مولد البطل الثائر
بقلم: سلمان الصفواني/ صاحب جریدة الیقظة
سادتي:
حينما يتولی الأشرار شؤون البلاد، ويسود الظلم ويشيع الفساد، وتعم الفوضي ويختل النظام وتتبدل القيم والمقاييس، ويصبح الحق باطلاً والباطل حقاً، والجور عدلاً والعدل جوراً، حينئذ يتطلع الناس إلی قائد يفتح لهم باب الأمل، إلی إمام يهديهم سواء السبيل، إلی زعيم يجمع الصفوف ويوحد الکلمة، إلی مجاهد يضع المبدأ نصب عينيه، ومصلحة الأمة فوق كل مصلحة ثمّ يطلب الموت لتوهب له الحياة ، ويخلد مع الخالدين.
هذا القائد، هذا الإمام، هذا الزعيم، هذا المجاهد.. هو الذي يكتب تاريخ الأمة، ولكل أمة تاريخ، ولا تاريخ لأمة لا عظيم لها. والتاريخ الذي يكتبه العظيم مدرسة الأجيال وحكمه العصور، يملي علینا العظة البالغة، فنستلهم منه العبرة والصواب وليست الذکریات التي تعاد مر القرون والآباد إلاّ من أجل ذلك: تذكر الناس بما كان، وبما يجب أن يكون!
وهانحن أولاء الآن نستعيد إحدی هذهِ الذکریات العزیزة علی نفوسنا، الخالدة في تاريخنا هي ذکری ميلاد سيد الشهداء وأبي الأحرار الإمام السبط الحسين بن علی علیهِ السَّلاَم ونقول جازمين: إنه ليس في تاريخ العظماء والأحرار ما تمكن مقارنته بتاريخ الحسين الشهيد.
لقد جمع الإمام الحسين علیهِ السَّلاَم المجد من أطرافه: نسباً وحسباً، وعلما وأدباً وكرماً وحلماً، وشجاعة وإباء، وإيماناً وتضحیة حتی ضرب به المثل في ذلك كله.
ولي يزيد أمر المسلمين بعد موت أبيه معاویة، ولم يكن يزيد أهلاً لذلك، فقد كان شاباً ماجناً مستهزأً سكيراً فاجراً فعظم هذا الأمر علی الإمام الحسين كما عظم علی المسلمين جميعاً. وبين المسلمين كثير من أصحاب النّبي وأولادهم ممن لا يقرن يزيد بأحد منهم في حال من الأحوال، إلاّ إنهم جميعاً آثروا السلامة فكظموا غيظهم في صدورهم وقبعوا في دورهم وذلك أضعف الإيمان. وكان معاویة قد عجم عودهم وخبرهم في حياته فلما حانت منيته قال في وصيته ليزيد: إني لا أخشی علیك إلاّ من ثلاثة نفر وفي طليعة هذا النفر الحسين بن علی علیهِ السَّلاَم.
فحين طلب الولاه من الناس أن يبايعوا يزيد لم يرفض أحد منهم البیعة علانية ويأباه إلاّ الإمام الحسين بن علی علیهِ السَّلاَم وقال:
كيف يبايع مثلي يزيد شارب الخمور وراكب الفجور؟!
وكان هذا الرفض بدایة الجهاد والاستشهاد.
لم يعتصم الإمام الحسين بالمسجد النبوي في المدینة ويعتكف علی قراءة القرآن مثلما فعل عبد الله بن عمر. ولم يلذ بالکعبة في مکة يترقب تطور الحوادث كما فعل عبد الله بن الزبير. وإنما رحل بأهله وذويه وصحبه إلی العراق ليواجه الموقف بحزم. ويضع حداً للاستهتار بالأمة ودينها وحريتها وحقوقها وكرامتها. وليس فيما حدث بعد ذلك ما تحتاجون إلی تذكيركم به فقد وقف الحسين وقفته المشهورة في كربلاء وحدثت المأساة التأریخیة الدامیة التي قوضت نتائجها حكم بني أمیة.
