مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

عبرة العبرة

لم يروِ لنا التاريخ رغم سعته وتنوع مآسيه وحوادثه حادثة أفجع من حادثة الطف الهائلة التي لم يزل صداها يتردد إلی الآن وإلی أن تقوم الساعة، وقد مضت عليها قرون وقرون وضمير الإنسانية الحساس يئن لمأساتها الدامیة ويتوجع لمصيبتها الفادحة، ولم تزل ذكراها تعاد في كل عام ماثلة للخواطر تثير لواعج الأسي وتذيب القلوب وتستدر الدموع. أجل لقد اهتز العالم من أقصاه إلی أقصاه لهول هذه الفادحة، واضطربت لها الأجيال والعصور المتعاقبة، وخشعت لها الأمم علی اختلاف طبقاتها وتباين أجناسها، وذلك لأنّ نهضة الحسين عليه السلام لم تكن رغبة في الحكم، ولا أملاً في السلطان، ولا ذريعة للجاه والمال، وإنّما هي ثورة في وجه الاستبداد، ومقاومة للبغي والفساد، وانتفاضة ضد السلطة الجائرة وانتزاع للحكم من أيدي الأقلية الباغية وصرخة في وجه الطغيان الأعمی، وستبقی هذه الصرخة المصلحة مدوية في مسامع مضطهدي الشعوب وماثلة أمام وجوه الحاكمين من غير الطريق الشرعي. لقد رأی الحسين عليه السلام بعينه وسمع باذنيه ما كان يجري علي عهد معاویة من الظلم والجور، وانتهاك حرمة الدين، واغتصاب أموال الناس وسوء الاحوال العامة، وفساد أخلاق الأمة ووقوع المسلمين في هوة سحيقة من الذل والخنوع ووصول الحالة إلی حد لا يستطيع الصبر عليه من في قلبه ذرة من الرحمة

