مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

مبدأ الإمام

كن من تشاء كن الدنيا بكاملها**فلست تعدل صدیقاً بميزان أخذ الشاعر هذه الحكمة من سيد البلغاء، وإمام الحكماء أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال مشيراً إلی حذائه البالیة: (والله إن هذه خير عندي من دنياكم إلاّ أن أقيم حقاً أوأدفع باطلاً). ما هذا المنطق؟! وما هذا الميزان؟! نعل بالیة لا تقدر بشيء، ولا يبذل بأزائها قليل من متاع الحياة توزن بالملك والسلطان بل بالدنيا بكاملها فترجح عليها وعلی لذاتها جميعاً وتكون خيراً منها ومن أشيائها كافة إن هذا لشيء عجاب؟!!

مبدأ الإمام
بقلم: الشيخ محمد جواد مغنيه
كن من تشاء كن الدنيا بكاملها**فلست تعدل صدیقاً بميزان
أخذ الشاعر هذه الحكمة من سيد البلغاء، وإمام الحكماء أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال مشيراً إلی حذائه البالیة:
(والله إن هذه خير عندي من دنياكم إلاّ أن أقيم حقاً أوأدفع باطلاً).
ما هذا المنطق؟! وما هذا الميزان؟! نعل بالیة لا تقدر بشيء، ولا يبذل بأزائها قليل من متاع الحياة توزن بالملك والسلطان بل بالدنيا بكاملها فترجح عليها وعلی لذاتها جميعاً وتكون خيراً منها ومن أشيائها كافة إن هذا لشيء عجاب؟!!
إن هذا المنطق منطق من يقول فصلاً، ويحكم عدلاً يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من حواشيه، إن هذا الميزان ميزان القائل:
«دعوني أكتفي من دنياكم بملحي وأقراصي، فبتقوی الله أرجو خلاصي».
وإذا كانت الأمور توزن بإثارها، وتقاس بنتائجها فان الحذاء التي تقي القدم من الأوساخ والقذرات والأحجار والأشواك خير من الملك الجائر، والسلطان الظالم الذي يودي بالأرواح والأموال بالشرف والمروءة، إن الدنيا التي يتمتع بها الشقي الفاسق،ويحرم منها التقي العادل، لا تعادل في ميزان الحق جناح بعوضة، ولا ورقة في فم جرادة.
إن في الإنسان غريزة من أقوی الغرائز البشرية، وهي حب العظمة، والرغبة الملحة في أن يكون المرء شيئاً مذكوراً جوع يضرم الجحيم، وظمأ يلتهب كالسعير، أحرق بلفحاته الأخضر وإلیابس، يسلك المرء كل سبيل، ويضحی بالنفس والنفيس، والعزيز والثمين ليسكن هذه الارواء المنبعثة عن حب العظمة، والشعور بالأهمية.
وكم يذرع بالنفاق والرياء، والحقد والجفاء، والحزبية الحمقاء كي يحصل علی شيء من الشهرة، والكمال الموهوم فلم ينجح مسعاه إذ لم يحصل علی شيء، وإذا حصل لا يدوم، أن للباطل جولة ثم يضمحل.
أيها السادة:
والسر الوحيد أن كل عمل لم يبن علی أساس متين من الدين، ولم يرتكز علی مبدأ سيد الوصيين وهو التقوی بإطاعة الله ومتابعة الراسخين في العلم من الأئمة الأطهار والعلماء الأبرار لا بد وأن يكون مآله إلی الهباء والخسران، ومصير صاحبه إلی الفشل والخذلان.
(لَا يخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ ينْظَرُونَ) (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلَی تَقْوَی مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلَی شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
