مسيرة الاربعين ، إنشودة الولاء و آفاق العطاء
الدكتور غلام علي حداد عادل
مسيرة الاربعين ، برعم فتي يبعث على الفخر والاعتزاز، لشجرة عریقة تمتد جذورها في اعماق التاريخ، وتنمو متسارعة منذ أكثر من ألف و اربعمائة عام.
النهر المتدفق الذي يتوجه في ذكرى الاربعين الی کربلاء من کل حدب وصوب، بوسعه أن یروي تربة العالم الاسلامي الظامئة ویجعل منها ربوعاً خضراء.
مسیرة الاربعین التي باتت علماً بارزاً في السنوات الاخیرة، ظاهرة جدیدة تزخر بطاقات وابعاد متعددة دینیة وسیاسیة واجتماعیة وثقافیة، حري بالمفكرين والباحثین وحملة الاقلام تسليط الضوء على الابعاد الهامة لهذه المسيرة والعمل علی تأصیلها، و تحلیل مفاهیم هذه السنّة التاریخیة القیمة والوقوف علی آثارها و معطياتها. و فيما يلي محاولة التعریف باختصار بالطاقة الاستیعابیة لمسیرة الاربعین وابعادها المتعددة و محطاتها المتنوعة .
جموع بشرية تتدفق دون توقف .. علی مدّ النظر ترى الناس في حرکة هادئة ومتصلة، الکل یمضي في السیر راجلاً. الجموع تجري لیل نهار کالنهر المتدفق . وفي هذا التجمع العظیم حقاً، لا یغضب احد الآخر، ولا نزاع بین شخص وآخر. تسمع اصوات المشاة ولکن لیست ضجة أو صخباً. یتحادثون فیما بینهم ولکن دون أن تعلو اصواتهم. حرکة الناس اشبه بمرور نهر تتدفق قطراته المتصلة بتناغم وانسجام وتمضي الی غایتها.
وفي الجانب الایمن من طریق المشاة، وعلی طول ثمانین کیلومتراً من الجادة الممتدة بین النجف وکربلاء، أقام الناس الحسینیات التي يسميها العراقیون بالمواکب. ویمکن القول أن هذه المواکب شغلت نحو تسعة وتسعين بالمائة من المسافة على طول الطريق. حيث اقام کل شخص علی قدر استطاعته منزلاً لزائري کربلاء وعشاق الامام الحسین.
الناس في حالة حرکة فرادا أو أشخاص ومجموعات.. الکثیر منهم یلهج لسانه بالدعاء، فیما یردد آخرون الذکر علی وقع حبات المسبحة. وهناك مجموعة تستمع الی الادعیة والمناجاة والمرائي عبر الهواتف المحمولة… وفي هذه المسیرة الکبری یمکن مشاهدة کل الاعمار بدءً من الاطفال الرضع الراقدین داخل عربة الطفولة، وانتهاءً بالشیوخ والعجائز جالسین علی الکرسي المتحرك. غیر أن الغالبیة هي من الشباب الذین یحثون الخطى باصرار وعزیمة.
الحشود البشریة التي تسیر راجلة من مدينة النجف متوجهة الی کربلاء، کانت متعددة الجنسیات والقومیات. غیر أن الأمر الملفت والهام هو أن أیاً منهم لم یکن یعتبر الآخر غریباً عنه في هذه المسیرة الفریدة من نوعها في العالم. لم یدر في خلد أحد السؤال : من أنت ومن تکون؟ اذ یتلاشی هنا التمایز الجغرافي والتباین القومي. الجمیع هنا له بصمة واحدة هي بصمة الامام الحسین. هؤلاء المشارکون في المسیرة الجمیع یتبع الامام الحسین ويؤمن بدولته. وکربلاء هي عاصمة دولة الامام الحسین العالمیة، وتاریخها یبدأ بعاشوراء. والشیعة اینما کانوا وأیاً کانت الدولة التي ینتمون الیها، ینتسبون الی دولة معنویة عاصمتها کربلاء.
