مقالات قدیمة

سيبقی هذا الصوت خالداً

الحسين مصباح الإنسانية الباهر الذي أضاء بالنور في ليلة من ليالیها الحالكة، ليضع لها نهارها المشرق الوضاح، ويأخذ بيدها في سبيل تحقيق إنسانية الإنسان، وصقلةا صقلاً إسلامياً خالصاً، وإعطائها حقوقها الفردية والاجتماعية، بعد أن انتزعتها منها حكومات الإرهاب والاستعباد، التي لم تقرأ يوماً ما نظرة الإسلام في الحكم والنظام.

سيبقی هذا الصوت خالداً
بقلم: السيد الشهيد محمد باقر الصدر
الحسين مصباح الإنسانية الباهر الذي أضاء بالنور في ليلة من ليالیها الحالكة، ليضع لها نهارها المشرق الوضاح، ويأخذ بيدها في سبيل تحقيق إنسانية الإنسان، وصقلةا صقلاً إسلامياً خالصاً، وإعطائها حقوقها الفردية والاجتماعية، بعد أن انتزعتها منها حكومات الإرهاب والاستعباد، التي لم تقرأ يوماً ما نظرة الإسلام في الحكم والنظام.
الحسين هو الفرد الذي اختصرت في فرديته العبقرية، القداسات الإنسانية كلها، وتماوجت في روحه الفذة حياة تصنع الحياة ، فكبر عليه أن يستأثر بها، ووهبها للعقائد والأجيال، فشاعت حیاة الحسين فيها وتحولت من حياة شخص محدود إلی حياة ثرية خالدة للمثل الإسلامية العليا، وحياة ضمیریة خيرة في قلب الأجيال الواعية من بني الإنسان.
وهكذا استحدثت العقيدة نشاطها واستعدادها للخلود من روح الحسين ودمه كما استمدت منه كيانها وضميرها، فصارت تحيی بحياة حسينية مشعة، كما كان يحي بحياة عقائدية طاهرة.
الحسين هو ذلك العاشق المفتون بالحقيقة الإلهية المقدسة، وجمالها الأولی الذي لا يحسب حساباً للدنيا وما فيها؛ لأن ذلك كله إلا شعاعاً ضئيلاً من ذلك المنبع الفوار الذي قد فني فيه وسحر روحه، وكهرب مشاعره كلها. اسمع إلیه وهو يخاطب معشوقه العظيم عند مسیرة إلی جهاده في دعاء عرفه الذي هو النشيد الخالد للعبودية المخلصة
)ماذا وجد من فقدك وما الذي فقد من وجدك (
بهذه الروح الرائعة التي لا يدخل شيء من أشياء هذا العالم المحدود في حسابها، ولا تری بعد الظفر بالجانب الإلهي جانباً آخر يخشی فواته، أو يؤمل إدراكه، لأن المجد هوليس إلا لمعة لذلك الوجود غير المحدود. أقول بهذه الروح المعنوية الباهرة دخل إلی معركة كربلاء مضحیاً بنفسه وبصفوة البنين والإخوة والأصحاب، وبجميع اعتبارات هذه الدنيا الفانية لأن سكرة العشق الإلهي جعلته يرتفع عند ذلك كله فلا يری بعيني عقلة إلا معشوقه العظيم، يتقبل منه قرابين التضحیة، ويبارك له فيها فيزداد اطلاقة وبشرا كلما ازدادت اتساعا وفارت دماً.
خاض الحسين تلك المعركة الهائمة مندفعاً بضمير إلهي يملأ ذات نفسه وبيده مشعل الحياة والنور، ولكن شاء صانعوا الموت للشعوب الذين لا يمكن أن يقيموا عروشهم الجائرة إلا في ظلام أن يطفئوا ذلك المشعل، ويقضوا علی ذلك النور.
وكانت تلك المعركة منظراً دامياً للصراع الهائل الذي انبثق عن وضع نظام الدولة في جوهر الإسلام، وذلك أن الإسلام بطبيعته المتوثبة إلی الاتصال والخلود، وبجوهره الذي جاء بالصيغة النهائية لرسالات السماء لم يكن ليرضی إلا أن يمتد بوجوده ما امتدت هذه الإنسانية، مهذباً ومنظماً، ولهذا وضع في الصميم من دستوره نظام الدولة العادلة فكان ذلك إكمالاً للدين واتماماً للنعمة، كما أعلنه القرآن العظيم عند احتفال رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ودين الإسلام – يوم الغدير- بوضع نظام الدولة المخلصة وترتكز الفكرة في هذا النظام علی ضمان العدالة و المساواة بإحراز الوجود الأصلح الذي يسعد به المجتمع والفرد ويطمئن في ظله إلی حياة حرة كريمة في حدود نزيهة وعماد هذه الحياة الصالحة – في نظر الإسلام – ذلك الوجود الأصلح الذي يكون امتداداً للنبي لتمتد بذلك رسالة النبوة، والذي لا بد أن يرتفع علی الهزات وتمتنع عليه حمی الحكم عن غير الضمير الإلهي الجبار، وإمام كهذا يكبر علی طاقه المنتخبين أو
