مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

في ذکری عاشوراء

(إنما الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا). ألا فليتبارك الموت الذي هو الیقظة الكبری أو ليتبارك لأنه سبيل الحياة التي لاحد لها. وإذا كان الموت سبيل الحياة ، فإننا لم نحتفل ذکری ، ولا استرجاع حداد علی فواجع مصرع، وإنما نحتفل بالحياة التي انبثقت من الموت وبالبدایة التي انطلقت من النهایة، لتنمو بوجود مكثف مستديم. تتجسد الفكرة إنساناً، ويزول الإنسان، وتعظم الفكرة بزواله، كأنها لم تتجمد إلاّ بموته أو كأنها كانت في ارتقاب خروجه من حدود المكان، وعبودية الزمان، لتكسر قيد المكان والزمان وتخرج من الشكل الواحد لتكتسي الواحد في انعطافها العرف الاشكال.

في ذکری عاشوراء
بقلم: الأستاذ الدكتور إنطوان كرم
أستاذ الأدب الحديث في الجامعة الأمريكية وعميد كلية الآداب اللبنانية
(إنما الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا).
ألا فليتبارك الموت الذي هو الیقظة الكبری أو ليتبارك لأنه سبيل الحياة التي لاحد لها.
وإذا كان الموت سبيل الحياة ، فإننا لم نحتفل ذکری ، ولا استرجاع حداد علی فواجع مصرع، وإنما نحتفل بالحياة التي انبثقت من الموت وبالبدایة التي انطلقت من النهایة، لتنمو بوجود مكثف مستديم.
تتجسد الفكرة إنساناً، ويزول الإنسان، وتعظم الفكرة بزواله، كأنها لم تتجمد إلاّ بموته أو كأنها كانت في ارتقاب خروجه من حدود المكان، وعبودية الزمان، لتكسر قيد المكان والزمان وتخرج من الشكل الواحد لتكتسي الواحد في انعطافها العرف الاشكال.
فمن الإمام الأول، كرم الله وجهة، إلی العاشر من محرم، في السنة الهجریة الستين مرحلة تنتهي في التاريخ ليبدأ بها التأريخ ويينتهي الإنسان لتحيا الفكرة. فتورق أغصانه وتتفرع، وتعمق جذورها وتترسخ، لتصبح شجرة حضارية قائمة بذاتها.
حتی إذا بلغت الفكرة منتهي مجالات البعاد، عادت، فأبدعت صاحبها إبداعاً جديداً وغدت رمزاً قدسياً، وهالة من جلال.
ولئن كان الوجود الحق مرهوناً بمدی الإسهام الذي نسهمه في عمارة الحضارة، فحسبك أن يسقط من حصيلة التراث العربي ما أسهم به أعلام الشيعة، ليهوي جناح عظيم من هذا البناء العتيد.
ولئن كان التاريخ تعبيراً عن مرافق النشاط البشري في أعلی عطائه، فانظر كيف تعددت المرافق، وتجمهرت فنون النشاط، وتلقح فيها السامي بالآري ليرتقي التراث إلی مستواه الإنساني الأشعل.
فاطلب الفكر بذلك ما كان من طبيعة العقل عندهم، يعدي من المجمل ليستقصي التفاصيل ويتبع الظلال المكنونة وراء التفاصيل: بالمنطق حيناً، والتأمل الروحي حيناً والعلوم الموضوعية حيناً آخر. حتی تدرك الأصول بالاجتهاد المؤول ويستوي التأمل مستوياً بالفنوسطية، خصيباً بالتصوف، مرتقباً إلی النور العلوي الشعشعاني من جوهر الإنسان الكامل أو يغوص علی أسرار الطاقة الروحية في الإنسان، فيعلل أسباب الوصال بين الراهن المتناهي، والغيبي اللامتناهي. يستفسر الأمانة والعصمة، ويفك اللغز من التخيير والتسيير، ما قدر للعقل أن يقلب معاني الغيب. ثم تری هذا العقل نفسه يصهر المعارف الإنسانية كيفما وقعت له، وبمنزعه الموسوعي، يحدد منطلق الفلسفة في الأعلام، ويستوفي بناءها، فشق من في العقيدة راسخ، وشق في المنطق الصارم فتتفتح القضايا مع الكندي، ويتكون النظام مع الفارابي، ويكمل ابن سينا نهايات التحديد، والمعجم الفلسفي، ومسأله الأزلية، وماهية النفس، أو قل هو التصوف يخلع عنه أثقال المادة، ويجاوز المتطور في غبطة السكرات الروحية، مشاهدة واتصالاً وفناء. ثم يشد هذا الحلم السعيد إلی قوالب العقل ليصبح العقل بذاته مدرجة للتأمل والانخطاف، ويتلهي في تصيد المجردات، ويثب من الطبيعة إلی ما وراء الطبيعة.