مرافقة کل هذه الحشود في هذه المسیرة المطمئنة والهادفة، تجعلك تشعر بالانتماء والهویة. هویة مشترکة أشبه بالبحر الذي يعمّ بأمواجه دون أدنی شعور بالخوف والقلق من الغرق .. الذوبان في هذا البحر الذي انطلق في جریانه وتدفقه علی أثر فوران برکان عاشوراء.
العشق الحسيني
و هنا نتساءل عن المراد من کل هذا الاندفاع والحماس وشغف الخدمة؟ ما الذي تهدف الیه وتبحث عنه هذه الملایین ، التي قدمت من بلدان دانية وقاصیة ، وترکت مشاغلها ومنازلها وممتلکاتها ، و سارعت للانضمام الی مسیرة الثمانین کیلومتراً هذه.
اذا سألنا هؤلاء الناس عن السبب والهدف، فان اول ما سيجیبوا به هو: أننا نتوجه الى (الزیارة)، زیارة الامام الحسین علیه السلام. وبطبیعة الحال مثل هذا الجواب الموجز یعتبر کافیاً بالنسبة لمن یعرف الامام الحسین ویدرك معنی الزیارة. بید أن بوسع الشخص الخوض في تفاصیل هذا الجواب وتحليله و استنباط المعاني والمفاهیم الکامنة والمعقدة التي تختزنها هذه العبارة الموجزة.
لنفترض أن السائل شخص أجنبي غیر مسلم ولیس شیعیاً، ولم یعرف الامام الحسین ولم يطرق سمعه اسمه من قبل. بطبيعة الحال سوف یتبادر الی ذهنه سؤال: ما الذي فعله الامام الحسین حتی تتوجه لزیارة مرقده کل هذه الجموع، الشیخ والشاب، المرأة والرجل، المدني والقروي، المتعلم والعارف والعامي، الكل يتوجه بهذا الشغف وهذا الاشتیاق؟
اذا ما أثیر هکذا سؤال، ستکون الاجابة: قبل ألف واربعمائة عام تقریباً، قاتل الامام الحسين في کربلاء مع قلّة من اعوانه جیشاً جراراً. وفي حرب غیر متکافئة استغرقت نصف نهار، استشهد هو والرجال الذین کانوا معه، حتی الطفل الرضیع ذي الستة أشهر لم ينج من القتل، و من ثم أخذوا النساء والاطفال من أهل بیته أساری.
ما الذي کان یراه الامام الحسین ویفکر به ؟. للعثور علی اجابة لذلك، یستحسن الرجوع الی ما قاله الامام الحسین ، فهو أصدق من يعبر عن موقفه.
الامام الحسین نهض للدفاع عن الحق ومقارعة الباطل، وضحی بکل شيء من اجل ذلك. وباختصار أن ما کان یهدف الیه الامام الحسین من هذه النهضة والشهادة، لخصته العبارة الشهیرة التي وردت في زیارة الاربعین: (وَبَذَلَ مُهْجَتَهُ فِيكَ لِيَسْتَنْقِذَ عِبَادَكَ مِنَ الْجَهَالَةِ وَ حَيْرَةِ الضَّلالَةِ).
لو أننا تجاهلنا الخصائص الظاهریة لهذه الحشود الملیونیة التي تتدفق بهذا الشغف والاشتیاق والحماس والاندفاع صوب کربلاء – كاللغة والعنصر واللون والمظهر والملبس والعادات والتقالید الخاصة بکل جماعة ومجتمع – وتجاوزنا ذلك ، وأردنا انتزاع المفهوم الکلي المشترك بین هؤلاء الأفراد المختلفين و المتباينين ، لابد من القول أن الوجه المشترك بین کل هذه الجماهیر رغم اختلافاتهم الظاهریة ، هو المسارعة – بوحي من مودتهم وشغفهم – لزیارة مرقد رجل نهض لإنقاذ الناس من الظلم وغیاب العدالة والجهل والضلالة، واستشهد لأجل الله ونیل رضاه.
