الدبلوماسية في اربعينية الامام الحسين
« وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ، لَوْأَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ » (الانفال، ۶۳).
مسيرة الاربعين هي النموذج الابرز للطقوس و الشعائر التي تميز التشيع و توجهاته المبدئية التي تتمحور حول المعرفة الالهية .. اسم أبي عبد الله الحسين ، الذي يتربع في قلب الوجود المبارك للائمة المعصومين ، يمثل وجه التمايز الرئيس للتشيع ، والذي تجسد مسيرة الاربعين الصورة الحقيقية له.. ان الاربعين و باستبداله الى ملتقى لعشاق الحسين ـ بغض النظرعن اللون و العنصر و العمر و الطبقة الاجتماعية بل و حتى الدين ـ يعد مصداقاً لإرادة الحسين الربانية في التعاضد و التكاتف و التناغم و الانسجام بين الشعوب والامم .
مثل هذه الخلفية الفاعلة و المؤثرة ، اضفت على ظاهرة الاربعين ابعاداً ثقافية و حضارية و اجتماعية و سياسية واسعة لا تحصى ، بعيدة عن التعقيد و الغموض الذي عليه التيارات الفكرية النخبوية في تناولها للظواهر الاجتماعية و الانسانية . و على هذا المنوال ، تتداعى التفاعلات السياسية للاربعين عبر مسار التأثيرات الثقافية و الاجتماعية . وهذا يعني ان بالامكان متابعة المقولات الهامة للساحة الدولية من خلال التلاقي و التواصل بين الزائرين .
التواصل و الارتباط على هذين المستوين ، اي التواصل بين الفردي و العالمي ، اذا ما تمت الاحاطة به و استيعابه بشكل سليم ، بوسعه ان يشكل معبراً سياسياً هاماً لتحقيق العدالة و عبودية الحق تعالى .
أبحاث متعددة اجريت في السنوات الاخيرة ، ترى ان الارتباط العاطفي ، والروحي ، والثقافي و المعنوي ، بين الزوار الايرانيين و المستضيفين العراقيين في مسيرة الاربعين ، يتمحور في الغالب من خلال الاطار الثقافي ( للضيافة ) . وعلى الرغم من ان الضيافة أمر شائع و متداول بين الاقوام الشرقية خاصة المسلمين ، الا ان هذه الخصلة الثقافية التي تتجلى بأبهى صورها خلال شعائر و طقوس مسيرة الاربعين ، تجد صداها في سياق المعادلات الدبلوماسية بمثابة ممارسة حضارية .
و في هذا السياق تعتبر (الدبلوماسية) بمثابة اسلوب حضاري فاعل و مؤثر للاستحواذ على الرأي العام الشعبوي،وخير معبر عن الطاقة الاستيعابية لمسيرة الاربعين بمثابة آلية ثقافية ذات طاقة استيعابية سياسية . ذلك ان التعامل و التبادل العملي اليومي للزوار الايرانيين مع المستضيفين العراقيين و الزوار من الشعوب الاخرى ، وسيلة بسيطة و ناجعة لانتشار مفاهيم المودة ، و العدالة ، و التعبد ، و السلام ، و مقارعة الاستكبار ؛ التي عجزت الحركات و النخب السياسية بمختلف مستوياتها ، عن تحقيق ذلك طوال قرون .
و من الواضح ان سرّ هذه القدرة يكمن في الغاء دور الدولة و السلطات شبه الرسمية في التعاطي بين الرؤية الكونية الاسلامية ـ الشيعية و المجتمع الدولي الحضاري ، الذي كان الى ما قبل ظهور مفهوم الدبلوماسية العامة ، يشكل عائقا دون بلوغ ( الرسالة ) الرأي العام لبقية الشعوب و الامم . و على الرغم من هيمنة الاستكبار العالمي على وسائل الاعلام الحديثة ، و محاولة تحريف و تشويه رسالة الاسلام من قبل منافسيه ، اي الليبرالية و المدنية ، إلا انه لن يسفر ذلك سوى اتساع دائرة التوتر و الصراع .
و اليوم ، وبوحي من ظلال الاربعين ، الذي مهد الارضية لتلاقي و تلاقح الرأي العام للشعوب المختلفة ، بات نداء التشيع بمثابة اكثر السبل المتاحة انتشاراً ، اي التعامل اليومي الفاعل و المثمر وعلى نطاق واسع . و يأتي ذلك في ظل الانتشار الديمقراطي للشعائر. و نظراً للدور المحوري الذي يضطلع به الفرد ، فانه لن يدع مجالاً لاثارة الشبهات ، والتلاعب ، والنفعية ، و التضليل والخداع . و انطلاقاً من دوره الطوعي و التكافلي ، فلن يدع مجالاً للشك و الترديد في اصالة ذلك و تحرره . و نظراً لما يتصف به نداء عاشوراء من الدعوة لإرساء العدالة، واحقاق الحق ، و مقارعة الاستبداد ؛ نجح بالتصدي للارهاب الفكري الغربي في محاولة تشويه صورة الاسلام و اتهامه بالتشجيع على العنف ؛ و في الوقت نفسه استطاع ان يبعث برسالة متباينة تماماً عما تروج له العلمانية و نظرية تقديس الانسان.
لینک کوتاه
سوالات و نظرات