أو تری هذا العقل يرتد عندهم إلی العلوم الموضوعية، فيستهلك ما استجمعت جهود المترجمين، ويبدأ من حيث انتهي الأقدمون في الطب والكيمياء. في الرياضيات والعلوم الطبيعية. ويضيف إلی التراث المخزون، خلاصة ما أسهم به جابر بن حيان، والخوارزمي والرازي والبيروني.
وليس يستهويك ما ترك الأول من مستحضرات ومحلولات، ومعادلة ما في الاجساد من طبائع. ولا خلف الثاني الحلول، والأرقام، والجبر والمقابلة، والأزياج الفلكية وتجديد جغرافية بطليموس، ولا أن يكون الثالث سيد من أسياد العقل وضجة في الطب القديم، ولا أن يكون الرابع قد وضع قاعدة لقياس محيط الأرض وحسب الوزن النوعي، وزن الجسم في الهواء والماء وضغط السوائل وتوازنها، قد لا يستلفتك هذا كله لأنه أضحی من أوليات المعارف العلمية المعاصرة وإنما يستهويك هذا الموقف العلمي الخلقي الركين الذي وقفوه من تحصيل المعرفة، ودرك الحق حيث سلط العقل علی الهوی، فذلك الهوی لتسلم الحجة، ويؤتمن الحديد، وحيث يسلخ البيروني أربعين سنَة من عمره في أرض الهند تكريساً للحقيقة التي ينشد ثم ينقض كل حقيقة لم تصمد بالاختبار والتجربة، إلی أن تكون التجربة أساس المعرفة العلمية. وإن شئت ديوان العرب، طالعتك من شعرائهم جمهرة، خيل معها إلیك، ان أرض الغنائية عند العرب قد ارتحب بهم علی التدرج، حتی وسع الإنشاد الكون. يقل معه شظف الصحراء في شعر الفرزدق، فإذا طيبته نفحات من آل البيت شف، فرق ولان وتداخل ديباجه العز المرتقب مع السيد الحمیری، يخالطه حزن وأنكسار، ويترصن حيناً مع أبي نؤاس فيتحدي الجاهلية أم البلاغة، ويستهتر أحياناً حتی يستوقف الخفايا عن لذائذه المركبة ويذوب الحضارة في الضاد بما حملت من خلاصات المعادلة الذهنية علی تمرد بلغ التحكم، وفاجع أقفل فارتد لهواً، وشك بنا فاستسلم للتوبة.
وفي عدادهم أبو تمام يثقل الشعر برجحان الاستعارة الفلسفية، علي أبهة الخلق الوعر، واختراع طلب النادر الأكمل، فأسرف حتی تيتم. ولهم رواء السلسبيل من غير البحتری، يستقر لديه عمود الشعر.
ثم تزف ربة الشعر أبا الطيب المتنبي، فيتعطر في قارورته إكسير من سبق ويجتني لها نضج الفلسفة الأرسطية، والمرارة الميتافيزيقية من أشواق الإسماعيلية وصبغ المتصوفة، ويتحول الفكر إلی قضايا وجود، والقضايا إلی هبوط عاطفي، علی ما في العاطفة من عتو، وفي الغرطوسة من عطش إلی المستحيل، وفي الإنسان سبقته ذاته، فكلما ادركها شاءها في شوط أجد، علوه أبعد، لتكون الحياة برمتها استباقاً يكون الموت من مظاهره.
وفيهم أبو العلاء المعري يرتد فيه البصر لينشق بصائر، والعقل نور باحث في متاهة المجهول. يستكن أو يقترض، يستضيء فيقبل، ولا يقر فيدحض، ما أن يستوقف إلیقين حتی يرجرجه الشك، ويعصف به القلق المر، تحت حكم القدر الذي لا يتزعزع ومن عبث اللغويين إلی مغيبات ابن الفارج، وقد انطوی في الجرم الصغير العالم الأكبر.
وان شئت كان لك ما نزعوا إلیه من تطور في مفاهيم السياسة، ومن تشوق إلی الإصلاح في شؤون الاجتماع البشري.
إلیس يسعدك أن تكون القيم علی هذه المؤسسة الکریمة ، فيهم أيضاً؟ ندی النفس جبل علی معاني الخير مزاجه، وأنزنت بالخلق السامي خطاه. يدرك حزوره المعلم فيلبيها ويبصر بتقدم العصر التقني فيندفع في مضمار السبق، ويحول وجوده كإنسان قضية مصلحة سعيدة، تكرس الهمة الشماء من الصالح الأمم، تحارب الشر بالمعرفة، وتقاوم العوز القاتم بضياء العلم المسوق إلی الخير الأفضل.
ألا فتبارك إلیقظة الکبری، وليتبارك الحسين الذي هو حیاة لا تحد(1).
________________________________________
1- مجلة الإيمان -النجف- العدد-9، 10- السنة الأولی- 1964/ ص5.

لینک کوتاه