خطة الحسين (عليه السلام) ونصرة المحسوس
بقلم: السيد محمد بحر العلوم
من الحقائق الجلية التي يحكم بها العقل ويرتضيها العقلاء هو أن الإنسان الكامل في مواهبه لابد أن يزن الأمور بميزان عقلة الواعي ليدرك خطرها ويتبصر بمصيرها – فهو كلما بدأ في عمل أو استوحي فكره ما تراه يبسطها تحت شعاع العقل ليتميز بدقائقها ويتعرف بعواقبها – ومن ذلك ما هو جدير بهذا العمل والاستنتاج فكرة الحرب أو الدفاع – ويشترك في هذا التميز الجماعة والفرد علی السواء بملاك واحد. ولذلك تری الدولة أو الزعيم المحارب قد يكف عن إعلان الحرب في بعض الأحيان نظراً لما اقتضاه تفكيره من إلیأس عن النجاح في المغامرة أو عدم ضمان سلامة الدولة أو القبيلة – إلی غير ذلك من المقتضيات السلبية.
فهو إن قام بمغامرته وأعلن الحرب دون أن يشرعه في وجدانه ويزنه بميزانه كان ذلك منه تهويساً وحمقاً وكان جديراً بأن لا يسجل له التاريخ أي مفخرة حتی ولو انتصر.
وقد كانت واقعة الطف إحدی المثل العليا لهذه الحقائق الواضحة – وكيف لا تكون مثلاً أسمی والقائم بامرها سبط الرسول الأعظم، ربيب ثقافة الإسلام الصحيح ودعامه دعايته الأولی.
لقد أعلنت الدولة الأموية حربها علی الحسين بن فاطمة فضايقته بإنذارها وهو في جوار البيت الحرام ومأمن العالم الإسلامي، أنذرته باسم فلكيتها الطاغي يزيد بن معاویة الذي زعم الإسلام وحارب قلب الإسلام. ولكنه عليه السلام حينما فوجئ بهذا الحادث لم يكترث لهذا الأمر كأنه علی عدة للملاقاة والمنازلة – الأمر الذي يشير إلی رجحان دفاعه رجحاناً لا تفكير بعده ولا نقض لإبرامه.
ونستطيع أن نفهم ذلك جلياً من الحوار الذي دار بينه وبين أخيه محمد بن الحنفية رحمه الله إذ يخاطبه محمد قائلاً:
ألم تعدني النظر فيما سألتك فيه فيقول السبط عليه السلام كلاّ يا أخي قد شاء الله أن يراني قتيلاً بأرض كربلاء العراق ثم يسأله محمد ما معنی حملك لهؤلاء النسوة فيجيبه عليه السلام قد شاء الله أن يراهن سبايا.
ويحسن بنا في هذا الاستطراد أن نقول أن الحسين عليه السلام إذا علم بقتله يقيناً واتّضح لديه سبي نسائه الحرائر وهتك خدورهن- فهلاّ كان ذلك موجباً لنقض عزيمته علی الدفاع وهلاّ كان ذلك مشيراً إلی المغلوبية في جانبه ثم كيف سمحت له الغيرة أن ينقاد ويطيع ويحمل معه النسوة-.
ولكن الجواب ما كان بالأمر الصعب إذا ما دققنا الواقع من ناحيتيه الأولی – هي ما تشير إلیه کلمة الحسين عليه السلام من الإشاءه التي هي القول الفصل الذي أكد لنا أن الحسين عليه السلام كانت بواعثه ليست بمحض البشرية والقوی الإنسانية الساذجة.
وإنما كانت مشوبة بنوع من الإيماء الإلهي الرفيع كما كانت العنايَة الربانية تحيطها كل الإحاطة – وبعد ذلك كيف يستطيع ابن الرسول أن يخالف الله فيما علمه الله من إشاءته، بل لا محالة للمخالفة إذا ما علمنا عدم تخلف معلومه تعالی عن علمه.
الناحیة الثانیة : إن لكل دفاع قرارات وخطط يضعها القائد الحربي أو الزعيم المحارب لتكون سبلاً للنجاح وطريقاً فنياً للغلبة، وحمل النسوة إلی كربلاء بتلك الحالة هي إحدی وسائل الدفاع التي بنيت عليها غاية الحسين عليه السلام.
وإذ ذاك لابد من العودة إلی بيان غايته عليه السلام لنتحقق من صحة الدليل وأحقية البرهان.
لقد اتضح لديك بما أسلفنا وبما أنت به خبير من أن الدولة الأموية قامت باسم الإسلام وشيدت علی دعائمة ومشت بأسالیبه، ولكن موضع النقد هو فراغ تلك القواعد عن معانيها الصحيحة وغاياتها الأولی فإنك إذ تسمع بالخلافة الأموية وتسمع بالصلوات في الجوامع والقضاة في محاكمها والجباية للأموال باسم الحقوق والفتوح باسم العقيدة الإسلامية فإنما تسمع بها دون أن يعي أولو امرها ما تعني به تلك النظم، ولو وعوها فهم في اتجاه آخر.
ولعلهم فكروا بسن قوانين تتمشی ومبادئهم الدينية ولكن صدهم عن تركيز ذلك تحكم العقيدة الإسلامية في شعبهم الأمر الذي يهدد دولتهم بالخراب والإنقلاب.
