مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

يومان

في أية بدایة من بدايات العظماء يجد الكاتب لقلمه وبيانه متسعاً للبحث ومجالاً للتنقيب، إلاّ في بدایة الحسين عليه السلام. فما من كاتب خاض البحث عنها إلاّ تملكاه دهشة وذهول. لأن في بدايته يداً تزج إلی نهايته، ونهايته خضم صاخب في وسط أمواجه المتلاطمة أقلعت سفينة النجاة، تحفها قدسية الإيمان وتكتنفها هيبة البطولة، ويعلوها علم التضحیة..!! لذا مهما حاولت أفصل بين نقطتي البدایة والنهایة، وبالغت في أسباب الفصل بين بداعة هذه وفداحة تلك. ذهبت محاولتي سدی، إذ تغلغلت النهایة إلی أعماق نفسي، وتمثلت أمام عدسه إحساسي، فكأني - والحال هذه- اتعاطی مزيجاً من عسل وعلقم. منذ ألف وثلثمائة ونيف وستين سنة خلت... استحالت إحدی أماسي الثلث الأول من شعبان ضحی سعادة وهناء، في مهبط الوحي الإلهي، ومحيط السمو المعنوي، (حيث كانت عبقات السماء تهب مثلما يتضوع شذا الغيث المندفق، هذا ليمد الصعيد بالحياة وهذا ليمد النفوس بالمعني الحي، إذ تجلّت من الغيب طفولة سامیة..!! كيف لا..؟ والمولود خامس خمسة شاء الله أنْ تعلو بهم كلمته ويتبع فيهم هداه كما دل بعدئذ - قوله تعالی: ( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَهُ اللّهِ عَلَی الْكاذِبِينَ). ولدت فاطمة حسيناً فأخذه النبي صلی الله عليه وآله وسلم -وأذن في أُذنه إلیمني كما يؤذن للصلاة- والأذان معناه اعلان العابد الإخلاص لمعبوده، والصلاة صلة بين الخالق والمخلوق. هذا أول غذاء نفسي غُذّی به هذا المولود الجديد...

.

