينية، فهي ليست مناسبة لإذكاء الحماسة والانفعال، وإثارة الخيال والأوهام، واختراع القصص الخيالية، من أجل إدخال الحرارة إلى المجلس؛ ليتفاعل الناس مع ذلك، بل إنّ المجالس الحسينية مناسبة لبناء الذات والوعي وتأصيل الشخصية، عبر استلهام ما تحمل من عِبَر ومواعظ، تخاطب العقل والشعور. كما يدعو إلى مقاومة اللاوعي واللامسؤولية في استحضار عاشوراء وتسطيحها، فعاشوراء مناسبة للتحليق في سياقات الوعظ والتأمّل والإصلاح، وليس في فضاء الخيال، وحول هذا الأمر يقول:( فمن أجل شدّ الناس إلى صورة الفاجعة التاريخية وتصويرها المأساوي، ودفع الناس إلى البكاء والنحيب، ليس إلّا كان الواعظ على الدوام مضطراً إلى التزوير والاختلاق)[7].
واعتبر مرتضى مطهّري أنّ هذه الأساليب فيها الشيء الكثير من الإساءة إلى قضية عاشوراء ومعانيها السامية، لا أنّها ترفع من شأنها؛ وأنّ الأمر بالتالي مشين ومأساوي. وبالرغم من ذلك حثّ مطهّري الناس على ضرورة الاستماع إلى المأتم الحسيني الصادق؛ حتّى تتوسّع معارفهم وينمو مستوى التفكير عندهم، ويدركوا بأنّ اهتزاز روحهم مع أيّة كلمة من كلمات الخطيب، يعني انصهارها مع روح الحسين(عليه السلام)، وأنّ دمعة واحدة إذا ما خرجت من عيونهم كافية لمنحهم ذلك المقام الكبير لأصحاب الإمام(عليه السلام)، أمّا الدموع التي تخرج من خلال العرض المأساوي، ورسم المجزرة والتشريح والذبح والمذبحة، فلا تساوي شيئاً حتى ولو كانت بحراً من الدموع[8].
ولكنّه يرى أنّ المشكلة الكبرى عندما يتحوّل المنبر الحسيني إلى العرض المأساوي؛ لكسب أكبر قدر ممكن من عاطفة المستمعين، فيقوم بعض الخطباء بإيراد روايات من كتب السير والتراجم التي تعزز هذا التوجه، وأغلب الروايات تكون دون سلسلة سند أو تحقيق، وبعض الخطباء لا يقفون عند هذا الحدّ، بل قد يتجاوزه إلى روايات غير معتبرة أو مكذوبة أو ملفقة في قضية الإمام(عليه السلام)؛ الغرض منها تحقيق أغراض ومنافع شخصية على حساب أسمى ثورة في التاريخ أسقطت عروش الطغاة والمستبدين.
إنّ الرسالة الحقيقية للمنبر الحسيني وفق رؤيته، ترتبط بالسياق الذي ينتمي له هذا المنبر، فالمنبر الحسيني يمثّل مرآةً للنهضة الحسينية، يحمل قيمها وأهدافها العظيمة، والنهضة الحسينية تنطلق من قاعدة القيادة المعصومة لأهل البيت(عليهم السلام)، التي ينبثق عنها مشروع متحرّك للإصلاح الديني، والحفاظ على الكرامة الإنسانية، وتحقيق العدل والمساواة، وهذه الشعارات ذاتها تمثِّل رسالة المنبر الحسيني وفق المتطلبات والتطبيقات الموضوعية المتجددة، وفي هذا المجال يذكر مطهّري:( لقد أراد منّا أئمتنا أن تظلّ مدرسة الحسين حيّة، أن تبقى التربة الحسينية حيّة، وأن تنفخ روح الحسين في هذه الأُمّة، ومن ثمّ تشعّ على الأطراف… لقد أراد أئمتنا لنا أن نحيي مجالس العزاء، وهذا أمر صحيح. إنّ فلسفة إقامة مجالس العزاء الحسينية فلسفة صحيحة ورفيعة المعاني للغاية)[9]. نعم، إنّ تحقيق هذا الأمر ـ على حدّ تعبير الشهيد مطهّري ـ يحتاج منّا إلى جهود كبيرة في هذا المجال، مضافاً إلى ضرورة تحديد أهدافنا من وراء هذه الجهود، وأن تكون هي الأهداف نفسها ـ المتقدّمة ـ التي أرادها لنا أئمّتنا(عليهم السلام)، لكن للأسف الشديد فإنّ بعضاً لم يُدرك هذا المعنى السامي وأخذ يتصور بأنّ الاجتماع في تلك المجالس والبكاء والنحيب على الإمام(عليه السلام) بحدِّ ذاته هدف دون التعرّف على فلسفة النهضة الحسينية ومعرفة شخصية الإمام(عليه السلام) التاريخية، فهو ـ بحسب نظر هؤلاء ـ كافٍ في مقام تكفير الذنوب من دون وجود أمر آخر وراء ذلك[10].
