مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

من أهداف الجهاد

لا يرتاب ذو مسكة رصينة وذو عقل سليم لا تقوده العصبية ولا تجاذبه الشهوات فيما أوتي ابن هاشم سيد قريش ومنح ابن عبد المطلب زعيم مکة من مفخرة الاحساب وعزةالأنساب أوتي العلم والحكمة وفصل الخطاب وجوامع الفضائل إلی ما لايحصی من الألطاف السماویة ومنح من المعاجز ما لا يستطيعه أحد من الموجودات البشریة. منح القرآن الكريم وهو المعجزة الخالدة مادامت السموات والأرض منح الأخبار بالمغيبات عما كان أو يكون إلی غير ذلك من المعاجز الباهرات والكرامات الخارقات. ولعل أكثر ما لاقی من العناء وأشد ما قاسی من الأذی من أشقياء أقاربه ومردة قومه كل ذلك حسداً له ولبيته علی ما نال واختص به من عظيم المنزلة وشريف الکرامة وسؤدده الضافي علی عامة قومه بل علی عامة البشریة.

من أهداف الجهاد
بقلم: الشيخ عبد الحسن البيضاني/ صاحب مجلة رسالة الجمعیة الخیریة الإسلامية
لا يرتاب ذو مسكة رصينة وذو عقل سليم لا تقوده العصبية ولا تجاذبه الشهوات فيما أوتي ابن هاشم سيد قريش ومنح ابن عبد المطلب زعيم مکة من مفخرة الاحساب وعزةالأنساب أوتي العلم والحكمة وفصل الخطاب وجوامع الفضائل إلی ما لايحصی من الألطاف السماویة ومنح من المعاجز ما لا يستطيعه أحد من الموجودات البشریة.
منح القرآن الكريم وهو المعجزة الخالدة مادامت السموات والأرض منح الأخبار بالمغيبات عما كان أو يكون إلی غير ذلك من المعاجز الباهرات والكرامات الخارقات.
ولعل أكثر ما لاقی من العناء وأشد ما قاسی من الأذی من أشقياء أقاربه ومردة قومه كل ذلك حسداً له ولبيته علی ما نال واختص به من عظيم المنزلة وشريف الکرامة وسؤدده الضافي علی عامة قومه بل علی عامة البشریة.
علماً منهم بأنّ ذلك كائن لامحالة فأرادوا محوه وإطفائه ويأبي الله الا أنْ يتم نوره.
كان النبي محمد صلی الله عليه وآله وسلم وأبوه عبد الله وأمه آمنه بنت وهب معروفاً بين أولئك الطغاة الجبابرة بالصدق والوفاء والأمانة. وحين ما امر بإنذارهم جمعهم في بيت عمه لذلك وقال لهم صلی الله عليه وآله وسلم ما مضمونه:
لو أخبرتكم أن وراء هذا الجبل كنزاً كنتم تصدقون أم تكذبون قالوا بأجمعهم: كلا نشهد بأنّك الصادق الأمين.
ومع ذلك لم يجبه أحد منهم إلی ما ندبهم إلیه سوی الامام علي عليه السلام ولم يعبؤا بقوله حتی المدة الأخيرة جلس عمه أبو طالب (رحمه الله) علی الباب – الذي يزعمون أنه مات كافراً- وسيفه علی ركبتيه قائلاً:
(لئن قطعتم علی ابن أخي كلامه لاضعن سيفي هذا فيكم…؟».
كان كابوس الجهل قد ضرب أطنابه علي سواد الجزيره وبركان التمرد والطغيان قد هيمن علي رجالات الأمة فكان الضغط والإرهاب يحكمها والشده والعنف يسوسها لا تستند إلی قانون فينظمها ولا إلی دين فيجمعها ويلم شتاتها علي الوجه الصحيح ومع هذا كله كانت تتحلي بصفات حسنه وتتأثر بمزايا جلیلة أقرها الشرع المقدس بقوله صلی الله عليه وآله وسلم:
«جئت لأتمم مكارم الأخلاق».