قلت في صدر هذهِ الکلمة: إن لكل أمة تاريخاً وإن لا تاريخ لأمة لا عظيم لها، وإن العظيم هو الذي يكتب تاريخ الأمة، فإذا ما احتفلنا إلیوم بذکری ولادة الإمام السبط أبي عبد الله الحسين علیهِ السَّلاَم فإنما نحتفل بالتاريخ الضخم الذي كتبه هذا العظيم بحياته وسيرته وعلمه وجهاده واستشهاده، غير أننا ونحن نستعيد هذهِ الذکری العطرة، لا يجوز لنا أن نقتصر فيها علی مجرد الالتذاذ بالاحتفال، أو الالتذاذ بمجرد الاستماع إلی سير البطولة الفذة والتضحیة المثالية من دون أن يكون لنا من ذلك درس ومن دون أن يكون لنا في ذلك عبرة! فيصدق علینا ما قاله مستشرق فرنسي في مناسبة كهذه. أفتدرون ماذا قال؟
قال هذا المستشرق: حضرت أحد مجالس التعزیة في الهند، فسمعت الخطيب يقول، أيها الناس، إن سيدنا ومولانا ومقتدانا أبا عبد الله الحسين بن علي قد ضحی بنفسه وأهله وعياله وأطفاله ولم يعط بيده إعطاء الذليل ولم يفر فرار العبيد. أما أنا فعلمت بأن الخطيب يلقي علی القوم درساً بليغاً، إنه يقول لهم: يا أهل الهند إذا أردتم أن تكونوا أحراراً وإن لا يكون للأجنبي سلطان علیكم فاقتدوا بمثل هذا الرجل العظيم. ولكن الخطيب والمستمعين – علی قول المستشرق الفرنسي – لا يدركون مغزی هذا القول، ولا يفكرون إلاّ في البكاء والتباكي والثواب الأخروي وهم لا يعرفون إن كل عمل مادي لابد من أن تكون له نتیجة مادية أيضاً مضافاً إلی الثواب.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فجدير بي أن أشير إلی ملاحظة ثانية وردت علی لسان مستشرق آخر. قال: إن مجالس التعزیة (مؤتمرات مجانية) فحسب المرء أن يعلن عن عزمه علی اقامة مجلس للعزاء في المكان الفلاني والساعة الفلانية فيقصده الناس من كل جهة ولا يكلفه ذلك غير قليل من السكاير والقهوة. وما أكثر المؤتمرات المجانية عند المسلمين لو إنهم أرادوا الاستفادة منها في دراسة شؤونهم ومعالجه مشاكلهم في وقت لا نستطيع فيه نحن الغربيين أن نعقد مؤتمراً من أفراد معدودين إلاّ بشق الأنفس وبذل الجهد والمال.
والآن فلنتساءل: ماذا تعلمنا من إحياء الذکریات وعقد هذهِ المؤتمرات وقد توارثناها أباً عن جد منذ أجيال عديدة، أين التضامن والإخلاص. أين الصدق والفضیلة، أين الإباء وعزة النفس، أين العقيدة والتضحیة؟ وبکلمة واحدة: أين من يأمر بالمعروف وينهی عن المنكر؟
أجل آن لنا أن نسأل ماذا تعلمنا من إحياء الذکریات وعقد المؤتمرات؟ ولعل شيخنا واستأذنا العلامه الخالصي يتبسط في شرح هذهِ الناحیة بما أوتي من بلاغة في القول، وقوة في المنطق.
وعلی أي حال. فإني أعتقد أن أكثر الناس لم يدرسوا حیاة الإمام الحسين علی النحو الذي يجب أن تدرس بها حیاة عظيم مثله ولم يتبينوا مقاصده السامیة علی النحو الذي يجب أن تعرف به تلك المقاصد ولو درست حیاة الإمام علیهِ السَّلاَم دراسة واقعية صحیحة وفهمت مقاصده فهماً صحيحاً لكان حال العرب والمسلمين غير ما هو إلیوم.
ولما استبدلنا بالعز ذلاً وبالصراحة نفاقاً، وبالشجاعة بكاء، وبالصبر جزعاً، وبالرجولة استسلاماً وعبودية. وإنه لمن العجيب أن نسمع الخطباء يرددون علی أسماعنا في كل يوم وساعة أقوال الإمام الحكمية: كقوله:
«المنیة ولا الدنية».
ومثل قوله:
«وحجور طابت وظهور طهرت لتؤثرن مصارع الكرام علی طاعة اللئام».
ومثل قوله:
«.. إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم».
فتدخل هذهِ المأثورات الکریمة من أذن وتخرج من أذن أخری ولا يعلق منها في نفوسنا شيئاً. ثمّ نقول بالسنتنا فقط:
(ليتنا كنا معك فنفوز والله فوزاً عظيماً)(1).
________________________________________
1- مجلة مدینة العلم – الكاظميه – ج2 – السنة الأولی 1954م / ص199.
لینک کوتاه
سوالات و نظرات