وبناءً على ما تقدّم؛ فإنّه(رحمه الله) يرى أنّ التركيز على الجوانب العاطفية بالطرق التقليدية المطروحة دون التأكيد على مبادئ النهضة الحسينية والأسس التي سار عليها الإمام الحسين(عليه السلام)، هو بلا شك حرف الأُمّة عن الأهداف الربانية والإنسانية العظيمة، التي أراد تحقيقها الإمام(عليه السلام) في ثورته، والمتمثّلة بوقوفه ضدّ الظلم وقمع الحرية، ورفضه الدين الأُموي الذي أُريد له أن يحلّ محلّ الدين المحمدي الأصيل. وفي هذا الصدد يقول(رحمه الله) في الجزء نفسه:( اُبكوا البطل، وأقيموا مجالس الرثاء والعزاء للبطل، حتى تولدوا إحساساً بالبطولة والشجاعة في أنفسكم، واجلسوا في رثاء البطل عسى أن تنعكس ظلال روح البطل على أرواحكم، وتزداد غيرتكم تجاه الحق والحقيقة، وتنذروا أنفسكم للعدالة، وتصبحوا من المقاتلين ضدّ الظلم والظالمين، وتصبحوا أحراراً وتقدّروا معنى الحرية، اجلسوا في مجالس رثاء الإمام الحسين حتى تعرفوا [ما] معنى عزّة النفس؟ وما معنى الشرف والإنسانية؟ حتى تعرفوا ما معنى كلمة الكرامة؟)[11].
وفي ختام الحديث عن الجزء الأول من كتابه الملحمة الحسينية، فقد اتّضح لنا أنّ مرتضى مطهّري أراد رسم صورة ذهنية جديدة متوازنة لدى الناس، ما بين تضحية وعطاء الإمام وأهل بيته(عليهم السلام) وبين المنبر الحسيني الرسالي الأصيل، القائم على أساس تحقيق الأهداف النبيلة للفرد والأُمّة الإسلامية. واتّضح لنا أيضاً بأنّ المسلم إذا لم يُضّحِ بنفسه وماله وكل ما يملك في سبيل رفعة راية الإسلام، فلن يكون للإسلام حضور ووجود في حياة الناس، وأنّ دور المنبر الحسيني لا يكون بالسرد التاريخي للسيرة الحسينية الشريفة فقط، وإنّما إحياء سنن الإسلام الصحيحة ونشر تراث أهل البيت(عليهم السلام).
ثانياً: الجزء الثاني من الملحمة الحسينية
تطرّق مرتضى مطهّري في هذا الجزء إلى العوامل المؤثّرة في النهضة الحسينية، وبيّن بأنّ فلسفة إقامة المجلس والعزاء الحسيني، هي فلسفة تربوية يقصد منها إدراك المعارف وتوسيعها[12]، وبيّن أيضاً أنّ باستشهاد الإمام(عليه السلام) قد تحققت أهدافه المعنوية وغاياته العرفانية، مقابل عدم تحقيق آل سفيان أيّاً من أهدافهم بأيّ شكل من الأشكال[13]؛ وبذلك انتصر الدم على السيف، والذي عُدّ وصمة عارٍ تلاحق الظالمين في كل مكان وزمان، فلولا تلك النهضة الحسينية لما كان للإسلام أن يستقيم.
كما أورد مطهّري ـ في المقام ـ مراحل وأقسام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شارحاً، ومحققاً، ومستوفياً كل تفاصيل هذا الحادث الإسلامي الخطير، ودقائقه، وشروطه، وأثره في حياة الأُمّة، معرِّجاً في ختام كتابه على حقيقة عاشوراء وجوهرها الأصيل، المتناغم مع هذا الأصل الإسلامي العظيم. وذلك من خلال التعرّف على شعارات عاشوراء، تحليل واقعة عاشوراء، والوقوف على جوهر النهضة الحسينية.
ثالثاً: الجزء الثالث من الملحمة الحسينية
تحدّث الشيخ مطهّري في هذا الجزء عن الإطار العام لواقعة كربلاء، وعن الجذور التاريخية لها، وعن قيمة الشهيد والشهادة في إطار المنطق السليم والأهداف المقدّسة، وحس السمو، وتوفر الإدراك، وشجاعة الروح، وتوازن العقول.