ولعل أوضح دليل علی ذلك قول معاویة في خطبته عند صلحه للحسن بن علي عليه السلام: «أيها الناس ما حاربتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا ولكن حاربتكم لأتأمر عليكم» وهذه البادرة منه بدرت علی حين لا يستطيع الجمهور النهوض لرده؛ نظراً لقوة إرهابه واستتباب امره.
ولذلك أطلق الكلام عن نفسيته الخائنة دون خشيه وإتقاء، وهكذا استطاعت الدولة الأموية أن تهود الأمة الإسلامية وتنصرها وتعيدها تاره ببذل المادة وهي العامل الأول وأخری بالإرهاب والعقابات الصارمة تلك الأمة التي كلفت الرسول الأعظم غالیاً حتی أخذ بيدها من أعماق الضلالة وانتشلها من الكفر والجهالة.
تلك الأمة التي عرفت بالإيمان ودانت بثقافته وتحضرت من فيوضه الزاخرة وليتها اكتفت من ذلك بإشباع رغباتها دون أن جردت رماحها في وجه أبي الضيم تحاول استسلامه لطغيانها.
وأصر أبو الشهداء علی كسر سورتهم ودك عروشهم واستئصال شأفتهم فنهض بأصحابه الذين لم يكونوا غير أبناء المهاجرین والأنصار الذين عرفوا بالإيمان بين الأمة ذاتها.
فسار بأهل بيته وأصحابه صبية ونساء شباباً وكهولاً والكل من أفراد العترة ونعمة القیادة من ابن فاطمة الذي عرفوه، وابن الوصي علي الذي جربوه، وابن النبي محمد الذي خبروه.
سار علی هذه الحالة ونزل أرض الفرات، وقابل طغاة الكوفة فأضطرهم علی الاعتراف بكرامته وأهل بيته وأصحابه حتی صرحوا له بنسبه وأنهم غير تاركيه فإذا به يسمع ملء أذنيه منهم أنك ابن فاطمة أبوك علي جدك الرسول ولكننا نحاربك بغضاً لأبيك. هكذا عج التاريخ بإلحادهم وهكذا انتشر للأمم أن هؤلاء جيوشاً وأمراء مردة عاتون، ليس لهم من الإسلام نصيب؛ لأنهم الذين قصدوا العترة اعترافاً بكل ما هنالك من نتائج غير مبإلین بما سيكون.
وأظنك قد التفت من هنا إلی نجاح الأسلوب الذي سار نحوه السبط عليه السلام ذلك ليوضح للأمم عدم إسلامهم وأنهم علی الشرك الذي فطروا عليه سادة ورعيه وكان ذلك بمثابة دعوی يصحبها البرهان.
ثم إنكفأ مرة أخری نحو إبراز نفسياتهم الرذيلة للناس الأخرین، فعرض عليهم عرضاً تستجيش له الإنسانية وتستثار منه العواطف وتنفعل له النفوس، إذ قدّم رضيعه الظمآن طالباً منهم أرخص ما في الوجود وهو الماء باذلاً لهم، أخذه إلیهم أن اتهموه بالحيلة علی تحصيل الماء، فكان الجواب منهم استنزاف دم الرضيع في حجر أبيه فإذا به يضطرب وأوداجه تبعث فوارة الدم، وياللمأساة.
ثم ما كانت الإّ ساعة دارت في مثل هذا إلیوم فيها رحی الحرب فقابل قلب الإيمان وصريخة الإسلام فيها ثلة من المشركين حتی رأیت وجه الأرض كاسية بدماء الشهداء وراحت التربة ترتشف دماً لم تدنسّه أوهام الشك وراح السبط في الحومة وحيداً لا يجد من يقدم له جواده حتی حاول وهو أبي السبط أن يحاجهم بآخر کلمة فنادی وملؤ صوته الرهبة حتی خيل لهم أن الرسول في الميدان أو أن علياً فيها.
ألا هل من ناصر؟
ألا هل من ذاب عن حرم الرسول في الميدان؟
ألا هل من راقب الله فينا؟
وما زادهم ذلك النداء والاختبار إلاّ عتواً، ولكنه عليه السلام لما سقط صريعاً علی التراب سابحاً بدمائه يخبط في وجهة الثری شاهد ببقايا بصره الشريف تكالب القوم علی هتك الحرائر فناداهم بلسان العروبة قائلاً:
إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم، وأرجعوا إلی أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون.
هكذا ربح الحسين النصر ديناً، إذ قلب الدولة قلباً محتماً بفاجعته بعد ما أثبت كفرها واستصرخ التاريخ في الرقن علی طغيانهم وأقام الإسلام مجداً جديداً صبغه بدمائه وركزه علی أشلاء الشهداء من أنصاره الأطياب، فتعالی صرخة عالیة رجت بها العصور وتمسكت بها الأجيال، فعادت الثقافة الإسلامية تصدع في سماء الجزيرة علی مرِّ الأعوام وعلی قمم الأعواد وما تزال الأفواه تتعطر بأسمائهم، والعيون تذرف الدمع لمصابهم والعاقبة للمتقين. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون(1).
________________________________________
1- مجلة الغري-النجف-العدد-9، 10- السنة الثامنة- 1947/ ص68.
لینک کوتاه
سوالات و نظرات