مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

الناس عبيد الدنيا

لقد جرت علی لسان الإمام السبط كلمات مأثورة كاللآلئ المنظومة علی جبين الزمان تنير السبيل لذوي الإصلاح وتهدي العمی عن ضلالتهم وقد سجلها التاريخ بأحرف من نور، وذهبت هذهِ الكلمات البيانية البليغة كأحسن ما تكون علیه الأمثال والحكم وصار أرباب البيان وفحول البغی يحشرونها في كتاباتهم ويسطرونها في ثنايا مقالاتهم فتزيد من الأسلوب متانة ومن اللفظ جزالة ومن المعنی قوة، ونحن نكتفي بقول واحد إثباتاً لما قلناه ودليلاً لما أسلفناه. فما قاله الإمام في وصف إيمان بعض الناس ومقدار ما تمسكوا به من الدين قوله علیهِ السَّلاَم: (الناس عبيد الدنيا والدين لعق علی ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون). هذهِ الکلمة الموجزه تنطوي علی معانٍ غزيرة وأحكام قاطعة وتحليلات واضحة.

الناس عبيد الدنيا
بقلم: كاظم الجابري
لقد جرت علی لسان الإمام السبط كلمات مأثورة كاللآلئ المنظومة علی جبين الزمان تنير السبيل لذوي الإصلاح وتهدي العمی عن ضلالتهم وقد سجلها التاريخ بأحرف من نور، وذهبت هذهِ الكلمات البيانية البليغة كأحسن ما تكون علیه الأمثال والحكم وصار أرباب البيان وفحول البغی يحشرونها في كتاباتهم ويسطرونها في ثنايا مقالاتهم فتزيد من الأسلوب متانة ومن اللفظ جزالة ومن المعنی قوة، ونحن نكتفي بقول واحد إثباتاً لما قلناه ودليلاً لما أسلفناه.
فما قاله الإمام في وصف إيمان بعض الناس ومقدار ما تمسكوا به من الدين قوله علیهِ السَّلاَم:
(الناس عبيد الدنيا والدين لعق علی ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون).
هذهِ الکلمة الموجزه تنطوي علی معانٍ غزيرة وأحكام قاطعة وتحليلات واضحة.
ففي الجزء الأول من كلامه علیهِ السَّلاَم إذْ يقول:
الناس عبيد الدنيا تشبيه حقيقي فكما أن العبد المملوك دائب علی العمل من أجل مالكه ساهر علی إراحته أملاً منه أن ينعم علیه راجياً منه حسن العلاقة والرضا تأميناً لرغباته وحفظاً لبقائه. فكذلك نری الناس باختلاف طبقاتهم ونحلهم دائبي السعي والعمل لتأمين راحتهم ومنزلتهم في هذهِ الحياة متشبثين بشتی الوسائل والسبل لحفظ بقائهم وإدامة ملكهم ضاربين صفحاً بالقيم الإنسانية والنواميس الطبيعية ما زالت هذهِ تتعارض ومصالحهم الخاصة وتحط من مقامهم في الحياة ، منهم یریدون دائماً أن يتبوأوا المكان العالي ويحصلون علی النصيب الأوفر من متاع الحياة ناسين أو متناسين أن ذلك إلی فناء وأن مصيره إلی زوال. فهم بأعمالهم هذهِ عبيد ولكن للدنيا.
ولننتقل إلی الجزء الثاني من كلامه علیهِ السَّلاَم:
«الدين لعق علی ألسنتهم».
نعم ننظر إلی الشخص فنراه العابد الزاهد العفيف النزية قد ظهرت علیه صفاة التدين، وإذا ما كلمته أجابك بلسان أهل الصلاح والإيمان يتحرق لما حل بالمجتمع من الموبقات والأخلاق التي لا تتفق والدين في نظره .ولكن هذهِ المظاهر لا تمسه بشيء ولكنها تتصل بمصالح بعض الناس فنراه يصب جام غضبه علیهم متشبثاً ببعض الحجج الواهية، ولكن ما إن تعدت هذهِ المصالح إلی كيانه وأخذت تمس مجری حياته فتراه سرعان ما ينتفض من مظاهر التدين حفظاً لمصالحه ورغباته فمن هذا يظهر أن إيمانه لا يتعدی لسانه، وإن مبلغ تدينه لا يتعدی المظهر والزي والقول باللسان لا عقیدة في الجنان.