عبره العبرة
بقلم: السيد محمد حسن الطالقاني/ صاحب مجلة المعارف
لم يروِ لنا التاريخ رغم سعته وتنوع مآسيه وحوادثه حادثة أفجع من حادثة الطف الهائلة التي لم يزل صداها يتردد إلی الآن وإلی أن تقوم الساعة، وقد مضت عليها قرون وقرون وضمير الإنسانية الحساس يئن لمأساتها الدامیة ويتوجع لمصيبتها الفادحة، ولم تزل ذكراها تعاد في كل عام ماثلة للخواطر تثير لواعج الأسي وتذيب القلوب وتستدر الدموع.
أجل لقد اهتز العالم من أقصاه إلی أقصاه لهول هذه الفادحة، واضطربت لها الأجيال والعصور المتعاقبة، وخشعت لها الأمم علی اختلاف طبقاتها وتباين أجناسها، وذلك لأنّ نهضة الحسين عليه السلام لم تكن رغبة في الحكم، ولا أملاً في السلطان، ولا ذريعة للجاه والمال، وإنّما هي ثورة في وجه الاستبداد، ومقاومة للبغي والفساد، وانتفاضة ضد السلطة الجائرة وانتزاع للحكم من أيدي الأقلية الباغية وصرخة في وجه الطغيان الأعمی، وستبقی هذه الصرخة المصلحة مدوية في مسامع مضطهدي الشعوب وماثلة أمام وجوه الحاكمين من غير الطريق الشرعي.
لقد رأی الحسين عليه السلام بعينه وسمع باذنيه ما كان يجري علي عهد معاویة من الظلم والجور، وانتهاك حرمة الدين، واغتصاب أموال الناس وسوء الاحوال العامة، وفساد أخلاق الأمة ووقوع المسلمين في هوة سحيقة من الذل والخنوع ووصول الحالة إلی حد لا يستطيع الصبر عليه من في قلبه ذرة من الرحمة والعطف علی بني الإنسان فكيف وهو ابن صاحب الرسالة الإنسانية الخالدة. والمسؤول الأول أمام الدين لوصايته الحقة عن أبيه وأخيه في حفظه.
وهلك معاویة فخلفه ابنه يزيد – وهو المعروف سیرة وسريرة- فزاد في الطين بلة لأنّه كان إلی الجاهلية أقرب منه إلی الإسلام في كافة أحواله وأوضاعه، وقد تردت الحالة في أيامه. وانتهكت حرمة الإسلام علی يديه بالمرة وبمختلف الطرق وظهر الفسق عليه وعلی قومه وعماله. وأصبحت الجرائم ترتكب جهراً دون خشية أو مراقبة. فرأی الحسين عليه السلام أنّ صبره علی الحالة وسكوته عنها يزيد في تفسخ الأخلاق وذلة النفوس وهضم الحقوق ونصره الباطل. وخشي أن تألف نفوس الناس المهانة والخنوع وتطبع بطابع الذل والخضوع. لان أمد الظلم إذا طال علی أمة صار الذل والخوف فيها كالغرائز الفطرية والأخلاق الموروثة. لذلك لم يكن له بد من الثورة علی يزيد وأعوانه وإيقافهم عند حدهم خوفاً من تزلزل العقائد الدینیة وتفكك الروابط الإسلامية.
لذلك فقد قام عليه السلام في وجه يزيد وهو يعلم أنّه لم يستطع القضاء علی ائمة الجور وأركان الضلال في كفاحه وجهاده. لكنه علم بأنّه إذا لم يتمكن من إسقاط الدولة الأموية وتشكيل حکومة عادلة بمکانها فإنّه يكون لكفاحه هذا أثر عظيم في المشايعين له. وتشجيع لهم علی متابعة الحرکة حتی يتحقق لهم النصر وبأن ثورته تعلم الناس طرائق الكفاح التي تخرجهم من ذل العبودية إلی عز الحریة، وتوجد بينهم روح الإقدام وتحمل المصائب والمتاعب، فهو منتصر حتماً ولو بعد حين.
قاوم الامام الحسين عليه السلام جيش الباطل فسجل أروع انتصار للمبادئ السامیة في تاريخ الإنسانية، وترك في جبين الدهر أثراً ناصعاً ودليلاً قاطعاً علی انتصار الفضیلة واسترخص نفسه الغالية في سبيل العقيدة والإيمان فضرب مثلاً أعلی في نكران الذات والتضحیة من أجل الأهداف الکریمة .
قتل الحسين عليه السلام فوقع علی وجه الثری مزملاً بدمائه ووطأت خيول الظالمين صدره الذي وعي كتاب الله وتهجد به آناء الليل وأطراف النهار، وقطع رأسه المعفر بالتراب والذي طالما قضی صاحبه الليالی وهو يعفر جبهته بتراب الأرض خشيه من ربه وتواضعاً له، وحمل إلی يزيد ووضع إمامة فضرب وشرب وصب فضله كأسه علی ذلك الرأس الشريف الذي لم ير صاحبه الخمر ولم يشم رائحتها، وتناول القضيب فأخذ يضرب به ثنايا الحسين وثغره الذي طالما وضع نبي الرحمة ثغره عليه وقبله.
إنّ ما جری علی الحسين عليه السلام بعد قتله من تمثيل وشناعة لهو أكبر إثماً وأكثر بشاعة وإيغالاً في الجریمة، وبعداً عن قواعد الخلق والدين، فإنّ الجریمة التي ارتكبت في حقه لا تعادلها أي جریمة في عالم الحوادث، لذلك بقيت جرحاً في قلب كل مسلم، ووصمة في تاريخ العرب والإسلام، ولطخة سوداء في جبين الدين لا يزيلها مرور الحدثان مهما تقادمت الازمان.
فعلينا أن نحتفل بهذه الذکری الخالدة والانتفاضة وليس لنا أن نكتفي بالتفجع علی مصاب الحسين وأهل بيته والبكاء عليهم طلباً للأجر فلم تكن الغایة من إقامة الاحتفالات والمآتم هنا وهناك مقتصرة علی إحياء ذکری فاجعة الطف وإقامة المناحة ولطم الخدود، فالاحتفال بذکریات المصلحين والعظماء إنما هو شحذ للعزائم وبعث للهمم علی متابعتهم والسير علی مناهجهم في الثورة علی الباطل والعمل علی نشر الحق والاقتداء والتأسي بهم، ومن أجل ذلك كثر الترغيب في زیارة الامام الحسين عليه السلام والحث عليها وعلی البكاء عليه وإقامة المآتم وغير ذلك.
وإذا ما اقتصرنا علی البكاء والعزاء فقد أضعنا الفائدة المطلوبة وأضعنا كل ما ننشد من ورائها من أهداف لأنها أبعد من ذلك غوراً وأسمی معنی وعلينا إلی جانب الاهتمام بالمآتم والإعتزاز بها وبمعظم الشعائر وتخليد هذه الذکری كل عام أن نسبر غورها ونتفهمها جيداً وندرك دقائقها ونأخذ بتعالیمها ونسير علی ضوئها ونتأمل ما أنطوت عليه من أسرار وبذلك نستطيع أن نبني مجدنا ونعيد للأمة الإسلامية برفيع مكانتها(1).
________________________________________
1- مجلة النشاط الثقافي -النجف-العدد-8- السنة الأولی- 1958/ص487.

لینک کوتاه