مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

قصة ميلاد

كانت طلائع الفجر العسجدية تتسلل بهدوء من بين الكثبان الرملية والجبال العالیة فتدمر إمامها فلول الليل المؤهنة، ولم تمض ساعة واحدة، حتی كانت ذكاء قد استوت علی عرشها ضاحكة الأنوار وقد أحالت الصحراء إلی معبد قدسي ارتفعت منه الأناشيد والتراتيل الجميلة المنبعثة من موسيقی الانسام، وحداء أدلاء القوافل، وأغنيات الدعاء، وثغاء الشياه، وزقزقة العصافير وشدو الحمائم... فاستيقظت المدینة الراقدة، ونفضت أبناءها إلی رحاب الشوارع وأروقة المساجد، وزحمة العيش، وصيال الكدح.

قصة ميلاد
بقلم: الأستاذ محمود محمد الحبيب
كانت طلائع الفجر العسجدية تتسلل بهدوء من بين الكثبان الرملية والجبال العالیة فتدمر إمامها فلول الليل المؤهنة، ولم تمض ساعة واحدة، حتی كانت ذكاء قد استوت علی عرشها ضاحكة الأنوار وقد أحالت الصحراء إلی معبد قدسي ارتفعت منه الأناشيد والتراتيل الجميلة المنبعثة من موسيقی الانسام، وحداء أدلاء القوافل، وأغنيات الدعاء، وثغاء الشياه، وزقزقة العصافير وشدو الحمائم… فاستيقظت المدینة الراقدة، ونفضت أبناءها إلی رحاب الشوارع وأروقة المساجد، وزحمة العيش، وصيال الكدح.
وفي إحدي دور «بني هاشم» كان الداخل یری شخصاً مهيب الطلعة، وضاح الجبين، وفي سيماه عنفوان الرجولة، وفي اهابه صولة الليث… وقد أفاضت علیه حلاوه الإيمان هالة من مهابة، وإكليلاً من وداعة هادئة تسري إلی القلب، فتود لو اطلعت إلیه النظر دون أن يدركك الملل..
كان ذلك الشخص جالساً وهو ينكث الأرض بعود في يده، وقد انصرف بخواطره عن كل شيء اللهمّ إلاّ ما شغل باله، واستحوذ علی مشاعره وهيمن علی كل رجاحه فيه.
كان قلقاً يرمق السماء ذات الأديم الأزرق الصافي أحياناً كشاعر حالم ثمّ يرتد
ببصره إلی ما حوله، فيلمح ابن عمه المصطفی جالساً إلی جانبه، وقد التفّ حوله فتيان بني هاشم وشيوخهم وهم ينظرون إلیه بأعين تنطق بالتشجيع، وتلطف ثورته الحبيسة، ثمّ ترصع شفاههم ابتسامات ألذ من النسيم وأعذب من الماء السلسبيل في فم صاد ضل في بيداء قاحلة.
كان الرجل يحاول بدوره أن يغتصب ابتسامته رداً علیهم، ولكنها وإن رصعت فاه فهي لا تخلو من شحوب لما يحسه من اضطراب داخلي..
كان الموقف حرجاً، وقد أدرك الجالسون ما فيه من توتر في الأعصاب، ووجيب في القلوب، واندفاعات في الخواطر التي تأبی الاستقرار، إلاّ في شخص واحد هو النّبي صلی اللهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّم فهو الرجل الوحيد الذي شعر باطمئنان عميق يؤنسه في هذا الجو الملبد بالأزمات النفسیة… فالاتصال الروحي بالسماء كشف أمام ناظريه ما استخلف علی سواه من أسرار المجهول.
ثمّ غمرة صمت عميق حدا الجالسين إلی السكوت حتی لتكاد تسمع دبيب الأنفاس في الصدر.
كان ما حدث شيئاً مخالفاً لسنن الطبيعة التي ألفها الناس بل أمراً غريباً جداً، فزوج الإمام علی علیهِ السَّلاَم فاطمة الزهراء قد أحسست بالمخاض وأوجاعه في شهر حملها السادس. وهذا حدث لم يقع في تأريخ النساء إلاّ في ولادة واحد لنبي كريم… كما إن علم الطب الحديث يؤكد لنا أنّ الطفل الذي يولد في مثل هذهِ الحالة لا يلبث أن يموت بعد دقائق من ولادته لنقص في نموه المتناظر إذْ لن يستكمل نموه وخلقه التام إلاّ في الشهرين السابع والتاسع..
إذن فما الذي ينتظر هذا المولود القادم قبل الأوان إلی الحياة ؟ هذا ما دعا الإمام إلی الاستجابة إلی العوامل النفسیة المتضاربة، فتملكه الأفكار ولم يقر له قرار…
ومع ذلك فكلما صافحت عيناه عيني المصطفی ولاحظ توهجها الغريب، وتلك الغبطة التي ترف علی محیاة الزاهر، شعر بالراحة، ورانت علیه لذاذات هنيئة، ومتع روحية عمیقة الأثر تطرد عن أفقه ما يغزوه من أشباح سوداء، فينقلب بعواطفه وجوارحه إلی ألف أذن وأذن، ويد السمع مرفاً نحو غرفة زوجه، فلا يسمع إلاّ أصوات النساء النامة عن التشجيع وطلب الصبر والدعاء وغيره، فيود لو تصرمت هذهِ الدقائق السائرة ببطء لنحس من بعدها بسلامه المآب وروعة الخاتمة، وليطبع علی جبين مولوده قبلة عمیقة يودعها هذا الخضم من الشوق الزاخر في أعماقه كصخب شلال مندفع…