وفي ضوء ذلك یمکن أن ندرك حجم التأثیر التربوي والمعنوي العظیم الذي یترکه المضي في هذه الطریق ، والالتحاق بهذه المدرسة الحية الکبری على روحية الافراد . ولعلّ التأثیر الأهم يكمن في تقویة الایمان وترسیخه الذي یتجلی في الدرجة الاولی في النیّة. فالمرأة والرجل الذين یمضون في هذه الطریق ویأتون من کل حدب وصوب راجلین أو راکبین لزیارة الامام الحسین، إنما یهدفون القرب وینشدون اداء فعل يحظى برضا الله. تماماً مثلما استهدف الامام الحسین من قیامه ونهضته نیل رضا الله واطاعة أمره تعالی. وکما کان جهاده (عليه السلام ) إلهیاً ، فان مجاهدة هؤلاء الزائرین إلهیة هي الأخرى.
ولکن لیس هذا کل شيء. نحن نتعاطی هنا مع مفهوم آخر غیر الایمان، و بطبیعة الحال لیس غریباً عن الایمان، ألا وهو الحب الذي یمثل روح الایمان بمعنی ما. ذلك أن هذه الجموع تعشق الامام الحسین، وللعشق لغته ومنطقه وبیانه ولا یمکن نعته باللغة الاعتیادیة.
وهذه الحشود الملیونیة عاشقة للامام الحسین وتتغنی بذکراه وتتباهی بحبه. ولهذا تشاهد في هذه المسیرة الکثیر من التصرفات والسلوکیات لیس لها تفسیر سوی الحب. فالاستاذ الجامعي المتخصص بالعلوم الحديثة والمتبحر في المنطق والریاضیات الذي یقطع الطریق بقدم حافیة وکفّ قدمه متورمة وملیئة بالبثور، إنسان عاشق. والمرأة العجوز التي تقطع الطریق مع حقیبة ظهر ثقیلة و تتوکأ علی عصاة وانفاس متقطعة، فهذه عاشقة. والأب وشیخ العشیرة الذي یحاول اتباعه اغلاق الجادة وایقاف مرکبات الزوار، او التمدد وسط الطريق کي یتمکنوا من اقناع الزائرین بالذهاب معه الی منزله واطعامهم بأفضل ما لدیه، وتوفير خیر مکان لنومهم، فهو عاشق.
في هذه المسیرة حرارة العشق محسوسة في کل شيء وفي کل مکان. نار العشق تسخن القلوب وتدمع العیون .. هنا العجز الجسدي لا يشکل حاجزاً امام الارادة العاشقة الحاسمة. وأن لهیب العشق هذا یمکن رؤیته بنحو أکثر وضوحاً في عیون الشباب وفي تصرفاتهم ..
وهنا أری من المناسب الاشارة الی احد المشاهد التي رأیتها في هذه المسیرة. کنا دخلنا مدینة کربلاء عصر یوم الاربعین. ومشینا مع الذین کانوا معنا متجهین الی محل إقامتنا. ولأنه لا يسمح في أیام الأربعین لأیة مرکبة بالتردد في الشوارع والازقة داخل مدینة کربلاء ، لهذا یضطر الزائرون التوجّه راجلین فراداً أو جماعات الی الصحن الشریف أو محل اقامتهم. وعندما بدأنا السیر متجهین الی محل إقامتنا، قیل لنا اذا وصلتهم الی التقاطع الأول و نظرتم الی یسارکم سترون منارات مرقد ابو الفضل العباس. وهکذا کان، وصلنا ونظرنا ورأینا وسلّمنا. وفي ذات التقاطع کانت هناك مجموعة وصلت الیه قبلنا. کانت المجموعة مؤلفة من مائتین الی ثلاثمائة امرأة تقریباً. کانت نسوة في منتصف العمر عموماً ترتدي عباءة سوداء و ربطات رأس موحدة تحتوي نقوش وخطوط حمراء.
