مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

ملامح من ثورة الحسين (عليه السلام)

الثورة الصحيحة هي الاحتجاج النهائي الحاسم علی الواقع المعاش، فبعد أن تخفف جميع الوسائل الأخری في تطوير الواقع تصبح الثورة قدراً حتمياً لابد منه. والقائمون بالثورة الصحيحة هم دائماً أصح أجزاء الأمة، هم الطليعة، هم النخبة التي لم يأسرها الواقع المعاش وإنما بقيت في مستوی أعلی منه وإن كانت تدركه، وتعيه وترصده، وتنفعل به، وتتعذب بسببه. تصبح الثورة قدر هذه النخبة ومصيرها المحتوم حين تخفف جميع وسائل الإصلاح الأخری، وإلاّ فإن هذه النخبة تفقد مبررات وجودها إذا لم تثر. ولا يمكن أن يقال عنها أنها نخبه، أنها تكون نخبه حين يكون لها دور تأريخي وحين تقوم بهذا الدور. ولابد أن تبشر بأخلاق جديدة إذا حدثت في مجتمع ليس له تراث ديني وإنساني يضمن لأفراده - لو اتبع حياة إنسانية متكامله، أو تحيي المبادئ والقيم التي هجرها المجتمع أو حرفها إذا كان للمجتمع مثل هذا التراث كما هو الحال في المجتمع الإسلامي الذي كانت سياسة الأمويين المجافية للإسلام تحمله علی هجر القيم الإسلامية واستلهام الأخلاق الجاهلية في الحياة ، وتوفر هذا الهدف في الثورة الصحيحة من جمله مقومات وجودها لأن العلاقات الإنسانية في الواقع علاقات منحطة وفاسدة، وموقف الإنسان من الحياة موقف متخاذل أو موسوم بالانحطاط الوحيد. وإذن فالدعوة إلی إنموذج من الأخلاق أسمی مما يمارسه المجتمع ضرورة لازمة لأنه لابد أن تتغير نظرة الإنسان إلی نفسه وإلی الأخرین وإلی الحياة ليمكن إصلاح المجتمع. ولقد قدم الحسين عليه السلام، وأصحابهم الأخلاق الإسلامية العالیة بكامل صفائها ونقائها، ولم يقدموا إلی المجتمع الإسلامي هذا اللون من الأخلاق بألسنتهم وإنما كتبوه بدمائهم.

ملامح من ثورة الحسين (عليه السلام)
بقلم: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
الثورة الصحيحة هي الاحتجاج النهائي الحاسم علی الواقع المعاش، فبعد أن تخفف جميع الوسائل الأخری في تطوير الواقع تصبح الثورة قدراً حتمياً لابد منه.
والقائمون بالثورة الصحيحة هم دائماً أصح أجزاء الأمة، هم الطليعة، هم النخبة التي لم يأسرها الواقع المعاش وإنما بقيت في مستوی أعلی منه وإن كانت تدركه، وتعيه وترصده، وتنفعل به، وتتعذب بسببه.
تصبح الثورة قدر هذه النخبة ومصيرها المحتوم حين تخفف جميع وسائل الإصلاح الأخری، وإلاّ فإن هذه النخبة تفقد مبررات وجودها إذا لم تثر. ولا يمكن أن يقال عنها أنها نخبه، أنها تكون نخبه حين يكون لها دور تأريخي وحين تقوم بهذا الدور.