ولكن الدقائق تنطوي علی مهل حتی ليخالها شيخاً يدب موهن الخطا وهي تسجل في طريقها آلاف الهواجس المرفرفة علی محيا الوالد الذي ينتظر بشوق وحنين…
ما أروع هذهِ الصور الفنية، الدقیقة الخيوط، الرائعة الظلال التي نطق بها وجه الإمام، ففيها یری فرحة الأب بطفله الجديد وجزع الزوج الخائف علی مصير زوجه، ورهبة الإنسان العاجز أمام قوة المجهول الخفي، واطمئنان المؤمن إلی عطف الخالق، ثمّ صبر العبد علی امتحان الله…
وهكذا اصطخبت عوامل الألم بالأمل، والخوف بالرجاء، والصبر بالإيمان، والضعف بالتجلد، والعجلة بالأناة والتریث…
وظل مسرحاً تمثل علیه أعنف الفصول، وهو مع ذلك الرجل العظيم، الكاظم لعواطفه، المنصرف إلی ربه في دعاء خافت وصلاة فكر، وتلاوة آي محكمات…
وبينما هو يضمضم بما يمنحه هدوء البال، واستقرار العاطفة، إذْ تعالت الأصوات من الداخل، وارتفع دعاء الهاشميات يبعث الرعشة في الأجسام لحرارته وانبعاثه من قلوب صادقة الولاء، فياضة المحبة.. فأحس أبو الحسن بأن قلبه يكاد يثب من بين ضلوعه، وتدفقت الدماء حارة في عروقه، وتفصد جبينه بقطرات العرق البارد، فراح يمسحها بكف مرتجفة وهو يتضرع في سره إلی الله تعالی أن يخفف عن زوجه ألمها ومتاعبها، ويكشف عنها هذهِ السحابة الثقيلة… وأخذت روحه الحنون ترفرف حول الدار رفيف الطير حول وكناتها وفراخها.
هبطت ارادة السماء، فدوت في الدار الأغاريد، وعلا صوت البشير يهتف بمولد الطفل شبل حيدره وحفيد محمد… فارتفع للهاشميات هتاف عال وتسبيح ذو نظم عذب.. هذا والفرحة الکبری تسكب علیهم طراوة الحياة ومسراتها، وولد عيد سعيد في تاريخ آل محمد بمولد السبط.
أما الإمام… أما الأب المشوق، فقد أم زاوية في الدار شاكراً لله إحسانه… ثمّ هرول إلی الداخل والحنين الطاغي يسبقه خطوات فهنأ زوجه بالسلامة، ثمّ انحنی علی المولود والتقت الشفاه الظامئة بالجبين الزاهر في قلبه خيل للحاضرين إنها قد استمدت قوتها من أعماق روح الإمام.
اهتزت المدینة لوقع المعجزة الکبری، واكتضت دور بني هاشم والمساجد بالمسلمين المغتبطين بهذا العيد، وسری النبأ يغزو الأمصار ففرح المحبون، أما الّذين تحجرت أفئدتهم فقد رج الخبر أفئدتهم رجاً…
وتمر بضعه أسابيع…
وفي ذات مساء في جلسة عائلية.. كان النّبي صلی اللهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّم جالساً يحف به ابن عمه وابنته فاطمة وصفوة من ذوي قرباه، وقد أجلس الحسن والحسين (علیهما السَّلاَم) في حجره، وراح ينظر إلی الأخير نظرة طويلة بهت لها الجميع، ثمّ أخذ يقبله والدموع تنهمر من عينيه… فهتفت فاطمة علیها السَّلاَم:
«أبتي.. ما يبكيك».
ونظر علي علیهِ السَّلاَم إلیه والسؤال يتراقص علی لسانه…
نظر النّبي صلی اللهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّم إلیهم وإلی الطفل، وسبحت خواطره إلی المستقبل البعيد ثلج أبوابه، وتكشف عن أسراره وغوامضه في حیاة البشر فإذا للحفيد قصة سطورها من دماء ودموع…
أما فاطمة وزوجها.. أما الحاضرون… فلبثوا ينتظرون الجواب.. ولكن النّبي صلی اللهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّم انطوی علی نفسه وانصرف بجوارحه كافة لقراءة سطور المجهول…
وارتمت الشمس خلف الجبال في ثوبها المعصفر، وهي تلقي أهدا بها الوردية علی الأفق، ثمّ احتضن الكون ليل داج ترصعه نجوم ذات بصيص خافت…
هذا والنبي ما يزال مستغرقاً في صمته العميق(1).
________________________________________
1- يوم الحسين (علیه السلام) الذکری الرابعة – إعداد الهيئة الأدبیة في البصرة – 1950م /ص199.

لینک کوتاه