مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

الفاتح المنتصر علی مدی التاريخ

اللهم اشهد بإننا نبرأ إلیك من الشريعة التي قتل بسيفها الحسين عليه السلام، إنها النعرة التي عرفناها منذ أكثر من ألف عام، ولكنّ العصبية الذميمة ميراث من مواريث الأمجاد الغالية التي يجب أن يحتفظ بها الخلف عن السلف وأن تخضع لنواميسها القرون بعد القرون. والواقع إنّ فقد المقاييس لدی زمرة من هؤلاء الناس وضعف التفهم للاسس التي قام عليها السلام منذ أراد الله الإسلام علی معناه الصحيح، هو مبعث كل هذا التبلبل الفج وهذه النعرات الهوجاء التي لا تصغي إلی دليل ولا تعتمد علی منطق ولا تمت بصلة إلی دين أو يقين. وليت هذا الجاهل المأفون الذي يتشدق بهذه الأكذوبة غير متحرج ولا متأثم دلنا علی هذه المادة التي يستند إلیها في إرسال هذه النسبة إلی الشریعة «وهي منه براء»، ولعله سوف لا يجد له دليلاً ولا شبه دليل فيما بين يدي هذه الشریعة من مصادر التشريع وأدلة الحكم الأشبه واحدة تحتضنها الذهنية الموروثة من هذه العصبيات الوقحة فتخلف منها هيكلاً هداماً فضيعاً، وهي (إنّ قاتل الحسين خليفة شرعي والمقتول بسيف الخليفة الشرعي مقتول بسيف الشریعة). قد تكون هذه شبهه، وقد لا تكون إلاّ شبيهة لها في الصیغة دون الحقیقة، وعلی كل فإنها لا تفتأ أنْ تتحطم عند النظرة الخاطفة في تمييز من هو الخليفة الشرعي من هذين المتحاربين، ولنرجع أولاً إلی استعراض الحوادث بنحو من الاستعراض الذهني يوم أراد معاویة بن أبي سفيان فرض ولده أو «ربيبه» يزيد ولياً لعهده، وكيف استعصت عليه هذه المشكلة وأباها عليه حتی زياد بن ابيه «دعي معاویة ووالیه علی البصرة يومذاك» منكراً علی يزيد دعارته واستهتاره المانعين له من تسنم منصب رفيع، كالخلافة عن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ثم لنستذكر كيف حضر معاوية المدینة يومئذ وكيف امتنع قاده المسلمين وأهل الحل والعقد فيها عن تنفيذ شهوته في ابنه يزيد وكيف تقول عليهم أخيراً تحت تأثير السيف فأعلن عنهم البيعة بأفظع أسإلیب الإرهاب.