ولابد أن تبشر بأخلاق جديدة إذا حدثت في مجتمع ليس له تراث ديني وإنساني يضمن لأفراده – لو اتبع حياة إنسانية متكامله، أو تحيي المبادئ والقيم التي هجرها المجتمع أو حرفها إذا كان للمجتمع مثل هذا التراث كما هو الحال في المجتمع الإسلامي الذي كانت سياسة الأمويين المجافية للإسلام تحمله علی هجر القيم الإسلامية واستلهام الأخلاق الجاهلية في الحياة ، وتوفر هذا الهدف في الثورة الصحيحة من جمله مقومات وجودها لأن العلاقات الإنسانية في الواقع علاقات منحطة وفاسدة، وموقف الإنسان من الحياة موقف متخاذل أو موسوم بالانحطاط الوحيد. وإذن فالدعوة إلی إنموذج من الأخلاق أسمی مما يمارسه المجتمع ضرورة لازمة لأنه لابد أن تتغير نظرة الإنسان إلی نفسه وإلی الأخرین وإلی الحياة ليمكن إصلاح المجتمع.
ولقد قدم الحسين عليه السلام، وأصحابهم الأخلاق الإسلامية العالیة بكامل صفائها ونقائها، ولم يقدموا إلی المجتمع الإسلامي هذا اللون من الأخلاق بألسنتهم وإنما كتبوه بدمائهم.
لقد اعتاد الرجل العادي إذ ذاك أن يری الزعيم القبلي أو الزعيم الديني يبيع ضميره بالمال، ويعرض الحياة الدنيا..لقد اعتاد أن يری الحياة تعنو خضوعاً وخشوعاً لطاغية حقير لمجرد أنه يملك أن يحرم من العطاء… لقد خضع الزعماء الدينيون والسياسيون ليزيد علی علمهم بحقارته وانحطاطه، وخضعوا لعبيد الله بن زياد علی علمهم بأصله الحقير، ومنبته الوضيع وخضعوا لغير هذا وذاك من الطغاة؛ لأن هؤلاء الطغاة يملكون الجاه والمال والنفوذ، ولأن التقرب منهم، والتودد إلیهم كفيل بأن يجعلهم ذوي نفوذ في المجتمع، وأن يسبغ عليهم النعمة والرفاه وبهنية العيش، وكان هؤلاء الزعماء يرتكبون كل شيء في سبيل نيل هذه الحضوة، كانوا يخونون ضمائرهم، فيبتدعون من ألوان الكذب ما يدعم هذه العروش، وكانوا يخونون دينهم الذي يامرهم بتحطيم الطغاة بدل عبادتهم.
كان الرجل العادي في المجتمع الإسلامي آنذاك يعرف هذا اللون من الرجال ويعرف لوناً آخر منهم وهم أولئك الزهاد الدجالون الذين يتظاهرون بالزهد رياءً ونفاقاً، حتی إذا تقربوا من الطغاة كانوا لهم أعواناً وأنصاراً، إنهم هذا الصنف الذي وصفه الإمام علي عليه السلام بقوله:
“ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف من نفسه للأمانة، وأتخذ ستر الله ذريعة إلی المعصية»
هؤلاء الزعماء الذين كان الرجل العادي يعرفه وقد اعتادهم، وألفه بحيث غدا يری عملهم هذا طبيعياً لا يثير التساؤل.
ولذلك فقد كان غريباً جداً علی كثير من المسلمين آنذاك أن يروا إنساناً يخير بين حیاة رافهة، فيها الغنی وفيها المتعة، وفيها النفوذ والطاعة، ولكن فيها إلی جانب ذلك كله الخضوع لطاغية، والإسهام معه في طغيانه والمساومة علی المبدأ والخيانه له، وبين الموت عطشاً، مع قتل الصفوة الخلص من أصحابه، وأولاده وأخوانه، وأهل بيته جميعاً إمامة، وحيث تنظر إلیهم عينه في ساعاتهم الأخيرة وهم يلوبون ظمأ، وهم يكافحون بضراوة وإصرار عدواً هائلاً یرید لهم الموت أو هذا اللون من الحياة ، ثم يری مصارعهم واحداً بعد واحد، وأنه ليعلم أي مصير فاجع محزن ينتظر آله ونساءه من بعده، سبي، وتشريد، ونقل من بلد إلی بلد، وحرمان يعلم ذلك كله، ثم يختار هذا اللون الرهيب من الموت علی هذا اللون الرغيد من الحياة .
