مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

المروءة الحسینیة

الحمد لله الذي شرفني بالمشاركة في ذکری الإمام الشهيد الحسين بن علي ریحانة رسول الله وابن بنته الزهراء البتول، هذه الذکری التي أسيلت الدموع مدراراً وخشعت لها الأبصار وتصدعت لمرارتها القلوب، واطمأن بها الحق المسلوب، وارتجف لهيبتها الباطل المدموغ هذه الذکری التي تذكر المسلمين بحقیقة دينهم تلك الحقیقة التي طعنها في الصميم قوم لم يدخل الإيمان في قلوبهم فضلوا في مفاوز الظلم يتخبطون وأذيقوا العذاب في العاجلة لأنهم كانوا ظالمين، الحقیقة الإسلامية التي شملت كل شيء وعالجت كل أمر، وحققت للنفس الإنسانية طمأنينتها، فالإسلام دين التوحيد لتتحد القلوب والعقائد فتجتمع الآراء وتعمل للخير العام دين الإسلام ليسلم الناس من الاعتداء علی نفوسهم وأعراضهم وحريتهم وما يملكون والإسلام دين الحق ليعطي كل ذي حق حقه، فإذا أنكر التوحيد عدنا إلی وثنیة جاهلیة حمقاء متفرقَة مفرقة، وإذا نقض الإسلام حطمتنا العداوات وأكلتنا الأطماع، وإذا اغتصب الحق نهضت دولة الباطل وساء المصير، فلابد من الجهاد، وما ترك الإسلام الدنيا فوضی، ولا أراد الدين عباده صماء وإنما ارادها دنيا عدل وسعادة ودين وأخوه وخير.

