ذکریات أبي الشهداء الأحرار
بقلم: السيد الشهيد حسن الشيرازي
للحسين في التاريخ أضواء وأصوات، ولثورته في الحياة هزات وامتدادات، وهو الإنسان الذي وحّد اتجاه العاطفه والفكر فموج الكيان الإسلامي حتی انتفضت في كل بعد منها رعود وبروق.
الحسين عملاق لم يخفض الطرف يوماً وإنما حلّق في القمم حتی بلغ الذروة فهو نداء يجوب الآفاق ويتغلغل في القرون.
الحسين عبقرية تفتحت فيه آفاق وأجواء فلم يتقلص في جيله ولم يستأثر به المسلمون فحسب بل توسع للإنسانية جمعاء ينفحها بإيمانها المطلق بالمثل والقيم ويعبّر عنها تعبيراً حكيماً بصيراً، فإذا مر بالعقول القاحلة أوحي إلیها الأمل السمح، وإذا مسح الحياة الجدباء بشّرها بالخصب والرخاء وأضفی عليها المرح والنعيم.
الحسين ثائر فلم يعرفه المفكرون لأن ما يخامر نفس الثائر لا يجيش في صدور المفكرين وهو مفكر لم يبلغه الثوار، ولا يطيق الجميع أن يجلوه ويعكسوه علی الحياة لأنهم لا يتقنون تحليل الشخصيات المضاعفة.
الحسين هو الرجل الوحيد الذي ضحی في سبيل الإسلام بحياته الخاصة ومجموع أفراد أسرته وأمواله كافة، وبقیة الاعتبارات التي يتهالك عليها الناس وخاض في معركة عَلِمَ منذ الخطوة الأولی أنه سيخسرها إلی الأبد، ولكن الإسلام سيربحها حتی الأبد،
فأقدم علی التجربة القاسية بثقة وإيمان وهدوء لتكميل دين جده وتعديل مناهج الإسلام وإنقاذها من محرفيها الأدعياء الذين تاجروا بالحق ليرجوا به الباطل، فقد كانت رسالة النبي صلی الله عليه وآله وسلم في وضع تصميم الإسلام وتنفيذ كلمة السماء وكانت مسؤولية الحسين عليه السلام في تعديل مخطط الإسلام وفضح المتآمرين عليه ولم يكن تعديل الإسلام بأهون من تقريره لو درسنا الظروف والملابسات الفكرية والاجتماعية التي عاشها الحسين أو كلاهما مشاركة في الإسلام واخراجه إلی الوجود حقيقة بارزة واضحة الخطوط والحدود بحيث ترفض التمويه والالتواء فالنبي باق علی صيغته الأصلیة لثورة الحسين والحسين خالد في إطار التقديس لثورة الرسول وهنا نلمس تفتح البلاغة في اوج نبوغها عندما انطلقت علی لسان النبي الأكرم لتعبر عن علاقة الحسين والرسول بالآخر قائلاً:
(حسين مني وأنا من حسين (.
وبعد هذا فالحسين تاريخ قائم بذاته ولصفحاته المطوية أغوار بعيدة وآمال، وقد تفرع عن بيت الرسالة ليؤكد أنّ الشرق منبع الحضارات والفنون ومهبط العبقريات والإلهام وهو أبعد من أن نجلوه بطلاً أو ثائراً فقط وإنما هو فوق ذلك، إمام لا يسمو إلیه الفلاسفة والزعماء والمصلحون، فهو ملتقة الفضائل وفي كل فضيلة بلغ القمة وأعلی فيمثل الجميع الأبطال في أروع تعبير،ويصور المثل القيمة كافة في أزهي مثل فيتظافر الناس علی الاحتفاء بذکری اته رغم تناصر الدهور الساميات عليها لأنه إحياء لجميع العظماء والقيم مكرسة في نموذج بليغ ويزدلف المسلمون حول ضريحه المقدس في كل مناسبة لتلقي مجموعة الدروس في ايماءه واحدة ويخاطبونه في زيارته بخشوع وابتهال…أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر…ليركزوا هذه الشعارات في أفكارهم ويؤكدوا علی مقاييس العظمة وينقذوا المقدسات من البلبله والارتباك.
وفي هذه الذكری الخالدة تتدافع الوفود المتدفقة من شتی أبعاد البلاد الإسلامية فتلتف الجماهير الحاشدة حول مرقد الامام الشهيد وكل عضو منها لسان يردد:
لبيك داعي الله إنْ كان لم يجبك بدني عن استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري.
لتعرب عن استنصارها لمبادئ الامام وأهدافه ويصرخون في تلك الحضيرة التي احتضنت الأجسام المضرجة بدماء الشهادة هاتفين معولين:
أشهد لقد اقشعرت لدمائكم أظلة العرش مع أظلة الخلائق وبكتكم السماء والأرض وسكان الجنان والبر والبحر.
ليعلنوا اشمئزازهم العنيف عن الجریمة والطغيان وتنساب مواكبهم الثائرة الملتهبة بأهازيجها الحماسية الحزينة من مراكزهم إلی حرم أبي الشهداء أبي عبد الله الحسين ومنه إلی مشهد بطل العلقمي أبي الفضل العباس «وهم يضربون صدورهم بقسوةٍ وأنكسار ليدقوا مسامع الحياة ويقتحموا التاريخ من أوسع أبوابه فيخلدوا ثورة الطف التي لا تستحلب مثلةا الأجيال ويسجلوا الخلود: إننا جميعاً امتداد للبطل الشهيد وماضون علی اسمة ومنهاجه (رغم التناولات وتعصر ذكری المأساة قلوبهم فيعتصرون من أجفانهم الدموع الغزيرة ليرووا الدماء الغالية التي سقت غرس الدين والعقيدة(فتبقي طرية فائرة تفتح الأفق وتغذي الفكر الثوري للمسلم المعذب حتی لا يرضخ للاستعباد والاضطهاد ) ويتمسحون بضريحه الغائم المكلل بالنضار اللامع ليربوا مشاركتهم العملية للبطل الثاوي وهم يتناجون متخافتين بقطعة النور التي وردت في الدعاء: وعاذ فطرس بمهده فنحن عائذون بقبره من بعده نشهد تربته وننتظر أوبته، ويتذكرون الحديث العظيم:
«الحسين مصباح الهدی وسفينه النجاة»(1).
________________________________________
1- مجلة الأخلاق والآداب -كربلاء- العدد-6-السنة الرابعة- 1384ه/ص213.
لینک کوتاه
سوالات و نظرات