لقد كان غريباً جداً علی هؤلاء أن يروا إنساناً كهذا.. لقد اعتادوا علی زعماء يمرغون جباههم في التراب خوفاً من مصير أهون من هذا بكثير أمثال عمر بن سعد والأشعث بن قيس ونظائرهما، تعودوا علی هؤلاء فكان غريباً عليهم أن يشاهدوا هذا النموذج العملاق من الإنسان، هذا النموذج الذي يتعالی حتی ليكاد القائل أن يقول: ما هذا بشر..
ولقد هزَّ هذا اللون من الأخلاق.. هذا اللون من السلوك الضمير المسلم هزاً متداركاً، وأيقظه من سباته المرضي الطويل، ليشاهد صفحة جديدة مشرقة يكتبها الإنسان بدمه في سبيل الشرف، والمبدأ، والحياة العارية من الذل والعبودية ولقد كشف له عن زيف الحياة التي يحیاةا، وعن زيف الزعماء – أصنام اللحم- الذين يعبدهم، وشق له طريقاً جديداً في العمل، وقدم له أسلوباً جديداً في ممارسة الحياة ، فيه قسوة، وفيه حرمان، ولكنه طريق مضيء لا طريق غيره جدير بالإنسان.
ولقد غدا هذا اللون المشرق من الأخلاق، وهذا النموذج الباهر من السلوك خطراً رهيباً علی حاكم يجافي روح الإسلام في حكمه، إن ضمائر الزعماء قليلاً ما تتأثر بهذه المثل المضيئة، ولكن الذي يتأثر هي الأمة وهذا هو ما كان یریده الحسين عليه السلام، لقد كان یرید شق الطريق للأمة المستعبدة لتناضل عن إنسانيتها.
وفي جميع مراحل الثورة، منذ بدايتها في المدینة حتی ختامها الدامي في كربلاء تلمح التصميم علی هذا النمط العالي من السلوك.
ها هو الحسين عليه السلام يقول لأخيه محمد بن الحنفية، وهما بعد في المدینة:
«يا أخي، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوی، لما بايعت يزيد بن معاویة».
وها هو يتمثل بابيات يزيد بن مفرغ الحمیری حين إنسل من المدینة في جنح الليل إلی مکة:
لا ذعرت السوام في فلق الصبح *** مغيراً ولا دعيت يزيدا
يوم اعطي علي المهانه ضيماً *** والمنايا ترصدنني أن أحيدا

وها هو يجيب الحر بن يزيد الرياحي حين قال له:
أذكرك الله في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن، ولئن قوتلت لتهلكن، فقال الإمام الحسين عليه السلام:
أبالموت تخوفني..؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني..؟ ما أدري ما أقول لك..؟ ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه -ولقيه وهو یرید نصرة رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم -فقال له:
أين تذهب فإنك مقتول، فقال:
سأمضي وما بالموت عار علي الفتي **إذا ما نوي خيراً وجاهد مسلما
وواسی رجالاً صالحين بنفسه ***وخالف مثبوراً وفارق مجرما
فإن عشت لم أندم وإن متُّ لم ألم *** كفي بك ذلاً أن تعيش وترغما

وها هو- وقد أحيط به، وقيل له: إنزل علی حكم بني عمك- يقول:
«لا والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرُّ إقرار العبيد، ألا وأن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبی الله لنا ذلك، ورسوله، والمؤمنون، وجدود طابت، وحجور طهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية لا تؤثر طاعة اللئام علی مصارع الكرام».
كل هذا يكشف عن طبیعة السلوك الذي اختطَّه الحسين عليه السلام لنفسه ولمن معه في كربلاء وألهب به الروح الإسلامية – بعد ذلك- وبثَّ فيها قوة جديدة.