إنّ شهادة الإمام الحسين(عليه السلام) قد تجسّدت في ثلاث صور، وبعبارة أُخرى: إنّه(عليه السلام) استُشهد ثلاث مرات المرّة الأُولى: استُشهد على يد يزيد بفقدانه جسده، والمرّة الثانية: استُشهد من خلال تشويه الأعداء لسمعته ومقامه واسمه، لا سيّما على يد الخليفة العباسي المتوكّل بالله، والمرّة الثالثة: استُشهدت أهدافه على يد بعض أهل المنبر الحسيني[14].
كما أوضح(رحمه الله) أنّ فلسفة المدرسة الحسينية مبنيّة على أساس تربية جيل يتحلّى بالخُلق النبوي المحمدي الأصيل، ولاستمرار هذه الفلسفة كان لا بدّ من إحياء هذه الذكرى في كل سنة، بهدف تخليد مدرسة النبوة التي خُتمت بمحمد(صلى الله عليه واله)؛ وعليه فالمدرسة الحسينية هي بمثابة البديل الدائم لمصدر الوحي والإلهام النبوي[15].
وأوضح أيضاً ـ تحت عنوان: المنطق التقليدي لأهل المنبر (الحديث عن شهادة ومظلومية أبي عبد الله) ـ أنواع الموت مبيّناً بأنّه تارةً يكون موتاً طبيعياً، وأُخرى يكون موتاً اخترامياً، سواء كان بسبب الحوادث الطبيعية أم القتل العمد، وثالثة يكون موتاً عن طريق التضحية والفداء والشهادة؛ إذ يكون للمقتول في العملية الإرادة الواعية لدى التعرّض للقتل، فقد تقدّم نحو الموت بهدف الدفاع عن أهداف وعقيدة راسخة في أعماقه، وهي له ذات أبعاد مقدّسة تتطلب التضحية بكلّ شيء من أجل تحقيقها، أي: إنّ الموت هنا يكون اختيارياً، أو موتاً واعياً، سعياً وراء تحقق الأهداف المرجوة[16].
في مجال الخطاب العاطفي الحسيني يرى مرتضى مطهّري أنّه قد جرت العادة أن يتطرّق الذاكرون، وأصحاب المنبر الحسيني لشهادة الإمام الحسين(عليه السلام) بالتركيز على إظهار براءة المقتول ومظلوميته، وذهاب نفسه هدراً وضياعها، فأغلب أصحاب المنبر يذكرون حادثة مقتل الإمام(عليه السلام) من باب التأسّف على روح سيّد الشهداء(عليه السلام)، التي ذهبت هدراً وهباءً منثوراً، في حين أنّه من الأخطاء الاعتقاد بذهاب دم الإمام(عليه السلام) هدراً، واعتبار خسارتنا لروحه ونفسه الطاهرة خسارة وكفى، فالإمام(عليه السلام) على العكس من ذلك، فهو قد منح قيمة بالغة لا يقدّر ثمنها بالدنيا كلّها، لكلّ قطرة دم سالت من جسده الطاهر، وهو الذي زلزل بموته عرش الطغمة الظالمة، وعلى مدى قرون لا يزال المثل الأعلى لكل الحوادث الزمانية [17].
إنّ الشيخ مطهّري ليس ضدّ الخطاب العاطفي المعتدل والصحيح والواقعي، ولكن طريقة الطرح الخطابي والكيفيّة التي تتناول النهضة الحسينية من خلال بعض المنابر التي كانت موجودة في إيران في عهده هي محلّ الخلاف. إن ما كان يرمي إليه مطهّري من خلال ما سبق، هو أن يكون منهج خطباء المنبر الحسيني منهجاً حسينياً قويماً ومؤثراً بالناس خالياً من الشذوذ في الأفكار والعقائد.
ويوضح مطهّري أنّ القصد من إقامة الشعائر الحسينية لا ينحصر بتقديم التضامن والسلوى لآل بيت النبوّة، وكما يقال: إسعاداً وإرضاءً للزهراء(عليها السلام)، وبالتالي يكون التصوّر أنّه كلّما بكينا أكثر على آل البيت كلّما كان ذلك أكثر عزاءً وسلوى للرسول العظيم(صلى الله عليه واله) والزهراء(عليها السلام).