يومان
بقلم: الأستاذ عبد الرزاق العايش
في أية بدایة من بدايات العظماء يجد الكاتب لقلمه وبيانه متسعاً للبحث ومجالاً للتنقيب، إلاّ في بدایة الحسين عليه السلام. فما من كاتب خاض البحث عنها إلاّ تملكاه دهشة وذهول. لأن في بدايته يداً تزج إلی نهايته، ونهايته خضم صاخب في وسط أمواجه المتلاطمة أقلعت سفينة النجاة، تحفها قدسية الإيمان وتكتنفها هيبة البطولة، ويعلوها علم التضحیة..!!
لذا مهما حاولت أفصل بين نقطتي البدایة والنهایة، وبالغت في أسباب الفصل بين بداعة هذه وفداحةه تلك. ذهبت محاولتي سدی، إذ تغلغلت النهایة إلی أعماق نفسي، وتمثلت أمام عدسه إحساسي، فكأني – والحال هذه- اتعاطی مزيجاً من عسل وعلقم.
منذ ألف وثلثمائة ونيف وستين سنة خلت… استحالت إحدی أماسي الثلث الأول من شعبان ضحی سعادة وهناء، في مهبط الوحي الإلهي، ومحيط السمو المعنوي، (حيث كانت عبقات السماء تهب مثلما يتضوع شذا الغيث المندفق، هذا ليمد الصعيد بالحياة وهذا ليمد النفوس بالمعني الحي، إذ تجلّت من الغيب طفولة سامیة..!! كيف لا..؟ والمولود خامس خمسة شاء الله أنْ تعلو بهم كلمته ويتبع فيهم هداه كما دل بعدئذ – قوله تعالی:
( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَهُ اللّهِ عَلَی الْكاذِبِينَ).
ولدت فاطمة حسيناً فأخذه النبي صلی الله عليه وآله وسلم -وأذن في أُذنه إلیمني كما يؤذن للصلاة- والأذان معناه اعلان العابد الإخلاص لمعبوده، والصلاة صلة بين الخالق والمخلوق.
هذا أول غذاء نفسي غُذّی به هذا المولود الجديد… وغنی عن البيان ما لتهنين الطفل من يد في توجيه أخلاقه، وتثبيت انطباعاته. فلا عجب إذا مامنه وإلیه، وعليه سمت نفسه، وهفا فؤاده، واتقدت حميته.. وهكذا أخذ النبي صلی الله عليه وآله وسلم يسكب في نفس فتاه خلاصه السمو بما فيها من جود وسخاء وشمم وإباء وتفانٍ في سبيل العقيدة والمبدأ مضافاً إلی هذا عاملين مهمين من عوامل تكوين الطفل وتنشئته من كلاهما نال الحسين أجل وأعظم صفات السمو…
أما العامل الأول فأجد في غنی عن الإفاضة للتدليل عليه ما دامت كلمتي هذه آخذه سبيلها إلی أذهان قوم يعلمون تمام العلم بأن (الحسين) تكون من مزاج ينبوعي النبوة والإمامة. – فاطمة وعلي عليهما السلام – وأما العامل الثاني فما عسی أن أقول في بيئته نما السمو وطاب جنيه.
هذه البدایة.. ما أحلاها وأعذبها..! بل وأعلاها وأعزها، لدي ذو النفس السامیة..! فيا حبذا لو استطاع الخيال أن يخلق في سمائها الصافية العبقة. ويتمتع بجمال نجومها الزاهية الألقة، ليملي علی القلم بعض مشاهداته يملي (علی الأقل) مشهد النبي صلی الله عليه وآله وسلم يوم قال:
(حسين مني وأنا من حسين(.
هذه الجملة لو فاه بها بعض الناس لكان معناها – حسين مني بمنزلة المولود من والد وأنا من الحسين بمنزلة الوالد من المولود- أو ما شابه هذا لكن القائل نبي عظيم:
( وَمَا ينطِقُ عَنِ الْهَوَی (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يوحَی (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَی).
من تكن هذه صفته لاشك أن كلامه يبعد كل البعد عن السطحي المبتذل. فلا بدع أن قلت إنما المقصود من قوله صلی الله عليه وآله وسلم حسين مني بمنزلة الصفة من الموصوف، وأنا من حسين بمنزلة الموصوف من الصفة- لذا عزز القول بما لن يتسنی لأحد سواه أن يقول- إني أحب حسيناً فمن أحبه فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله.
من هذه النقطة الحساسة وأمثالها كم وددت لو أني استطيع التغلغل إلی أعماق الواقع، لأتمتع بجمالها البديع فأشبع نفسي التواقة إلی الجمال الذهبي لكن..! أنی لي هذا ما دامت هناك نهاية تحطم القلم وتلعثم اللسان.
مامن منصف إلاّ ويؤمن بأن «الحسين عليه السلام كان البناء الثاني للإسلام بعد جده » فقد علم القاصي والداني ما بلغه المسلمون من الانحطاط – آنذاك- فبعد أن كانوا مثالاً للمزايا الحميدة، وعنواناً للسجايا المحببة – كالأخلاق والإباء، والشمم، وما شابه هذا من مقتضيات السمو المعنوي- بعد هذا انحطوا إلی الخضوع لما عليه وحشيه «يزيد» مع علمهم بما جُبِل عليه يزيد من خساسة لا تتفق ومبدأهم السامي النبيل.
هكذا ويذهب سدی ما بنوه المسلمون من مجد خالد، وكادت آمالهم أن تخيب. لو لم يجعل الله الحق وضاح الجبين لا تخفيه حجب الضلال مهما تكالبت وقوي العزیمة لا تهزمه جيوش الباطل مهما تألبت.
وهكذا جاء يوم الحسين، فياله من يوم أجهد الليالي حمله، فولدته وحيداً لا ثاني له، مع أن الليالي (يلدن كل عجيب).
يوم تبلی الأيام وتفنی السنون وهو خالد خلود الشمس في الأفق… فكأن لم يزده البعد عن أعيننا إلاّ تعمقاً في نفوسنا. كما لم يزدنا الحزن فيه إلاّ تحبباً لقلوبنا. نستعذب النهل من منهله مع ما فيه من شقاء وعذاب «والأبي يجد طعم المنیة شهداً».
يوم جمع الحسين العظمة، وصاغها حلية يزدان بها كل عظيم، حين تلاها آية… أبكمت الألسن فصاحتها وأذهلت العقول بلاغتها، فأفاق الدين العليل من غشوته ولسان حاله يقول:
وما سمعنا عليلاً لا علاج له
إلاّ بموت مداوية إذا هلكا
وهذا صدی صوت الحسين يطبق الأفاق معلناً:
إن كان دين محمد لم يستقم
إلاّ بقتلي، يا سيوف خذيني
فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً(1).
________________________________________
1- مجلة البيان -النجف- العدد -11، 12، 13، 14- السنة الأولی- 1947/ ص339

لینک کوتاه