وحينما بزغت شمس الرسالة في ذلك الجو المظلم وانبسطت أشعتها علي ذلك الجهل المطبق محفوفه بما أوتي من الألطاف ومؤيده بما منح من المعاجز فكان ولا من شك أن تنقشع غياهب تلك الظلم وتنكفأ غواشي تلك الجهاله ببركه سيد الأمة وقائدها من كوه الحضيض الأدنی إلی أسمی أوج الفضیلة الأعلی ذاك محمد صلی الله عليه وآله وسلم.
وكم أب قد علا بابن ذوي حسب *** كما علت برسول الله عدنان
وكانت قريش غب ما ارتكبته من الجرائم بهذا البيت الرفيع تحذر بأسه وتخشي سطوته ان هو استولی وقدر ولما آتاه الله ذلك وزاغت أبصار القوم وبلغت القلوب الحناجر وارتقي الامام علي عليه السلام علي كتفه صلی الله عليه وآله وسلم وحطم اصنامهم وهشم اوثانهم قال صلی الله عليه وآله وسلم مخاطباً لهم:
«ما تظنون اني فاعل بكم».
قالوا لا نظن بك إلاّ خيراً، قال صلی الله عليه وآله وسلم:
«اذهبوا فانتم الطلقاء».
من دون أن يأمر بقتل أو تنكيل أو حرق أو تهديم أو ما إلی ذلك مما يشفي الغليل ويثلج الفؤاد غير لا اله الا الله محمد رسول الله.
ولكن يا تری هل طابت نفوسهم وصلحت ضمائرهم وحسنت نواياهم مع أنه صلی الله عليه وآله وسلم اختصهم بميزات تكريماً لهم وإعلاء لشأنهم حتی يعتنقوا دينه عن رغبة ويسلكوا سبيله عن عقیدة، كلا وحاشا لم يزدهم ذلك إلاّ فراراً و عتواً ونفوراً.
)وَالَّذِي خَبُثَ لَا يخْرُجُ إِلَّا نَكدًا(
ولما أختار الله لنبيه لقاءَه امره بإتمام الحجة عليهم وإكمال الدين بقوله تعالی:
(يا أَيهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ): الآية.
وقوله:
(إلیوْمَ أَكمَلْتُ)…الخ.
فقام صلی الله عليه وآله وسلم برمضاء الهجير مبلغاً ما ارادة اللطيف الخبير رافعاً صوته آخذاً بيد علي عليه السلام ما بين تلك الجموع المحتشده مستفهماً منهم من أولي بالمؤمنين فاجابوا: الله ورسوله فاشهد الله عليهم.
ثم أدّی رسالته قائلاً:
«من كنت مولاه فهذا علي مولاه».
وأيدها بالدعاء ثم سألهم هل بلغت فاجابوا «اللهم نعم» فأشهد الله سبحانه عليهم بالأداء والتبيلغ وامرهم بالسلام عليه بالامرة حتی بخبخ له بعضهم قائلاً بخ بخ لك يا علي اصبحت مولاي ومولي كل مؤمن ومؤمنه أو مسلم ومسلمه.
ومع هذا وغيره من العهود والمواثيق انبثقت حسيكة الشرك والنفاق وانفجرت عيون الظلم والضلال وما زج الموقف لغط القيل والقال وهمس البعض إلی الآخر ما يجن في فؤاده ويجول في صدره «زعم ابن أبي كبشه أنه عقد أمراً لابن عمه ظن أنه قد أحكمه هيهات ثم هيهات».
ومن ذلك الحين حيكت المكائد وأبرمت خيوطها وأحكمت الدسائس ومهدت جذورها حنقاً وحقداً علي مسفه أحلامها ومغير سنتها ونابذ عادتها وقاتل شجعانها ومجندل أبطالها والحاجز بينها وبين أمنياتها أضف لذلك حسدهم لهذا البيت بما ناله ويتوخاه من الکرامة والشرف والسؤدد إلی غير ذلك من مزايا ومواهب وغرائز جمه.
وما مر من قليل من الزمن وبرهة من الوقت إلاّ وحان القدر ونفذ المحتوم بالقائد العظيم والنبي الكريم ولما يدرج في أكفانه وينقل إلی مثواه الأخير إلاّ وينقض العهد وتخل المواثيق وتنقلب الأمة علی أدبارها كأن لم يسمعوا شيئاً ولا وعوا حديثاً ولا شاهدوا أمر السماء مبلغاً هذا والعهد قريب.