فكم نكون بذلك قد حجّمنا وهمّشنا من قيمة وحجم الرسول(صلى الله عليه واله)، وعلي والزهراء(عليهما السلام)، وهم الذين كانوا يتوقون للشهادة، ويرون فيها فخراً لهم، بينما نتخيل أنّهم وبعد مضي أكثر من ثلاثة عشر قرناً على رحيلهم، فإنّهم لا يزالون يعيشون حالة من الأسى والحزن والرعب[18].
ومن هنا؛ فإنّ ما يريد ـ مطهّري ـ أن يوصله إلى قرّائه ومتابعيه، هو أنّ الأصل في قيام النهضة الحسينية هو النهوض بالأُمّة نحو التغيير والإصلاح، وذلك كما ورد على لسان رائد هذه النهضة المعطاء الإمام(عليه السلام) نفسه: (…أَلا ترون أنّ الحق لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يُنتهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً…)[19]، أعلنها الإمام(عليه السلام) صراحة وفي مواضع متعددة راسماً من خلالها خارطة طريق في نهضته، ومن هذا المبدأ يتبيّن أنّ السبب الرئيس لنهضة الإمام(عليه السلام)، هو الإصلاح والتغيير لرفع راية الحق وإبطال الباطل؛ وعليه فإنّ إحياء هذه الذكرى وإقامتها كشعيرة لا بدّ وأن يتماشى مع الهدف الأصلي والأساس، الذي انطلقت من أجله الثورة الحسينية، ومن هنا يلزم أن يكون خطاب المنبر الحسيني قائماً على أساس نشر أهداف الإمام(عليه السلام) في نهضته وحركته؛ من أجل التغيير والإصلاح، ونشر الوعي والثقافة الأصيلة، وما عدا ذلك يبقى مجرد متمم لهذا الهدف الرئيس، المنشود من وراء المنبر الحسيني على شرط الصحة وليس بديلاً عنه.
وهنا لا بدّ لنا من وقفة عند الخطاب العاطفي في المنبر الحسيني، الذي نراه أحياناً يطغى ويتحوّل إلى هدف بحدّ ذاته، بحيث أصبح مجرد سرد روائي للجانب المأساوي لثورة الإمام(عليه السلام)، بعيداً عن الربط بأهداف الحراك الذي استُشهد لأجلها الإمام(عليه السلام)، وكأنّما الإمام(عليه السلام) لم يهدف من وراء ثورته ونهضته إلّا أن يخبر الناس كيف استُشهد هو وأهل بيته، بدلاً من أن يعلمهم لماذا استُشهد.
إنّ من الواجب أن يكون الناس أكثر إدراكاً ووعياً، وأكثر انتقاءً لفرز الخطباء والمجالس الحسينية، من أجل الارتقاء بهم. فإنّ الاستمرار في حضور المجالس التقليدية التي لا ترى في ثورة الإمام(عليه السلام) إلّا الجانب التاريخي والعاطفي السلبي، هو خلاف ما هدف إليه أئمّتنا الأطهار(عليهم السلام) الذين ركّزوا على العاطفة لا من أجل صنع مأساة، وإنّما من أجل تأجيج عاطفة حبّ وعشق للإمام الحسين(عليه السلام)، فيكون الناس هائمين بحركته وتضحياته، فتتحوّل العاطفة إلى شعلة من العطاء والتضحية بكل غالٍ ونفيس حبّاً في الله.
المبحث الثاني: بين المنبر والنهضة الحسينية
من مؤلفات الشيخ مرتضى مطهّري الأُخرى التي نحن بصدد التعرّض لها هو كتاب (بين المنبر والنهضة الحسينية)، الذي هو عبارة عن مجموعة محاضرات، كان قد ألقاها على طلّابه في جامعة طهران، وحملت المحاضرات عناوين مختلفة، من قبيل: الفطرة، حقيقة النهضة الحسينية، شهيد يتحدّث عن شهيد، الخطابة والمنبر، المشكلة الأساس في جماعة علماء الدين، المفهوم التوحيدي للعالم، الدوافع نحو المادية، حرية الفكر والعقيدة في الإسلام، الحق والباطل، إحياء الفكر في الإسلام. هذا، وإنّه(رحمه الله) على غلاف الكتاب كتب بضعة كلمات مفادها أنّه يشعر بمسؤوليته الإلهية، موجهاً تحذيره إلى زعماء النهضة الإسلامية العظام، قائلاً لهم: إنّ نشر الأفكار الغربية وتزويقها وتسميتها باسم الإسلام سواء كان ذلك بقصد أم بغير قصد، خطر يُهدِّد كيان الإسلام. وقد أراد ـ من هذا الكلام ـ فتح العيون المغلقة والعقول المصابة بداء التحريف والانحراف.
