مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

عاشوراء يوم الآلام والآمال

نحن - يا سادتي- إن تصفحنا التاريخ عصراً عصراً فإننا -ولا شك- سوف نری الصراع قائماً بين الحق والباطل منذ الأدوار الأولی من التاريخ حتی يومنا هذا..الصراع لم يفتر أو يهدأ في أي عصر من العصور. وان هو هدأ فترة بتغلب أحد الجانبين فان ذلك لا يعني إن الفريق المغلوب قضي عليه قضاءً تاماً؛ بل إن حرب القلوب باقیة متقدة. وما حرب معاویة مع أمير المؤمنين والحسن والحسين عليه السلام إلا نتیجة لتلك الحرب؛ الحرب في القلوب والنفوس، الحرب التي لم تهدأ أو تفتر منذ أنكسار شوکة قريش في حربهم مع الرسول صلی الله عليه وآله وسلم وبالأخص أنكسار تلك اللمة التي تجمع أبا سفيان وبنيه وبعض رؤوس قريش. فهؤلاء دخلوا الإسلام كرهاً إضافة إلی ذلك انهم رأوا أن دخولهم في الإسلام أقرب إلی نيل مأربهم وهو قلب الدين الجديد، وذلك ليعملوا علی هدم الإسلام باسم الإسلام،