کانت النسوة واقفات بصمت ودون حراک وسط التقاطع، ینظرن من بعید الی منارات المرقد. کنّ واقفات دون حرکة یتطلعن الی المرقد بهدوء ووقار ویذرفن الدموع. لم یکن ثمة منشد وقارئ للمراثي وواعظ حسیني، غیر أن هیبة المنظر وحرارة العشق والحب والأدب والولاء أفقدهن هدوئهن و أجهشن بالبكاء. هدأت قلیلاً وحاولت الاطلاع للتعرف علی المکان الذي قدمت منه هذه المجموعة. وما أن دققت في العلامة التي یحملنها ومشاهدة عنوان (فاطمیون)، علمت أنهن قادمات من افغانستان، وربما قعطن آلاف الکیلومترات للوصول الی کربلاء. حینها تذکرت ـ لا إرادیاً ـ المقاتلین الغیاری من الشیعة الافغان الذین یقاتلون ببسالة باهرة في سوریة والعراق دفاعاً عن العتبات المقدسة لأهل البیت (ع). فقلت مع نفسي ، في احضان هکذا أمهات یتربی هکذا مقاتلون. ان سکونهن ووقارهن الذي تزینه الدموع ، کان بدرجة من الهیبة لم یکن یجرؤ احد علی اختراقه بالسؤال.
أجل، هذه الحرارة وهذه الحرکة تذیب الکثیر من الشوائب وتزیل الصدأ عن القلوب. مسیرة الاربعین عبارة عن مدرسة تربویة بمقاس کبیر بالنسبة للشعوب. و هؤلاء الذین یخطون في هذه الطریق یختبرون قیماً وفضائل نظیر الاخلاص والایثار والمواساة والمساواة .. عشق الامام الحسین عشق للمحاسن والفضائل. کیف یمکن أن نصدق أن صاحب متجر یقطع هذه الطریق الطویلة بصعوبة ومعاناة للوصول الی کربلاء، اذا ما عاد الی موطنه یمارس بخس الکیل والغلاء والغش والتزویر؟. کیف یمکن تصور أن موظفاً یلتحق بهذه المسیر و بعدها یتقاعس في عمله ویعیق معاملات الناس ویرتشی؟ و الشيء نفسه بالنسبة للشباب، اذ أنهم ونتیجة عشقهم للامام الحسین یحرصون علی التحلي بالنزاهة وصقل مرآة قلوبهم.
معالم في مسيرة الاربعين
ان هذه المسیرة ذي الایام المعدودة، أشبه بالشلال المتدفق، الذي هو جمیل بحد ذاته ویفضي سحراً وجمالاً علی من حوله .. (الاربعین) بواقعه الجدید، یعید احیاء التقالید القدیمة لزیارة الاربعین، طاقة استیعابیة کبری وامکانیات حديثة.. زیارة الاربعین باب من أبواب السماء فتحت بوجه الارض.. مسیرة الاربعین تذکرني ببيت الشعر للأدیب العطار في دیوانه (تذکرة الاولیاء) الذي يصور فيه معجزة العشق، بقوله : (ذهبت الى الصحراء رأيت كأن السماء أمطرت عشقاً ، فالعشق جعل الارض القاحلة مفعمة بالحياة ).. أنها ذات السماء التي رمی الامام الحسین ـ علیه السلام ـ ظهر عاشوراء بدم نحر الطفل الرضیع ذي الستة أشهر. والیوم اضحی ذلك الدم مدعاة لأن تفتح السماء أبواب برکاتها المادیة والمعنویة امام أمّة النبي الاکرم (ص) .
في مسیرة الاربعین لا معنى للتفاخر بين الافراد، ولا یتکبّر احدهم علی آخر. هنا یتذکر الانسان قول رسول الله (ص): (الناس سواء کأسنان المشط). هنا مکان یجلس فیه شاب جامعي متفوق في دراسته وسط طریق المشاة ویطلب من الزوار ویلتمسهم باصرار بأن یضعوا اقدمهم المتعبة والمتورمة تحت تصرفه، لمداواة الجروح بالضمادات والمراهم ومعالجة البثور بکل شغف .. هنا تری مدیر و صاحب منزلة ومقام، یمسك بیده المکنسة وینظف ارضیة الموکب. لا تجد شخصاً عاطلاً یجلس في صدر المجلس وینتظر أن يخدمه الآخرون.