ومن الأمور التي عرضها الشيخ مطهّري في هذا الكتاب هي ما يلي:
أولاً: إصلاح قراءة المراثي
من الأُمور الأساسية التي يجب أن ينتبه لها قرّاء المراثي، هي معرفة فلسفة النهضة الحسينية، وفلسفة تعاليم الأئمّة الأطهار بخصوص إقامة مجالس العزاء، فيجب أن يكون الخطباء على بصيرة من ذلك، بحيث يستطيعون أن يذكروا حقائق النهضة الحسينية، لا أن يُقصروا معلوماتهم على فصول النواحي الحربية من معركة كربلاء، ويجب عليهم أيضاً ذكر فلسفة النهضة الحسينية ذكراً متكرراً على المنابر؛ لكي يتحقق ما أوصى به الأئمّة المعصومون(عليهم السلام) زين العابدين، والباقر، والصادق، لكي يكون لدينا أمثال الكميت، ودعبل الخزاعي، فينشدون المراثي والتعازي[20].
ثانياً: مواصفات خطيب المنبر الحسيني
1ـ أن يكون الخطيب ناطقاً باسم الإسلام
إنّ مهمّة الخطيب هي الحفاظ على الإسلام، وبتعبير آخر: إنّ الناطقين باسم الإسلام هم الخطباء ورجال المنبر، وهم ـ كذلك ـ الذين يشرحون ويوضّحون للناس ما يجري حولهم، وتلك هي فلسفة إقامة المجالس الحسينية، التي لم تقتصر على البكاء، فالإمام(عليه السلام) يريد إحياء ذكره لإحياء مدرسته التي تريد أن تحارب كل باطل مثل الرأسمالية، والشيوعية، والظلم والفساد، وغياب العدالة؛ لأنّه لم يَثُرْ منطلقاً من نزعة ذاتية، أو حركة عفوية، وإنّما انتفض من أجل الإسلام؛ لأنّه(عليه السلام) يمثّل الإسلام[21]. مات الإمام الحسين(عليه السلام) ولكن مبادئه لا زالت حيّة، فإنّنا نحارب تحت لواء الحسين(عليه السلام)، ونسير تحت ظلّه في طريق الحق، فالإمام الحسين(عليه السلام) هو هوية أُمّة بكاملها، هوية الانتماء إلى عقيدة متجذرة في النفوس والعقول، تتعاقب على حملها الأجيال جيلاً بعد جيل عبر الزمن.
2ـ أن يكون الخطيب في موضع هداية
والهداية التي يوردها مطهّري، هي الإرشاد إلى الطريق القويم. كالقافلة التي تسير نحو مقصد لها، فتسأل شخصاً عن الطريق إلى المكان المقصود، فيدلّها عليه قائلاً: اذهبوا من هنا، أو من هناك، هذه هي الهداية إلى الطريق، ولا بدّ أن تتوفر شروط عدّة في الهادي، من قبيل:
1ـ أن يكون عارفاً بوجهة القافلة ومسيرها.
2ـ أن يكون عارفاً بجغرافية المكان الذي هم فيه والمتوجهين صوبه[22]؛ فالمجتمع كالقافلة دائم الحركة لا بدّ من وجود هداة له يعرفون كيفية قيادته وكبح جماحه، وذلك من أجل وضعه على مسار جديد وتحريكه نحو هدفه الأصيل. العالم اليوم في تسابق مستمر في ميدان العلم والصناعة، وعليه لا بدّ من بذل الجهد وتحريك المجتمع؛ لئلّا يتخلّف عن هذا السباق، وعدم الاكتفاء بالانتقاد وتصيّد الأخطاء وإصدار الأوامر، فإنّ هذا لا يمكن تسميته هداية[23].
3ـ أن يتصف الخطيب بالإخلاص والصدق
يرى الشهيد مطهّري تبعاً للعلّامة النوري الطبرسي في كتابه (اللؤلؤ والمرجان في آداب المنبر)، أنّ الذي يريد أن يرتقي المنبر لا بدّ عليه أن يحقّق شرطين، هما: الصدق، والإخلاص الذي هو عبارة عن صفاء الأعمال من الشوائب والرياء، وجعلها خالصة لله سبحانه وتعالى[24]، فهو يعتبر جوهر العبادة ومعه تكون مقبولة لدى المولى(عزوجل)، قال سبحانه وتعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)[25]. والمنبر باعتباره رسالة الهدف منها ذكر المصالح الدنيوية والأخروية للناس، فإنّه يجب على مرتقيه ـ مضافاً إلى علمه ومعرفته بأحوال الناس ومصالحهم ـ أن يكون هدفه الأساس من حديثه معهم هو الإخلاص لله تعالى وخدمة دينه، وليس حبّ الشهرة والظهور، أو الحصول على الأموال الوفيرة، أو البحث عن الوجاهة؛ لأنّ ذلك من محبطات العمل ويسلبه البركة والتوفيق الإلهي[26].