تسلّی الامام عليه السلام عن هذه الجرأة وهو جذيلها المحنك وعذيقها المرجب بسیرة ابن عمه وأخيه النبي محمد صلی الله عليه وآله وسلم واعتاض بدل جلوسه في داره مشغولاً بجمع القرآن ومراعاته لشریعة أخيه من تغير أو تبدل وابقائه علی الإسلام والدين إنْ هو لم يشهر سيفه في وجه خصومه.
ويا ليتهم اكتفوا منه بذلك بل كان ما كان حتی دارت أيام البصرة رحاها مع الناكثين وخاض غمارها أيام صفين مع الفاسقين وأخمد نارها يوم النهروان مع المارقين لا تأخذه في الله لومة لائم.
هذا والمؤامرات تحاك علی الفتك به والقضاء به والقضاء عليه وعلی بيته حتی قالوا ذلك بدلوا القدر ونزول الأجل من علي عليه السلام علی يدي أشقاها عبد الرحمن بن ملجم وصحبه وهو جالس في محرابه ماثل بين يدي ربه راغب فيما وعد الله الصابرين متوقع ما به أخبر الصادق الأمين ما أسفر الفجر وانزاح الظلام إلاّ والروح الامين ينعي دين الله القويم ومنار الحق المبين:
«تهدمت والله أركان الهدي … الخ».
يالها من كارثة أثيمة علی الإسلام وأهله.
تحدث حبائل الحقد والضغینة اثر هذه الفاجعة الإلیمة يسديها الغدر والإرهاق ويحكمها المكر والإهراق أبناء علي عليه السلام وصحبه دون رحمه ورأفه حتی اصابت حجراً وقومه بالقتل صبراً وأردت الامام الحسن عليه السلام بعد الصلح والمواثيق صريعاً يقاذف كبده بسم جعدة وزعزعت آله عن مأمنهم بأبشع سیرة ومنعت جثمانه الزكي عليه السلام من زیارة جده وهو رابع أصحاب الكساء وسيد شباب الجنة.
كل هذا وذاك وغير ذلك بحري من أبي عبد الله الحسين عليه السلام وليد علي وفاطمة ومهجة محمد صلی الله عليه وآله وسلم.
الحسين عليه السلام في عالم التكوين – نشأه قدسية نقلتها الحکمة وتقبلها القدرة وتكيفها الکرامة وتحوطها العنایة نور يستضيء منه الملأ الأعلی ويهتدي به المقربون حاز المواهب التي واتسم بالمزايا الجميلة مواهب العز والکرامة وسمات المجد والفضیلة لا يجاريه شيء من الكائنات ولا يوازيه أحد من الممكنات سوی من أودع في صلبه ونشأ
في حجره أنوار اصطفاها مكونها واختارها مدبرها عله للخليقة ورحمه للبرية وقطباً يدور عليه الوجود:
(ذَلِك تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(
تلك صفة جميلة – وجوهرة أصيلة- تقدرها العقلاء وتمیزةا النبلاء -بها تحقن الدماء وتصان الأعراض وتحفظ الأموال وبها جاءت شریعة السماء فهي میزة تبالي وسجية کریمة لا يتوخاها إلاّ الصالحون ولا يتوسمها إلاّ المخلصون بها تلتئم الشعوب وتتحد القلوب ويصفو الجو ولا يغضب الرب وهي قميصه وردائه «سلام الله عليه».
ولما ظهر الإلحاد وانتهك الإسلام وعف الدين واستعملت البدعة وساد الأنذال وحرّف القرآن وانطمست أعلام الشریعة، والأمة لا تدفع منكراً ولا تردع معتدياً مكتوفة إلید مكمومة الفم مصمومة السمع تائهة في حيرتها خابطة في عشوتها فهي لما بها من الإرهاق وسوء الصنيع في ندم لاذع وزفير حار علی ما أسدته لشانيء علي عليه السلام ومبغضيه وحين شاع صيت امتناع الحسين عليه السلام عن البیعة وغادر المدینة إلی مکة واختلف الوفود إلیه لتستفيد من نور علمه وتدخر الجوهر من حديثه وتشرب النمير من منهله.
