السعادة الخالدة في مبدأ الحسين (عليه السلام) ونهضته
بقلم: محمد صفي الدين الحسيني
ليست السعادة في بناء قصور شامخة وجنائن يانعة وخزائن قارونية إذ كلها تنهار ولا في جلال جمال مزان بتيجان يذهب شعاع سناها الأبصار وكلها تذبل.
ولا في سلطة وسلطان يتّسع سير الأمر والنهي فيهما اتساع مسير النیرین وكله عرضة للزوال. أجل ليست السعادة في هذه المتع لذاتها وبما هي هي.
بل السعادة في معرفة الحق ونصرته والعدل وسيرته والجهاد فيهما، وحب الخير وعمله والتضحیة بالمال والأهل والنفس في سبيل الواجب ونزع رداء الکبریاء والعجب للمثول بالخلق الجميل.
السعادة في قيادة الأمة ورفع مستواها لنيل خير الدارين في كبح جماح الظلم عنها في تحطيم أنياب الظالم المستخف بحرمة الشرائع والأنظمة في تجنيد المثل العليا بالعلم والعمل لتحويل الألم إلی أمل والكبوة والغفلة إلی وثبة جبارة وثورة فعالة تسحق عروش الاستبداد في تلبية صوت الحق للقيام بفكرة الفنان المبدع لتوحيد الميول إلی أسمی مطامع العزة والإباء والعبقریة والشمم وبعث النفوس من أعماقها لحب الفناء في مرضاة خالقها وحماية شعائر دينها وشرف عرضها وکرامة أوطانها في هذا السبيل ولهذه الغايات الشریفة كانت الوثبة الهاشمية والنهضة الحسینیة حيث طغت الغفلة علی الإنتباه والأوهام علی الحقائق والظلمة علی النور ودولة الباطل علی الحق وصولة الجائر علی العدل حيث تاهت الإنسانية تتخبط في سراديب الظلمات المطبقة الملتوية المتعفنة برذائل شهوات النفوس المنحطة سعياً وراء خيال سعادة موهومة.
وارتفع الكامل بالإنسانية عن ذلك الأفق المظلم والمرتع الوخيم ارتفع ناظراً بمدارك العقل ونور العلم إلی السعادة الخالدة سائراً في طريقها المنير المستقيم المعبد العباق بطيب كمال النفس الرفیعة المحفوف بجداول ينابيع الحکمة شاكراً مولاه علی ما أولاه والكامل في إنسانيته الشاكر لمولاه قليل في كل زمن وقليل من عباد الله الشكور.
ارتفع الحسين عليه السلام بنفسه العالیة وصحبه عن مساویء سلطان النفوس المنحطة ليفتح للأمة طريق المجد الخالد والسعادة الدائمة ورأی لزاماً عليه خروجه من حرم جده الرسول الأعظم صلی الله عليه وآله وسلم كخروجه من حرم الله المعظم كي لا تنتهك حرمة أحد الحرمين.
خرج متوجهاً نحو العراق بأثقال بيت الوصي وتراث النبوة وشعار الإمامة واعلام الشرف والعزة تخفق عليه كخروج موسی خائفاً يترقب.
وعلی مقدار ارتفاع الحسين عليه السلام اللامتناهي بآله وبمن والاه في سماء الفضائل والكمال كان انخفاض طاغية أمیة بآله وأتباعه في حضيض الرذائل والفحش والفجور حتی غرقوا في أوحال المتع الدنسة ولفظوا علی أبوابها أنفاسهم.
توجه السبط مرتفعاً ونفس أبية بين جنبيه يستعذب الموت في سبيل استقامة الدين واقتلاع الأسلاك الشائكة من طريقه وتطهير أرضه وسمائه من جراثيم أوباء فساد السلطة الأموية الفتاكة المنتشرة التي حنضلت ذوق الحجاز ومصر والشامات ونخلات العراق.
العراق الذي تجند بحلاوة الإيمان وفيض الشهامة ونجدة العروبة تحت الرأية الحيدرية قبل حين مجاهداً حتی أحرز النصرية بواقعة البصرة وأخمد أنفاس الشياطين يوم النهروان وصفين.
وليس العراق بمر المذاق لأهل بيت النبوة كغيره. أوجف يوم صراع الحق والباطل والخير والشر يوم واعية الطف حينما أرجف ابن زياد بأشرافه وحال بينهم وبين نصرة الحق بالحبس والقتل والتهديد والوعد والوعيد بمعونة الحرورية وأشياع الأموية .
اختار الحسين عليه السلام من العراق كربلاء علی أنها رمز كرب وبلاء طالت به علی سواها وعلت، حل بها السبط مستبدلاً موارد عذب فراتها بورود مناهل الصبر علی طعن الرماح وبضع السيوف بأصحابه وأسرته وأبنائه وأخوته ونفسه مستعذباً مرارة كل خطب وألم في سبيل إحقاق الحق ورفع منار الشرف الهاشمي والشرع الأحمدی والشمم العربي ضارباً بموقفه الذي لم يزل مفرداً في التاريخ المثل العليا بالحكم البالغة بقوله والحكم الفاصل بعمله حيث انفجرت براكين البغي والظلم والطغيان والحقد القديم والعدوان من عرش أمیة في الشام وتاه يزيد بتفكيره وضل في تدبيره واستباح بجيوشه الجرارة أعظم الحرمات وداس بحوافر خيول ضلالة وبدعة مقدسات الشرائع وسوّد بمساوئ أخلاقه ومخازي فحشه وجه الکرامة العربیة والسيادة القرشية وتغطرس في هواه واستشعر رداء الکبریاء فأخذه الله تعالی أخذ عزيز مقتدر واقتلع من تخوم أرضه بذور شجرته الموصوفة في كتابه وجعله لعنة الأولین والأخرین.
ولأن تكن أصابت سهام واقعة الطف مضارب الحسين عليه السلام وجسمة الشريف فقد فتكت بروح طاغية أمیة وأدمت قلبه وهدمت علاه ومجده واجتثت أرومته فلا عين تری شخصاً ولا إذن تسمع صوتاً ينتسب إلیها فأما اجتثاث أرومه وقطع دابر أو قبح سیرة كاشف عن خبث سريرة يتهرب العامل من الإنتساب إلیه فآية من آيتين وکرامة من كرامتين يثبتها العقل بعد الانتباه والتحليل لسيد الشهداء سبط الرسول الأعظم صلی الله عليه وآله وسلم.
فالسعادة الخالدة إذن في مبدأ الحسين عليه السلام ونهضته.
والأمة السعيده أمه تقتفي أثره وترد قوله:
(لا أری الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما…).
أرفع كلمتي هذه إلی من لهم الفضل علينا بما قاموا به من إحياء ذکری سيد الشهداء بهذه الصورة التي تتمشی مع ميول الثقافة العالمية فهي جهاد في ميدان الثقافة تتصرف فيه الأفكار مرشدة من لا يزال یری هذه الذکری سداً في طريق الوفاق والتقدم إلی ما تبعثه في النفوس من الانتباه للاقتداء بسيد الشهداء عليه السلام(1).
________________________________________
1- مجلة الغري -النجف- العدد -9، 10- السنة العاشرة- 1948/ص209.
لینک کوتاه
سوالات و نظرات