4ـ أن يتبع الخطيب أسلوب الوعظ
ينبغي على الخطيب اتّباع أسلوب الوعظ، وذلك من خلال التعريف بالخُلق الفاضل والحثّ على امتثاله، وبيان الخُلق السيئ والتنفير منه، مستعيناً بما يرقق القلب ويزيل القسوة منها، ويخفف حدّة الغضب والشهوة، ويسكِّن أهواء النفس ويصقل القلب ويمنحه الشفافية والصفاء. ولا يوجد أحد ـ بحسب ما يذكر الشيخ مطهّري ـ ليس بحاجة إلى الوعظ، أو مجتمع غني عن الموعظة، فهي تذكير الغافل، وتثبيت المهتدي بالله، وتبصير الناس بشرائع الإسلام وحدوده، تعريف الخلق بالخالق، وزجر العاصي والفاجر. وبالتالي فكلّما ازداد عدد الخطباء الذين يتّبعون هذا الأسلوب مع امتلاكهم الشرائط المطلوبة، فإنّ ذلك سوف يمنح الخطابة والمنبر فعالية كبيرة وحضوراً جيّداً[27].
5ـ عرض المصالح
إنّ من مهام الخطيب الحسيني أن يقوم بإفهام الناس ما يصلح لهم في دينهم ودنياهم، وما الذي يجب أن يقوموا به؛ ليكون خيراً لهم في الدنيا والآخرة. وهذه المهمّة تعتبر عملاً كبيراً، وهو أصعب من الوعظ بكثير، فإنّ مَن كان على شيء من صفاء الضمير والإيمان، وعلى معرفة بعدد من المواعظ يستطيع أن يعظ، وأن يكون مفيداً في وعظه، وإذا كان الواعظ نفسه مخلِصاً، ملتزماً بمضمون عِظته، فإنّ مجرد تكرار أقوال عظمائنا يكفي، ولكن إذا أراد الشخص أن يخوض في مصالح الناس الدنيوية والأُخروية العليا فيعرفهم بمصالحهم تلك، فالأمر ليس بتلك السهولة؛ وذلك لأنّ هذا المتكلّم يحتاج ـ مضافاً إلى إخلاصه في هذه المهمّة ـ إلى أن يكون ذا علم وسعة اطّلاع كبيرين[28].
6ـ أن يتمتع الخطيب بالمعرفة الدينية والمعرفة الاجتماعية
فمن حيث العلم والمعرفة لا بدّ أن يكون علم الخطيب بالمباني الدينية كافياً، وأن تكون معرفته بالإسلام كاملةً، ويكون كذلك مطّلعاً على روح التعاليم الإسلامية. عليه أن يعرف لباب الإسلام وقشوره، باطنه وظاهره؛ وذلك لكي يعرف ما معنى المصلحة الدينية، ثمّ إنّ مجرد معرفة الدين لا تكفي لتبيان المصالح، بل عليه أن يعرف المجتمع وأن يطّلع على أوضاع الدنيا وما يجري فيها ليدرك أين مصلحة المجتمع الإسلامي اليوم في قبال ما يجري في المجتمعات الأُخرى التي حوله، فيضع الناس أمام مجريات الأُمور وما تقتضيه المصلحة[29].
هذا، ويرى(رحمه الله) أنّ من الخطباء( مَن يقصر مطالعاته على بضعة كتب معيّنة كالفقه، أو الآداب، أو الفلسفة، ويعيش منزوياً في إحدى المدارس، لا يستطيع أن يفهم ما يجري في المجتمع وما يجب عمله، [فـ] هو يحتاج إلى حسّ نافذ ينذره بما ينتظر حدوثه في المستقبل، فيتهيأ له حتى يقود المجتمع عبره بأمان، فالهداية بغير القدرة على التنبؤ مستحيلة)[30].