تباشر الكثير من الأمة لهذا الامتناع وتلك الهجرة رغبة منهم في اماتة البدع واحياء السنن علماً منهم بمواهب هذا البيت الرفیعة – ويقيناً بمزاياه الجلیلة وحيث لا يصلح لقیادة الأمة والذب عنها وصیانة دينها وشعورها إلا الحسين عليه السلام لما به من الشعور الحي والشمم الرفيع علی أصحاب أبيه وأمه وجده اقبلت الرسل تتری أن ليس لنا إمامٌ غيرك ينقذنا من هوه الذلة ويفك رقابنا من رق العبودية.
رأیه وعزمه عليه السلام تجاه هذه الأدوار الأثيمة – التي أخذت دوراً ما مر علی الأمة مثله من نضيره إزعاج وإرهاق – طرد وحرق- غدر ونفاق إلی غير هذه المآسي
والكوارث المؤلمة وهو عليه السلام لما به من المؤهلات السامیة – ونفس أبيه بين حناياه لا يقر علی منكر ولا يداهن علی مكروه كيف وهو عليه السلام قد رأی نسيج الحقد والظغائن وحوك الكفر والإلحاد من أعداء شرفه الرفيع وبيته المنيع ودين جده الشفيع لا يلتفت إلاّ عليه حتی ولو لاذ بأستار الکعبة حذراً من بأسه وخشية من دعوته والأمة لا تعدل سواه.
في أسلافه وبيته وأمه جده -وما بين تلك المواهب الممنوحة والموروثة من أماجد عزه وساسة فخره ان اقام علی خد المواسي وهو بن ليث وغاها ومدیر رحاها وسير نفسه علی الدعه والذلة وحاشاه ثم حاشاه مقتول لامحالة ذلاً وصغاراً وذهبت نواميس الدين والشریعة وفرسان بيته وآمال أمته وشيعته أدراج الرياح لا أثر فتبصر ولا خبر فتذكر وان غادر مکة حرم جده وأم العراق عاصمة أبيه فلا يأمن غدرهم ولا يستغرب خيانتهم كما شاهد بأبيه وأخيه عليه السلام.
ولما كان عليه السلام -آية للحق- ومثالاً للعدل- ورمزاً للفضيلة- ومناراً للهداية ذو همة دونها قمم الجبال وعزيمة دونها أبراج السماء حق ولا من شك وترديد أن ينازل أعداء الدين والمثل العليا نزال المتلهف الحنون ويقضي حراً دون عقيدته ودين جده عزيزاً تجاه أمجاده وأمته فقدم لذلك القرابين وضحی من أجله بأنفس النفائس وأعزها في حیاة إخوته وصحبه وبني عمومته ونفسه وأفلاذ كبده وما إلی ذلك.
دون أن يسوم نفسه الحياة في ظل المتمردين الطغاة ولعل في هذا أو مثله قال صلی الله عليه وآله وسلم:
(حسين مني وأنا من حسين.(
هو البحر من أي الجهات أتيته *** فلجته المعروف والجود ساحله
هذه الذکریات دروس وعبر تعطي البصير منهجاً وتزيده خيراً ودرایة في اكتساب
الفضیلة علی ضوء السنة وناموس الشریعة ونبذ الرذیلة وإنْ طبعت بطابع خلاب -تعظيم شعائر- أو باسم أحد القادة الأطهار – أو باسم الحریة المغرية والكمالیات المحبوبة- وما إلی ذلك من مواد الخلاعة وعناصر الاستهتار التي بذرتها إلید الأجنبية وقومتها الروح العدوانية ابتغاء الفرقة وتشتیت الشمل والوحدة، فإن دين النبي محمد صلی الله عليه وآله وسلم وسیرة الأئمة عليه السلام واعتناق الشریعة يستغرب ذلك دون إلفة ووئام كما تستغرب النار الرماد والكتاب ينبذه ويهدي إلی الرشاد بقوله:
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فينَا)
وبالختام نأمل منه التوفيق للجميع(1).
________________________________________
مجلة رسالة الجمعیة الخیریة الإسلامية -كربلاء- العدد -5، 6- السنة الأولی- 1387ه/ ص32

لینک کوتاه