المعينين من الناس، وبهذا كان الانتخاب الإلهي له هو الأساس الذي تقتضيه روح الإسلام ويتفق مع جوهره العظيم.
فليس من جوهر الإسلام في شيء أن يقر حكماً انتخابياً ينبثق عن شتی العواطف ومختلف الأهواء والنزعات، وهو الذي جاء لتقويم تلك العواطف وتحديد هذه العواطف والنزعات، وليس من طبيعته ان يمضي حكماً فردياً يقوم علی دكتاتورية غاشمة لا حدود لسلطانها، ولا حساب علی أعمالها، وإنما الذي هو من طبيعته بالصميم أنْ يعتدل أمر الامامة برجل معين مختار ولكن لا علی اعتبار دكتاتوري في الحكم، بل وفق خطة تحاور بروحها روح الديمقراطية العادلة التقدمية، ذلك بأنه يجعل الله تعالی مصدراً للسلطة الوحيدة في جهاز ذلك الحكم ويعتبر الشعوب عياله وشعبه ويقيم الامام أميناً علی تنفيذ قوانينه، وحارساً لأحكامه ومسؤولاً بين يديه، يوزع علی ضوء تلك القوانين حقوق الحياة السواء بين إخوان في الدين والإنسانية، وقد أعطی سيد الشهداء عليه السلام صورة رائعة عن ذلك في قوله )فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق الحابس نفسه علی ذلك لله.(
وقد امتحن هذا النظام للدولة منذ أن أعلنه الإسلام وأتم به رسالته بمعارضة صاخبة أبت أن يبقی لون الحكم إلهياً دائماً، وطابع السلطة نبوياً هاشمياً أبداً، وجاءت المعأرضة أولاً علی شكل الدعوة إلی الانتخاب الحر واستمداد السلطة الحاكمة وجودها من الناس أنفسهم، وعطل ذلك النظام الخير في عواصف مزلزلة لا سبيل لنا إلی ذكرها الآن؟ وقام الحكم في دنيا الإسلام انتخابياً في لونه الظاهر بعد أن حصرت دائرة الترشيح في إطار ضيق جردت قريش منه أكثر المسلمين، وقصرت الأصوات الانتخابية علی عدد لم يكن ليتيسر أن يقوم ذلك الحكم علی أكثر منه.
ثم ظهرت عليه مظاهر النزعة الفردية في السيطرة الفردية، فلم يمضِ عقدان حتی اختصرت الانتخاب في سته لم يكن للمسلمين أي تأثير في ترشيحهم ثم اشتد الطابع الفردي وضوحاً بعد ذلك وما زال الحكم يسير في خط منحنٍ، رسمته المعارضة في ظروف ومؤثرات لا يتسع لشرحها المقام حتی انتهي إلی دكتاتورية أموية سافرة، هي أبعد ما تكون عن طبيعة نظام الدولة المفروض في قانون الإسلام.
وضاعت الحقیقة التي قالها الإسلام في هذا الموضوع.
وفي هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الحكم الإسلامي دقت ساعة السخاء في إذني الحسين تؤذنه بأنها لحظة التضحیة والشهادة، لا لكسب السلطة عملياً واستردادها من الغاصبين فإنّ ذلك لم يكن ليؤمل في تلك الظروف التي درسها الحسين عليه السلام جيداً، وفهمها عن آبائه جيداً أيضاً، بل لتسفر دولة المعارضة بلون أحمر من الدم، ولون أسود قاتم من الظلم فينتزع بذلك عنها الطابع الإسلامي الذي كانت تدعيه ويضع هذا الطابع علی الدولة التي ارادةا الإسلام للمسلمين.
لم يقم الحسين عليه السلام دولة الإسلام ولكنه أرخ الدولة الإسلامية، وكتب حقائقها الذهبية، وسجل نظامها بمداد من الدم أبد الدهر.
كان يوم الطف تاريخاً رائعاً ليوم (الغدير) وكان الدم الزكي المنسكب علی أرض كربلاء برهاناً علی أن روح الإسلام تتعالی عن منطق المعارضة وحكوماتها كان يوم الطف يوم القيامة الكبری التي قضت علی شرف الحكم واعتبار الحاكمين، وأعلنت للمسلمين ببطولة لم تظفر الإنسانية بنظيرها حقائق الإسلام في إطار دام رهيب.
ولم يكتف الامام بذلك بل استغاث في ذلك الموقف العظيم بالإنسانية كلها، ودوي صوته الإلهي طالباً المعونة والنصر، ففاض تاريخ الإسلام بالتضحیات الكريمة، والأريحيات الخيرة، والحركات التحررية الجبارة، وسوف يبقی هذا الصوت يرن في مسمع الإنسانية، ويدفعها إلی الموت ليخلق لها الحياة ، وإلی التضحیة ليهبها الكرامة، يعلمها كيف يهب الفرد حياته للأمة فيكون شيئاً من حياة الأمة كلها(1).
________________________________________
1- مجلة النشاط الثقافي -النجف- العدد – 8- السنة الأولی- 1958/ص427.

لینک کوتاه