وعلى ما يبدو فإنّ سبب التأكيد الكثير من قِبل الأئمّة(عليهم السلام)، على ضرورة إقامة مجالس العزاء الحسينية هو بقاء مبدأ الحسين(عليه السلام) ـ الذي قُتِل في سبيل الحقّ ـ أبد الدهر، وصيرورة شهادته مدرسة تعلّمنا دائماً كيفية الانتصار في صراع الحق مع الباطل، وإلّا فما نفع بكائنا عليه، ثمّ يذهب كل منّا إلى حال سبيله. لقد أراد أئمّة الدين(عليهم السلام) أن يظلّ استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) مذهباً ومشعلاً دائم الاتقاد، ومصباحاً من مصابيح الحق، ونداء مَن طلب الحق وأراد الحرية، وسعوا إلى أن يبقى هذا المنار ـ منار الحرية والكفاح ضدّ الظلم ـ شامخاً نيّراً[31].
إنّ الخطابة والمنبر الشائعين لدينا كما ينوّه مطهّري في كتابه الآنف الذكر هما وليدا فاجعة كربلاء، التي أوصى الأئمّة(عليهم السلام) والعلماء بإحيائها من خلال إقامة مجالس العزاء لسيّد الشهداء، وهي باقية ببركة سيّد الشهداء. وهذا الأمر هو ممّا ذهب إليه العقلاء المدركون والمتديّنون، فإنّهم يرون أنّه ما دامت هناك مجالس تعقد باسم الإمام الحسين(عليه السلام)، وما دام الناس يجتمعون في هذه المجالس، فلماذا لا نستغل هذه الحالة من أجل إحياء فريضة مهمّة وحيوية، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك يصبح للحسين كرسيان: كرسي للرثاء والتعزية وإبراز المشاعر نحو المظلوم ضدّ الظالم، والكرسي الآخر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[32].
ومن خلال الطرح السابق يمكن القول: إنّ مرتضى مطهّري ساهم من خلال مؤلفاته بإحداث ثورة عقائدية فكرية اجتماعية إنسانية، ممزوجة بالحرية السياسية والدينية. وكان يرى أنّ مهمّة إصلاح الأُمّة الإسلامية التي تقع على مفكريها وولاة أُمورها تستوجب ما يلي:
أولاً: الإلمام بالثقافة الإسلامية بمختلف علومها.
ثانياً: تجديد التفكير الديني ونقد الذات.
ثالثاً: النظر في أسباب الانحطاط والتخلّف ومراجعة آليات التفكير وسبل العيش.
رابعاً: الحرية هي حرية الفكر والعقيدة والتعبير، ولا تعني المروق عن الدين، أو التعارض مع التوحيد الإلهي؛ لذلك نجده(رحمه الله) يرفض عقائد عدّة، قائمة على الوراثة والجهل والتقليد، ومبنية على الميول والأهواء، وبعيدة عن التفكير، ومشتملة على الغموض المؤدي للتعصب.
وممّا تجدر الإشارة إليه أن ملامح منهجية مرتضى مطهّري في تأليف المصادر الآنفة الذكر من وجهة نظر الباحثة كالآتي:
1ـ قام من خلال رؤيته التحليلية ـ في المقام ـ بتصحيح الممارسات المغلوطة معتمداً على أسلوب نقدي بنّاء، وإطار منطقي سليم، ولغة راقية ومتحضِّرة.
2ـ اتّبع جانب الموضوعية في دعواته بشأن إصلاح المنبر الحسيني.
3ـ ابتناء تحليلاته على إيمانه وقناعته بضرورة التغيير؛ لذلك تتصف طروحاته بالتجديد.
الخاتمة
يعدّ مرتضى مطهّري من أبرز علماء الدين والفلاسفة والمجتهدين في إيران، أسهم بدور كبير في إغناء الفكر من خلال مؤلفاته التي جاوزت الخمسين كتاباً، وخاض في مواضيع كثيرة فلسفية، ودينية، وتاريخية، واجتماعية، وتربوية، وكان ينظر إلى المسائل الاجتماعية بذهنية فلسفية، وبالاستفادة من قدرات تحقيقية هائلة، وكان أيضاً يُخضع نظرته تلك إلى إطار منضبط ومنظّم. دراساته منطلقة من أهداف رسالية من أجل العودة إلى التراث الحقيقي للثورة الحسينية؛ وذلك بُغية تحريك معطياتها الفكرية والسلوكية والعلمية في الواقع الإسلامي العام. كما أنّ واجبه الرسالي هو الذي دفعه لنصرة الحق المتمثل في محاولة إحياء ذكرى الإمام الحسين(عليه السلام)، وفق المنهجية التي تخدم أهدافه ورسالته لتجعل منه المدرسة الأصيلة التي تحمل هم الإسلام وتسير على خطى أهل البيت(عليهم السلام) باتجاه الأهداف الإسلامية الكبرى. وأنّ رسالة المنبر الحسيني ودوره الإصلاحي كما يراها مرتضى مطهّري لا تقتصر على جانب معيّن دون الآخر، بل إنّها تناولت جميع جوانب الإنسانية سواء في الحياة الدنيا أو الآخرة، ويتضح ذلك من خلال أهمية المنبر في الإصلاح الديني والعقائدي والسياسي والاجتماعي والثقافي. وبالتالي فهو يرى ـ في المقام ـ أنّ المنبر الحسيني ليس لسرد حوادث الماضي فحسب، وإنّما للاستفادة من دروس الماضي من أجل صنع الحاضر والمستقبل، وأنّ رسالة المنبر الحسيني تتأكد على مرّ العصور من خلال ما يمثله من أهمية في إصلاح المجتمع المسلم، ومن خلال طروحاته النقدية الرامية إلى بناء المجتمع، وتربية الأجيال وتنشئتهم تنشئة صالحة؛ ليكونوا سدّاً منيعاً ضدّ أفكار الظلال، والإلحاد، والتكفير، والغلو المؤدية للإرهاب.