وننتقل إلی الجزء الثالث من كلامه وهو قوله: يحوطونه (أي الدين) ما درت به معائشهم. أي يجعلون من الدين وسیلة لمتاعهم وتأمين معيشتهم فهم يكيفونه حسب مقدار ما يدر علیهم من أرباح مادية، وإن كان هذا الاتجاه الجديد ينافي جوهر الدين الصحيح، فهولا يتورع عن تجاهل بعض الحقائق مازالت لم تكن له فيها منفعة أو معاش، وما أحسبني بحاجة إلی دليل. فالأدلة کثیرة وخاصة في أوساط الموظفين. فتری الموظف قبل التعيين يحمل لواء الإصلاح وينقم علی هذا وذاك لاعوجاجه، ولكنه ما إن دخل ضمن هذا الجهاز حتی نراه بركاناً خامداً لا تهمه شؤون الناس، وما يحدث بينهم من مظالم ومفاسد ما زال ذلك لا يتعدی حدود وظيفته فيدفعه غروره إلی أن يكون الطاغیة المكبر علی من سواه وخاصة علی من دونه.
والفقرة الأخيرة من كلامه وهي: (فإذا محّصوا بالبلاء قل الديانون)
هناك علاقة کبیرة بين التدين والبلاء أوجدها الله سبحانه وتعالی لامتحان عبده ومعرفة مقدار ما انطوی علیه قلبه من الإيمان والتدين. فكثيراً ما تطرأ علی الأفراد المتدينين ظروف قاسیة. أمّا سبب العوز أو المرض أو أن يتسلط علیه شخص أو سلطان أو أن يكلف الفرد بحكم شرعي يتعدی القول واللسان إلی بذل النفس والنفيس. فإذا ما حدث واحد من هذهِ الأسباب أو اجتمعت علیه وما زال علی إيمانه وشدة تدينه لا يجزع ولا يتسرب إلیه الشك كان قد اجتاز الامتحان بسلام تام، وما أكثر الأدلة والشواهد علی هذا النمط من الناس في مختلف العصور والأزمان، وما حادثة الطف وقتل ابن بنت الرسول إلاّ خير شاهد ودليل علی جزع القوم مما فتنوا به والتخلف عن نصرة الحق وإزهاق الباطل. فقد كتب أهل الکوفة للإمام الحسين علیهِ السَّلاَم اثني عشر ألف كتاب كلها تستحثه علی القدوم إلی الکوفة وتعده بالنصره ضد الطاغیة يزيد وبطانته الظلمة، ولكن ما أن تجاوز العمل اللسان وتعدی إلی السيف والقتال حق نراهم قد نكثوا العهود ونكروا المواعيد ولم يكتفوا بالتخلف عنه بل نصروا علیه عدوه. فكان ما كان من حادثة الطف الدامیة والوقيعة الألیمة بالرغم من إيمان القوم بأن الحسين علیهِ السَّلاَم صادق في دعواه ممتثل لأمر الدين الحنيف، ويعلمون ذلك من قرارة أنفسهم وأعماق قلوبهم، وقد أوضح حقیقة امرهم قول الفرزدق للإمام عند ملاقاته له، وهو في طريقه إلی كربلاء حين سأله الإمام:
(كيف تركت الناس؟).
فأجاب: (قلوبهم معك وسيوفهم علیك) وغيرها من الحوادث التأریخیة العديدة كحادثة زيد الشهيد ومسلم بن عقيل ويحيي بن زيد وغيرهم ممن ثاروا علی الظلم والاستبداد والجور والفساد وتخلف أنصارهم عنهم، وممن جاء وصفهم في الكتاب المبين:
(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يتْرَكوا أَن يقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يفْتَنُونَ).
هذهِ هي بعض المعاني الواضحة كقول الإمام وحكمته التي أرسلها إلی الناس ليكونوا علی حقیقة من امرهم وبينة من أدعياء التدين والإيمان انتزعها الإمام من صميم الواقع وبرهنت علی صحتها الحوادث التأریخیة واختلاف الظروف وتقلبات الأحوال(1).
________________________________________
1- سلسله العظيم الخالد «الحسين بن علی» (علیه السلام) – منشورات مكتبه التهذيب الإسلامي – كربلاء – 1957م / ص21

لینک کوتاه