المروءة الحسینیة
بقلم: الأستاذ يحيي كاظم الثعالبي
الحمد لله الذي شرفني بالمشاركة في ذکری الإمام الشهيد الحسين بن علي ریحانة رسول الله وابن بنته الزهراء البتول، هذه الذکری التي أسيلت الدموع مدراراً وخشعت لها الأبصار وتصدعت لمرارتها القلوب، واطمأن بها الحق المسلوب، وارتجف لهيبتها الباطل المدموغ هذه الذکری التي تذكر المسلمين بحقیقة دينهم تلك الحقیقة التي طعنها في الصميم قوم لم يدخل الإيمان في قلوبهم فضلوا في مفاوز الظلم يتخبطون وأذيقوا العذاب في العاجلة لأنهم كانوا ظالمين، الحقیقة الإسلامية التي شملت كل شيء وعالجت كل أمر، وحققت للنفس الإنسانية طمأنينتها، فالإسلام دين التوحيد لتتحد القلوب والعقائد فتجتمع الآراء وتعمل للخير العام دين الإسلام ليسلم الناس من الاعتداء علی نفوسهم وأعراضهم وحريتهم وما يملكون والإسلام دين الحق ليعطي كل ذي حق حقه، فإذا أنكر التوحيد عدنا إلی وثنیة جاهلیة حمقاء متفرقَة مفرقة، وإذا نقض الإسلام حطمتنا العداوات وأكلتنا الأطماع، وإذا اغتصب الحق نهضت دولة الباطل وساء المصير، فلابد من الجهاد، وما ترك الإسلام الدنيا فوضی، ولا أراد الدين عباده صماء وإنما ارادها دنيا عدل وسعادة ودين وأخوه وخير.
أيها المحتفلون لستم أول من بكی الحسين وذکری الحسين، فأحب الحسين، سلوا المنابر في بلاد المسلمين كافة تخبركم بمآثره، استنطقوا المساجد والمجالس والمعابد تعلمكم جهاد بن علي، سلوا التاريخ يدهشكم بتضحیة الحسين، اسمعوا الشعر، نشيد الزمن يفت أكبادكم في فاجعة ابن الرسول، إنه لذكر خالد.
يا ابن رسول الله أحبك الناس حباً روحانياً خالصاً لأنك أردت أن تنصر الحق فنصرته وتخذل الباطل فخذلته، والناس – يا سيدي- في كل مكان يبحثون عن الحق وينصرونه ويفجعهم الظلم فيقبحونه، وإن مروءتك يا مولاي دنيا فخر أولست الذي خطبت في جماعة الحر بن يزيد- وقد أرسل ليصدك عن دخول العراق – فقلت:
أيها الناس، وأن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم، قال: «من رأی سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم يعمل في عباد الله بالأثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقاً علی الله أن يدخله مدخله..».
ياسيدي، يقدسك عشاق الفضیلة لأنك حفظت عفاف أرينب زوجة عبد الله من فجور يزيد، ولأنك جمعت بين قلبين محبين كادت الرذیلة تحطمهما بتفريق.
أينسی الناس مروءتك – وأنت في أحرج المواقف- أولم تقل للذين جاءوا معك من المدینة وقد سمعت في طريقك بمقتل مسلم وهاني:
(وقد خذلتنا شيعتنا فمن أحب منكم أن ينصرف فلينصرف فليس عليه منا ذمام..!).
فتفرق عنك من أردت له السلامة… وهل للمروءة صورة أوضح من صوره سيد مقدام لا يهاب الموت ولا يخشی الطعان، رابط الجأش ثابت الجنان يحف به فرسانه وهم قليل عديدهم، كثير عدوهم، يقف هذا السيد أمام جيش عدوه وهو موقن أنه مقتول، فيعلن مبدأه ويقول:
(ألا ترون أنّ الحق لا يعمل به وأنّ الباطل لا يتناهی عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله فإني لا أري الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَماً).
إنه يود أن يكافح وحيداً الا أنهم بايعوه علی النضال…
تعالوا، معي لتروا بطل النهضة في صورة أخری فقد سمعت زينب ما عزم عليه الحسين فنادت
(واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة إلیوم).
فجاء إلیها الحسين ونصحها وختم نصيحته بقوله:
(يا أخية إني أقسم عليك لا تشقي علي جيباً ولا تخمشي وجهاً ولا تدعي بالويل والثبور إن أنا هلكت (.
ولم تكن مروءه الحسين وقفاً علی أصحابه وأقربائه بل كانت إنسانية عامة حتی بلغ إحسانه أعداءه فما من موقف وقفه إلاّ ذكرهم فيه ونصحهم ووعظةم خوفاً عليهم من عذاب شديد، فالحر الذي أرسله ابن زياد ومعه ألف فارس لكي يقطع الطريق علی الحسين كان هو وقومه قد أشرفوا علی الهلاك، فأمر الحسين أصحابه وفتيانه فقال:
(اسقوا القوم ورشَّفوا الخيل ترشيفاً).
فكان من فضيلة هذه المروءة أن انحاز إلیه الحر وكان من الشهداء… وألمسوا هذه المروءة في ضمير الشهيد تجدوه يتفقد صرعی الطف، ويدفع عنهم ذئاب الطمع، وجنود الباطل، فذاك مسلم بن عوسجة الأسدي من أنصاره خر صريعاً فمشی إلیه الحسين – وكان به رمق- فقال:
(رحمك الله يا مسلم بن عوسجة).
إنّه يضمد قلباً امتلأ بالإيمان، إنه ليترحم لجندي باع دنيا ذل بأخری عز وکرامة .
ورأی حسين النخوة زوجه الكلبي وهو يقاتل تحمل عموداً وهي مقبلة تقول: (فداك أبي وأمي، قاتل دون الطيبين ذرية محمد..) فناداها الحسين وقال:
)جزيتم من أهل بيتي خيراً ارجعي رحمك الله، فإنه ليس علی النساء قتال..).
ولما قتل الكلبي ذهبت إلیه تمسح التراب عن وجهة وتقول له: «هنيئاً لك الجنة..!» فأمر شمر فشج غلامه رأسها بالعمود فماتت.. وكان حسين الرجولة يهجم علی أعدائه لينتصر لأولئك الذين باعوا أنفسهم لله مشتاقين فيبدد عنهم جحافل الجبن والغدر.
ثم أنظروا هذا القائد المنافح الناصح المؤمن بالحق العامل علی إحقاقه بالروح وقد سقط علی الأرض فأدركه طفل هو ابن أخيه فجاءه وغد من جيش يزيد وأهوی عليه بالسيف فصاح الطفل:
(أتقتل عمي..!).
فضربه الغاشم بالسيف وقطع يده فصرخ الغلام فأفاق الحسين من سكرة الموت وقال له:
(ياابن أخي أصبر علی ما نزل بك فإن الله يلحقك بآبائك الطاهرين).
هذه مروءه الحسين وهذه نخوته وهذا جهاده الذي ادال دولة وهدم ظلماً، فهل نحن مؤمنون حقاً بالمروءة، ومتی نعمل..؟ أنكتفي بالدموع..؟ أنسير ظالمين مظلومين، وحتی متی..؟(1).
________________________________________
1- مجلة الميزان -العمارة- العدد -27، 28- السنة الرابعة- 1367ه/ص37.

لینک کوتاه