بقلم: الشيخ محمود المظفر
نحن – يا سادتي- إن تصفحنا التاريخ عصراً عصراً فإننا -ولا شك- سوف نری الصراع قائماً بين الحق والباطل منذ الأدوار الأولی من التاريخ حتی يومنا هذا..الصراع لم يفتر أو يهدأ في أي عصر من العصور. وان هو هدأ فترة بتغلب أحد الجانبين فان ذلك لا يعني إن الفريق المغلوب قضي عليه قضاءً تاماً؛ بل إن حرب القلوب باقیة متقدة.
وما حرب معاویة مع أمير المؤمنين والحسن والحسين عليه السلام إلا نتیجة لتلك الحرب؛ الحرب في القلوب والنفوس، الحرب التي لم تهدأ أو تفتر منذ أنكسار شوکة قريش في حربهم مع الرسول صلی الله عليه وآله وسلم وبالأخص أنكسار تلك اللمة التي تجمع أبا سفيان وبنيه وبعض رؤوس قريش.
فهؤلاء دخلوا الإسلام كرهاً إضافة إلی ذلك انهم رأوا أن دخولهم في الإسلام أقرب إلی نيل مأربهم وهو قلب الدين الجديد، وذلك ليعملوا علی هدم الإسلام باسم الإسلام، ولم يقصد أبو سفيان عند مد يده لمبايعة أمير المؤمنين عليه السلام بعد يوم السقیفة إلا الكيد للإسلام وأهله، وكذلك إعلان ابنه معاویة الحرب علی أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين ثم تدرج في النظر بعد هذا إلی حفيده يزيد، ألا قاتل الله الأحفاد والأجداد، يزيد الذي ورث الحقد والكراهية – وما في الأباء يرثه الأبناء- ويستمر استعار حرب القلوب بين الحسين عليه السلام ويزيد ثم يشتد ويشتد كلما تقدم
الزمن وتولدت حادثة تزيد في النار ناراً.
فكلما تصور يزيد شبح الحسين الذي يخنقه ويهدد ملكه وملك أبيه احترق من حقده الشخصي مضافاً إلی حقده الوراثي.
ومهما أمعن يزيد في لهوه ومجونه وازداد هتكه للحريات في زمن أبيه ازداد الحسين عليه السلام تأثراً منه وامتعض ألماً لتلك المهازل التي تمثل تحت ستار الإسلام.
وهكذا يزداد غيظ الجانبين بتجدد الزمن، فقد عانی الحسين عليه السلام من آل أمیة آلاماً يعتقد أنها تقارب الآلام التي عاناها منهم جده أيام دعوته إن لم تزد عليها، فإنّ النبي صلی الله عليه وآله وسلم تزيد آماله وتنقص الأمة كلما تقدم الزمن الذي بتقدمه تتقدم الدعوة وتنال فوزاً مبيناً.
والحسين عليه السلام علی العكس من ذلك تكثر الأمة وتنقص آماله كلما تقدم الزمن الذي بتقدمه ينهد الإسلام ويتراجع إلی الوراء.
عرفتم- يا سادتي- كما تقدم إن بين الحسين ويزيد حرباً هي الحرب في القلوب، وعرفتم أن تلك الحرب ما دامت قائمة فهي ستجر وراءها حرباً حقيقيه ضروساً.
فيزيد الفاجر ابن الطلقاء یرید البیعة لنفسه من إمامنا الحسين العظيم وإلا فلا يری غير الحسام. نهض الحسين عليه السلام بالإيمان أو نهض الإيمان بالحسين، نهض رجل النهضة وللنهضة رجلها، وأصحاب النهضات تختلف نهضاتهم باختلاف مبادئهم وغاياتهم، فوثبة يراد بها قلب الحق، ونهضة يقصد منها محو الباطل وتقويض دعائم الكفر والبهتان، فالأولی يمثلةا يزيد الذي يمثل الكفر والطغيان، والثانیة يمثلةا الحسين الذي رضع الإيمان حتی صار جزءاً معه لا يتجزأ.
وهنا يتقابل المبدآن، وشتان ما بين المبدأين إذا الحرب لم تكن بين رجلين فحسب فكل منهما قد تلبس بمبدئه حتی غدا المبدأ الشخص نفسه والشخص المبدأ نفسه.
فقد رأی يزيد بعقلة الناقص أن قتل الحسين عليه السلام فقد قتل الإسلام، وما دام الحسين عليه السلام موجوداً فان الدين لم يمت إذ الدين هو الحسين والحسين هو الدين.
هب الحسين فصرخ بالكفر مسدداً سهمه إلی كبده، وكان ما أمله يزيد من الانتصار قد عاد عليه وبالاً وأنكساراً، وسيبقی صوت الحسين وهو يهيب بالناس يدوي في الآفاق وسيبقی صوت الناس وهتافهم باسم الحسين يرن في الفضاء، وهنا يجتمع صدی الصوتين فيكون التقاؤهما تفاعلاً عظيماً وصدی يهدد ويزلزل ملك الكفر والطغيان.
رأی يزيد- كما قلنا- أنه: إن قتل الحسين قتل الإسلام، وعلم الحسين إنّه منتصر بنهضته علي كل حال سواء حارب بالأجناد المجندة، أو حارب بنفسه لو خذلة الناس.
علم الحسين أنه لا شك منتصر فخرج من مدینة جده إلی بيت ربه – ووجهته الکوفة – وفيها حط رحال المجد في كربلاء وفيها جرت أفجع حادثة في تاريخ البشر.
ولأجل هذه الحادثة قامت قيامة الخلق وكان أهل الکوفة محاربوه بالأمس مرددي صدی نهضته بعد ذلك إلیوم.
وبهذا أصبح يوم العاشر من محرم مبدأ النهضات، فجل النهضات التي تأخرت عن نهضة الإمام والتي كان يراد بها محو الطغيان تردد صدی ذلك الصوت الذي انبعث من كربلاء المقدسة.
وهذا إلیوم الذي نهض فيه أبو الشهداء غدا يوم الخلود لأن النهضة فيه تركت وراءها الخلود الدائم وسيبقی الخلود ما بقيت إنسانية في الوجود، وهذا إلیوم هو الذي علم المسلمين التضحیة والتفاني في سبيل المبدأ والعقيدة، وهذا إلیوم أعظم يوم أظهر فيه ظلم الظالم وأعظم يوم أظهر فيه حق المحق، ثم أعظم يوم تفجرت فيه الآلام ولا زالت مستمرة، وهذا إلیوم أعظم يوم أشرق فيه ضياء الدين، وأعظم يوم لاح من نور الآمال فكان بحق يوم الآمال والآلام(1).
________________________________________
1- مجلة البذرة -النجف- العدد-5- السنة الأولی- 1386ه/ص157.

لینک کوتاه