السمة الأخری لهذه الجموع الملیونیة، الهدوء والسلم والصفاء المهیمن علی الجمیع. الملایین في مسیرة أیامها معدودة، تختبر العیش في قلب الصحراء الی جوار بعض. وفي هذه الحشود تشاهد مختلف الاعمار بدء من الطفل الرضیع وانتهاء بالشیخ والعجوز التي شارفت علی التسعین. و الاهم من ذلك لا تسمع أن شجاراً یستدعي الذکر نشب داخل هذه الجموع الانسانیة العظیمة. هنا لا یتشاجر شخص مع آخر.
كذلك الطهر الاخلاقي والصفاء المعنوي الذي یطبع اجواء هذه المسیرة. هنا المرأة والرجل في حرکة دؤوبة الی جوار بعض، فلا تجد امرأة تأتي للتظاهر والتفاخر والاستحواذ علی انظار الرجال. وفي المقابل لیس هناك من ینظر الی المرأة بنیة سوء. النساء ومن مختلف الاعمار بدء بالفتیات وانتهاء بالسیدات في متوسط العمر وکبار السن، الجمیع في غایة الحشمة والاحترام، وفي أجواء نزیهة طاهرة غیر مدنسة. ولهذا بوسع منتظري المهدي الموعود علیه السلام اعتبار مسیرة الاربعین نموذجاً اولیاً مصغراً للمجتمع المهدوي الموعود. المجتمع الذي ینعم بالعدالة والاخلاق. اذ بوسع کل من المشارکین في المسیرة، وکذلك العاملین في المواکب والمسؤولین عنها، بوسعهم اعتبار المشارکة في هذه الطقوس الدینیة المعنویة الحیة والحیویة، بمثابة اختبار للحضور في ذلك المجتمع النموذجي والایماني الموعود.
لیس اعتباطاً أن یقطع الشیعة طریق کربلاء آملین بظهور الامام المهدي الموعود والدعاء بالتعجیل في فرج ظهوره، اذ أنهم یرون النهاية التاریخية لهذا المسار تكمن في النور الذي یضيء عصر الظهور، ویتوجهون الیه وهم یرددون: (اللهم إنا نرغب الیك في دولة کریمة تعز بها الاسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فیها من الدعاة الی طاعتك والقادة الی سبیلك، وترزقنا بها کرامة الدنیا والآخرة .
البعد السياسي في مسيرة الاربعين
مسيرة الاربعين بالنسبة لهذه الملایین التي تقطع کل هذه الطریق الطویلة راجلة وتکرس لها روحها و مالها ، لیست مجرد شعائر وطقوس تشکلت نتيجة مجموعة من العادات والتقالید. بل هذه الملایین اکتشف ان ثمة مفاهيم ربانية عمیقة وسامية تكتنزه هذه المسيرة .. هذه الجموع تعتبر الامام الحسین معلماً بارزاً للایمان والتحرر والانعتاق وارساء العدالة، ومظهراً للعزة والکرامة والشرف. و أنها ترى من خلال مشاركتها في مسیرة الاربعین تتمرن علی حراسة هذه القیم والذود عنها. وهذا يعني ان معنی ومفهوم مسیرة الاربعین يكمن في مواصلة طریق الحسین. فعندما تحمل امهات الشهداء اللواتي استشهد ابنائهن دفاعاً عن المقدسات في ايران و العراق و لبنان و أفغانستان واماكن أخرى ، صور أبنائهن والتوجه الی مدینة النجف لزيارة ضريح الامام امیر المؤمنین (علیه السلام) ، و من ثم الانطلاق الى كربلاء راجلات. کذلك عندما توضع صور شهداء الحشد الشعبي العراقي، الذین استشهدوا اثناء مقاتلة داعش والتکفیریین، عند مداخل المواکب العراقیة. وعندما تسیر في هذه الطریق الطویلة قوافل اللبنانیین من النساء والرجال في مجموعات منتظمة و هي تستحضر ذكرى شهدائهم ؛ کل هذا ومعالم کثیرة أخری يدل علی أن هذه المسیرة تلفت الانظار الى الحضور الفاعل و المؤثر لدور الدین في میدان السیاسة والحرب وادارة شؤون البلدان. وباختصار يدل علی أن ثمة قوة عظمى ظهرت الى الساحة الدولیة تحت مسمى ( الدين ) .