وإذا كان علي مع الحق والحق مع علي-كما في الحديث الشريف- فمن الطبيعي أن يرتكز بنيانه علی تقوی الله ورضوانه ومن الطبيعي أن تكون الإمارة وألقابها، والزعامة وأثوابها هباءً في نظره إذا لم تكن وسيلة لاقامة الحق ودفع الباطل.
هذا هو المبدأ الوحيد الذي يستطيع الباحث أن يفسر به شخصية الإمام عليه السلام، ويرجع إلیه في جميع أفعاله وصفاته، وهذا هو البرنامج والبيان الذي أذاعه علی الناس كافة، ودعاهم إلیه قبل الخلافة وحينها، ولم يحد عنه طرفة عين فما دونها، وهذي هي الروح التي أورثها بنيه عليه السلام بالتربية والعرق حتی أصبحت لهم كطبیعة الحياة تسيطر علی غرائزهم، وتدفعهم إلی السير في طريق الحق والعدالة.
وأهل الکوفة أعلم الناس بعلي وبنيه، يعلمون انفعالهم وبواعثهم، وما يوقظهم؟ ويستثيرهم؟ لذلك كتبوا إلی الحسين عليه السلام أقبل لعل الله أن يجمعنا بك علی الحق، أيسمع الحسين صوت الحق فلا يسرع لتلبيته؟ إلیس هو ابن علي؟! ولكن تریث هنا قليلاً لأن أهل الکوفة أصحاب أبيه وأخيه، تریث ليتأكد أن الصوت من أعماق الفؤاد، فأرسل ابن عمه مسلماً عليه السلام فلما تبين أنه صوت القلب خف إلیهم مسرعاً.
لو لم يلب الإمام نداء الكوفيين، فلمن تكون الحجة؟ وعلی من تقع التبعة؟ وماذا يكون حكم التاريخ ولو لم يلب الإمام نداء الكوفيين، يحكم التاريخ إما بأن الحسين عليه السلام لا يجيب داعي الحق إذا دعاه، وإما بأن يزيد أهل للخلافة، لأن الإمام أقر واعترف بسلطانه، وهذا الأخير هو المعين لدی أرباب الأهواء والشهوات لأنه أبلغ في الدعاية لباطلهم، وكان لهم أن يخاطبونا محتجين هذا إمامكم المعصوم وجد الألوف من السيوف ولم يحرك ساكناً.
سار الإمام ملبياً ذلك النداء، وفي أثناء مسيرة ظهر له كذب المنادي، فهل يرجع الإمام من حيث أتی وهؤلاء أهل مسلم وذووه لا يتركون دم صاحبهم، بل هؤلاء الأمويون لا يكتفون بمسلم، ولا مصد لهم سوی الحسين، وهل يعصمه من الكفار حرم الله وحرم جده الرسول؟ وهذا يزيد أنفذ بالأمس عمر بن سعد في عسكر كثيف وأوصاه بقبض الحسين سراً وإلا فليقتله غيلة، ودس مع الحاج ثلاثين شيطاناً، وامرهم بقتل الحسين علی أي حال اتفق. فأية حرمة لله ولرسوله عند الأمويين؟ إذن لا بد من متابعة السير ومقابلة أولئك الذين دعوا الحسين إلی الحق وجهاً لوجه.
وصل الحسين إلی كربلاء، وخاطب أرباب الكتب والرسل، ولما أصروا علی الكفر عرض عليهم أن يتركوه وأطفاله علی أن يترك دنياهم ويقيم بعيداً عن ديارهم وسلطانهم، رغب إلیهم في ذلك لئلا يقول القائل: إن الحسين طالب ملك وإنه هو الذي قتل نفسه حيث وجد لها طريق السلام والأمان، فأبوا عليه إلا السيف والاستسلام ليزيد.
لو استسلم الحسين عليه السلام ليزيد لم تقم للحق قائمة ولم تكن للعدالة عين ولا أثر ما دامت السموات والأرض، وكان للباطل أن يحكم ويتحكم متی شاء وكيف شاء؟ وليس لمصلح أن ينكر عليه فعلی الأولیاء والمصلحين أن ينقادوا للظالمين طائعين فمهما بلغ المبطل بجوره فهو دون يزيد ظلماً وطغياناً ومهما بلغ المصلح بعظمته فهو دون الحسين عدلاً وإيماناً.
إذن لو لم ينهض الحسين لكانت الحجة للباطل علی الحق ما دام في الأرض ساكناً(1).
________________________________________
1- ذکری أبي الشهداء -حفلات الشباب النجفي- إخراج دار الغري- من دون تاريخ/ ص30.

لینک کوتاه