المصادر والمراجع
* القرآن الكريم.
1. بين المنبر والنهضة الحسينية، مرتضى مطهّري، دار الإرشاد، بيروت ـ لبنان، ط1، 1430هـ ـ 2009م.
2. تحف العقول عن آل الرسول، الحسن بن علي بن شعبة الحرّاني، تحقيق: على أكبر غفاري، نشر جماعة المدرسين، قم، ط2، 1404هـ.
3. جولة في حياة الشهيد مطهّري، مجموعة من الباحثين، دار الهادي، بيروت ـ لبنان، 1992م.
4. مطهّري العبقري الرسالي، مجموعة من الباحثين، دمشق،1991م.
5. مقالات حول الثورة الإسلامية، مرتضى مطهّري، ترجمة: محمد جواد المهري، طهران، مركز إعلام الثورة، 1402هــ.
6. الملحمة الحسينية، مرتضى مطهّري، الدار الإسلامية، بيروت ـ لبنان.
7. الملحمة الحسينية، مرتضى مطهّري، ترجمة السيّد محمد صادق الحسيني، ط2، 1992م.
________________________________________
[1]اُنظر: حمية، خنجر، مرتضى مطهّري الإشكالية الإصلاحية وتجديد الفكر الإسلامي: ص93.
[2] اُنظر: مجموعة من الباحثين، جولة في حياة الشهيد مطهّري: ص256.
[3] اُنظر: مطهّري، مرتضى، مقالات حول الثورة الإسلامية: ص12.
[4] اُنظر: مجموعة من الباحثين، مطهّري العبقري الرسالي: ص17.
[5] مطهّري، مرتضى، الملحمة الحسينية: ج1، ص11ـ12.
[6] المصدر السابق: ص12.
[7] المصدر السابق: ص16.
[8] اُنظر: المصدر السابق: ص15.
[9] اُنظر: المصدر السابق: ص37.
[10] اُنظر: المصدر السابق: ص37.
[11] المصدر السابق: ص100.
[12] اُنظر: المصدر السابق: ج2، ص8.
[13] اُنظر: المصدر السابق: ص14.
[14] اُنظر: المصدر السابق: ج3، ص65.
[15] اُنظر: المصدر السابق.
[16] اُنظر: المصدر السابق: ص73 ـ 74.
[17] اُنظر: المصدر السابق: ج3، ص75 ـ 76.
[18] اُنظر: المصدر السابق: ص84.
[19] ابن شعبة الحرّاني، الحسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسول: ص245.
[20] اُنظر: مطهّري، مرتضى، بين المنبر والنهضة الحسينية: ص219ـ 220.
[21] اُنظر: المصدر السابق: ص231.
[22] اُنظر: المصدر السابق: ص223.
[23] اُنظر: المصدر السابق: ص223ـ 224.
[24] اُنظر: المصدر السابق: ص225ـ 226.
[25] البيّنة: آية5.
[26] اُنظر: مطهّري، مرتضى، بين المنبر والنهضة الحسينية: ص228.
[27] اُنظر: المصدر السابق: ص221.
[28] اُنظر: المصدر السابق: ص221ـ 222.
[29] اُنظر: المصدر السابق: ص222.
[30] المصدر السابق: ص222ـ 223.
[31] اُنظر: المصدر السابق: ص214ـ 215.
[32] اُنظر: المصدر السابق: ص218.
المصدر: مؤسسة وارث الأنبياء
https://www.warithanbia.com/?id=2391
لینک کوتاه
سوالات و نظرات