لقد عرفت كيف كان الزعماء الدينيون والسياسيون يمارسون حياتهم. وهنا يرسم لك صورة عن نوع الحياة التي كان يمارسها الإنسان العادي إذ ذاك. لقد كان همُّ الرجل العادي هو حياته الخاصة، يعمل لها، ويكدح في سبيلها، ولا يفكر إلاّ فيها، فإذا اتسع أُفقه كانت القبيلة محل إهتمامه، أما المجتمع والأمة، المجتمع الكبير فلم يكن يستأثر من الرجل العادي بأي إهتمام، كانت القضايا العامة بعيدة عن إهتمامه، لقد كان العمل فيها وظیفة زعمائه الدينيين والسياسيين، يفكرون، ويرسمون خطة العمل، وعليه أن يسير فقط، فلم تكن للرجل العادي مشاركة جدية إيجابية في قضايا المجتمع العامة.
وكان يهتم غاية الإهتمام بعطائه، فيحافظ عليه، ويطيع توجيهات زعمائه خشية أن يمحي اسمة من العطاء، ويسكت عن نقد ما يراه جوراً بسبب ذلك وكان يهتم بمفاخر قبيلته ومثالب غيرها من القبائل، ويروي الأشعار في هذا وذاك. هذا مخطط لحياة الرجل العادي إذ ذاك. أما أصحاب الحسين عليه السلام فقد كان لهم شأن آخر.
لقد كانت العصبة التي رافقت الحسين عليه السلام وشاركته في مصيره رجالاً عاديين. لكل منهم بيت وزوجة، وأطفال وصداقات، ولكل منهم عطاء من بيت المال، وكان كثير منهم ما يزال في ميعة الصبا، في حياته متسع للاستمتاع بالحب وطيبات الحياة ولكنهم جميعاً خرجوا عن ذلك كله، وواجهوا مجتمعهم بعزمهم علی الموت مع الحسين عليه السلام.. لقد ثاروا علي مجتمعهم القبلي وعلي مجتمعهم الكبير في سبيل مبدأ آمنوا به، وصمموا علي الموت في سبيله.
ولقد عملت هذه الأخلاق الجديدة عملها في إكساب الحياة الإسلامية سمة كانت قد فقدتها قبل ثورة الحسين عليه السلام بوقت طويل، تلك هي الدور الذي غدا الرجل العادي يقوم به في وقت الحياة العامة بعد أن تأثر وجدانه بسلوك الثائرين في كربلاء، قد بدأ الحكام المجافون للإسلام يحسبون حساباً لهؤلاء الرجال العاديين، وبدأ المجتمع الإسلامي يشهد من حين لآخر ثورات عارمة يقوم بها الرجال العاديون علی الحاكمين الظالمين وأعوانهم لبعدهم عن الإسلام وعدم استجابتهم لأوامر الله ونواهيه في سلوكهم.
ثورات كانت روح كربلاء تلهب أكثر القائمين بها وتدفعهم إلی الاستماته في سبيل ما يرونه حقاً.
ولقد تحطمت دولة أمية بهذه الثورات، وقامت دولة العباسيين بوحي من الأفكار التي كانت تبشر بها هذه الثورات، ولما تبين للناس أن العباسيين كمن سبقهم لم يسكنوا بل ثاروا.. واستمرت الثورات التي تقودها روح كربلاء بدون انقطاع ضد كل ظلم وطغيان وفساد، ولئن تغيرت أسإلیب الصراع إلیوم فإن روح كربلاء هي التي يجب أن تقود خطی المسلمين في كفاحهم للمبادئ المعاديه للإسلام، وهي الكفيلة بأن تقودهم – في النهاية- إلی النصرة إن تمسكوا بها، واستلهموها، وكانوا لباعثيها – أهل البيت عليه السلام- إتباعاً(1).
________________________________________
1- مجلة الأضواء -النجف- العدد-2- السنة الأولی- 1960/ ص60.

لینک کوتاه