الفاتح المنتصر علی مدی التاريخ
بقلم: الشيخ راضي آل ياسين
اللهم اشهد بإننا نبرأ إلیك من الشريعة التي قتل بسيفها الحسين عليه السلام، إنها النعرة التي عرفناها منذ أكثر من ألف عام، ولكنّ العصبية الذميمة ميراث من مواريث الأمجاد الغالية التي يجب أن يحتفظ بها الخلف عن السلف وأن تخضع لنواميسها القرون بعد القرون.
والواقع إنّ فقد المقاييس لدی زمرة من هؤلاء الناس وضعف التفهم للاسس التي قام عليها السلام منذ أراد الله الإسلام علی معناه الصحيح، هو مبعث كل هذا التبلبل الفج وهذه النعرات الهوجاء التي لا تصغي إلی دليل ولا تعتمد علی منطق ولا تمت بصلة إلی دين أو يقين.
وليت هذا الجاهل المأفون الذي يتشدق بهذه الأكذوبة غير متحرج ولا متأثم دلنا علی هذه المادة التي يستند إلیها في إرسال هذه النسبة إلی الشریعة «وهي منه براء»، ولعله سوف لا يجد له دليلاً ولا شبه دليل فيما بين يدي هذه الشریعة من مصادر التشريع وأدلة الحكم الأشبه واحدة تحتضنها الذهنية الموروثة من هذه العصبيات الوقحة فتخلف منها هيكلاً هداماً فضيعاً، وهي (إنّ قاتل الحسين خليفة شرعي والمقتول بسيف الخليفة الشرعي مقتول بسيف الشریعة).
قد تكون هذه شبهه، وقد لا تكون إلاّ شبيهة لها في الصیغة دون الحقیقة، وعلی كل فإنها لا تفتأ أنْ تتحطم عند النظرة الخاطفة في تمييز من هو الخليفة الشرعي من هذين المتحاربين، ولنرجع أولاً إلی استعراض الحوادث بنحو من الاستعراض الذهني يوم أراد معاویة بن أبي سفيان فرض ولده أو «ربيبه» يزيد ولياً لعهده، وكيف استعصت عليه هذه المشكلة وأباها عليه حتی زياد بن ابيه «دعي معاویة ووالیه علی البصرة يومذاك» منكراً علی يزيد دعارته واستهتاره المانعين له من تسنم منصب رفيع، كالخلافة عن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ثم لنستذكر كيف حضر معاوية المدینة يومئذ وكيف امتنع قاده المسلمين وأهل الحل والعقد فيها عن تنفيذ شهوته في ابنه يزيد وكيف تقول عليهم أخيراً تحت تأثير السيف فأعلن عنهم البيعة بأفظع أسإلیب الإرهاب.
ويزيد من الناس في زمانه وعرف التاريخ إلی زماننا هذا، رجل النرد والخمرة والطنبور، وحليف اللهو والفسق والفجور والشباب الخليع المستهتر بكل نواميس الشرف والدين، وهادم الکعبة أخيراً ومستبيح مدینة الرسول صلی الله عليه وآله وسلم.
وليس في قواميس الإسلام ما يستسيغ للمركز الأعلی رجلاً مثل يزيد المصاب في دينه وفي نسبه وخلقه [ولا شك أنّ معاویة كان يعرف نفسه من ابنه وربيب حضنه ويعلم إنّ الدين والصالح العام لا يرضيان مثل هذه البیعة، ويعلم إنها إذا وقعت فسوف تكلف الدين والمصلحة العامة ثمناً غالیاً] ولكنه مع ذلك حاول جاداً ان يفرضها علی المسلمين فرضاً، وأن يتوسل إلیها بهذه المناورات والمداولات المفضوحة المتركزة علی الشهوة بالملك والمجلوة بكل وسائل الباطل المكشوف، لا أقل ولا أكثر وإذا أراد معاویة ذلك استأثاراً بالملك لأهل بيته، فإن ارادته لا تغير الواقع عن واقعة، ولا تجعل ما يكون كائناً، ولا تصوغ من خلاف الدين ديناً.
ويزيد بن معاویة في نظر الدين والشریعة بعد لايزال رعية في الرعاع، وهذه المهمة التي يسميها معاویة بيعة كأن لم تكن، وعرش الخلافة مايزال شاغراً من الخليفة الحق، أما البطل الذي تملل في عاصمة الرسالة إحياء السنة وإماته البدعة، وبايعه المسلمون في اثني عشر ألف كتاب، وهو بعد لم يخرج من صومعته في مهابط الوحي ومنازل النبوة، فهو سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي وبن فاطمة بنت رسول الله صلی الله عليهم، ولديه من كرائم القيم، وفضائل الخلق الملائكي، والعلم النبوي والعبادة والزهادة والشجاعة والكرم والتضحیة في الحق والإباء عن الضيم والخشونة في ذات الله تعالی مالا يلحقه فيه لاحق ولا يفوقه فائق -ذلك مالا يشك فيه مسلم أو راوية أو مؤرخ علی طول التاريخ.
وكان بمؤهلاته الشخصية ديناً ونسباً وخلقاً، رجل الساعة المنتظر لإنقاذ العرش الإسلامي من يد المغتصبين، وهو أحق الناس يومئذ بالخلافة عن أبيه رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم، وكان إلی جنب هذه القابليات الممتازة، الإمام المفروض الإمامة علی المسلمين بنصوص لاتقبل الجدل وأدلة كثر لا تحصيها هذه العجالة ولا ننسی قول النبي صلی الله عليه وآله وسلم فيما تواتر فيه وفي أخيه:
(هذان إمامان قاما أو قعدا (.
زد علی ذلك إن الكتاب طهره من الدنس والرجس تطهيراً، ولوح بذلك إلی عصمته من الذنوب كلها، كما أنه فرض مودته علی المسلمين عامة إلی غير ذلك.
ولعل هذه المحاكمة التأریخیة العابرة كفتنا مؤونة الحكم في تعيين الخليفة بحق من هذين المتحاربين وفي معرفة الباغي منهما علی صاحبه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون،والعاقبه للمتقين.
كما عرفتنا الحوادث الزمنية بعد مصرع الإمام الحسين بن علي عليه السلام أن حبائل الكيد التي مدها يزيد بن معاویة الأموي لقتل حركة الإنقاذ الحسینیة هي نفسها كانت حبل المشنقة التي صعد إلیها يزيد وآل يزيد، مرغمين في ظرف إحدی وسبعين سنة تنفيذاً لحكم الإعدام الذي أصدره مصرع الحسين في كربلاء علی هذه الشجرة الملعونة في القرآن، ومن ذلك تم نجاح الحرکة وتنفس الناس الصعداء.
فالقاتل في واقعة كربلاء بنظر الحقیقة هو المقتول أبدياً، والمقتول فيها هو الفاتح المنتصر علی مدی التاريخ، ومن هنا تأويل قول الحسين عليه السلام وهو يودع أهله وذريته في مکة متجهاً إلی مصرعه في الطف:
«من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح»(1).
________________________________________
1- مجلة لواء الوحدة الإسلامية -النجف-العدد-4- السنة الأولی- 1949/ص3.

لینک کوتاه