ان شباب (حزب الله) لبنان ، و(فاطمیون) افغانستان، و(زینبیون) باکستان، و(قوات التعبئة) و(حرس الثورة الاسلامیة) ایران، و(حیدریون) و(الحشد الشعبي) العراق؛ هؤلاء الذین یقاتلون داعش والتکفیریین بروح استشهادیة في سوریا والعراق ولبنان، ویضطلعون بدور بارز في تحدید مصیر المنطقة ؛ هم أبناء وأخوة هذه النسوة وهؤلاء الرجال، یشدون الرحال في الاربعین من کل حدب وصوب متحملین الصعاب أملاً في الوصول الی کربلاء و زیارة مرقد الامام الحسین (علیه السلام ).
اجل، مسیرة الاربعین باعتبارها تظاهرة سیاسیة ، مدعاة لفخر ومباهاة العالم الاسلامي. و أن كل صاحب ضمیر حي یطلع علی حقیقتها یقف احتراماً و اجلالاً لها ، لأنها مسیرة تبعث علی العزة والاقتدار. ولو أردنا اقتراح كلمات دلالية لها، فلابد من القول أن مسیرة الاربعین تزخر بـ (الحرارة) و(الطراوة) التي توجد (الحرکة) و كذلك (البرکة) .. مسیرة الاربعین خير مظهر ومَعلَم علی صحوة العالم الاسلامي وانطلاقته.
والرسالة التي یبعث بها الشیعة الی العالم الغربي من خلال مشارکتهم في هذه المسیرة، هي: لابد من الانتباه الی أن قوة جدیدة بالغة و راشدة برزت الی المعترك السیاسي منبثقة من الایمان الدیني. لقد تم احیاء مبدأ الجهاد والشهادة من جديد. فالیوم لم یعد بوسعکم فعل ما کنتم تفعلوه قبل مائة عام، مثلما حصل بعد انتهاء الحرب العالمیة الأولی، بأن تجلسوا الی بعض وتوجدوا (شرق اوسط) في غرب آسیا، وتمسکوا القلم وتضعوا حدوداً لکل منطقة، وتأسسوا أنظمة وتنصبون علیها من تریدون.
لقد بلغت بصیرة العالم الاسلامي الیوم درجة مكنت المدافعین عن المقدسات من إفشال نظام الهیمنة الدولیة ، الذي حاول الاستعانة باطروحة (الدین ضد الدین) لتنفیذ مخطط (الشرق الأوسط الجدید) ، وجاء بـ(داعش) ودفع به الی معترك الصراع باسم الاسلام لمواجهة الاسلام الحقیقي؛ و بالتالي مكنت المدافعین عن المقدسات من التصدي الی کل ذلك وعدم السماح بتنفیذ مخططات شبیهة بتلك التي کانت تنفذ قبل مائة عام.
ان منطق الشیعة في مسیرة الاربعین بدرجة من الوضوح والشفافیة لا یتقصر علیهم وحدهم دون شك، وإن کل من له عقل سلیم وطینة طاهر ویدعو للحریة من أبناء السنّة، تغیضه هیمنة الاجانب علی العالم الاسلامي ، وینظر الی الآیة الشریفة (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) بمثابة توجهاً اسلامیاً هاماً وناجعاً؛ ویتفق مع روحیة هذه الحرکة والغایة التي تنشدها والهدف الرئیس الذي تتطلع الیه.
و لا يخفى أن قیام الامام الحسین ـ علیه السلام ـ على درجة من الاحکام والقوة من حیث الاصول الدینیة والمبادىء المنطقیة، بوسعه توحید العالم الاسلامي بأسره للتخلص من سلطة الاجانب وتحقیق الاستقلال ونیل العزة.
لینک کوتاه
سوالات و نظرات