الحضور النسوي في مسيرة الاربعين
المسيرة الاربعينية عبارة عن تجمع جماهيري سنوي واسع النطاق للمسلمين الشيعة و غير الشيعة من انحاء العالم ، لإحياء واقعة الطف الخالدة ، حيث استشهاد مولى المؤمنين الامام الحسين بن علي ـ عليه السلام ـ و ابنائه و اصحابه ، و ما تلى ذلك من احداث الملحمة الزينبية التي جسدتها الحوراء زينب في الشام .
شعائر التعزية والعزاء التي تتناول الواقعة ، تتمحور في الغالب حول بطولات و تضحيات الامام الحسين و اصحابه في ارض المعركة . غير ان مسيرة الاربعين و نظراً لطبيعتها و زمان اقامتها ، تستحضر بعمق معاناة أهل البيت و المصائب التي واجهتهم ، خاصة حريم الامام الحسين ، بما فيهم السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) . و لهذا فان من عجائب مسيرة الاربعين هي أن الحشود المليونية العاشقة لأبي عبد الله ، و رغم كل المعاناة التي تكتنزها اقامة الشعائر ، اي السير راجلين وحرارة الطقس و الجغرافيا التي تتسم بها الارض التي شهدت الواقعة ، و قلة الامكانات و حجم المخاطر و التحديات ، ، فاننا نشهد في كل عام المزيد من حشود الزائرين مع عوائلهم وأفراد أسرهم .
و الطريف ان الابحاث و الدراسات التي تناولت حضور المرأة و مشاركة افراد أسرتها في مسيرة الاربعين ، تؤكد بأن الدافع الرئيس الذي يقف وراء مشاركة النساء في هذه الشعائر، يتمحور حول مفهوم المهدوية و التأكيد على الوقائع التي تقترن بعصر ظهور الحجة المنتظر. و كذلك ثمة اهتمام بالجانب التربوي خاصة بناء الذات و اكتساب الفضائل و ترك الرذائل في ظلال المعنويات و الصبر. هذا فضلاً عن البعد الدعائي المتمثل في استعراض العديد من الظواهر و التجارب الحسية و العاطفية و المعنوية بعد العودة. و هناك البعد الثقافي ايضاً المتمثل في انتقال القيم الاخلاقية و الروحانيات و الآداب الثقافية من قبيل الترحيب بالضيوف ، و ايواء الغريب ، و تفاني العوائل العراقية ، و تعاضد الأسر الايرانية . وأخيراً البعد الايماني الذي يتناول التجربة العميقة لعناية الله تعالى و الائمة المعصومين، و قضاء الحوائج الدنيوية و الآخروية .
أما على صعيد أفراد الأسرة الواحدة ، فان مسيرة الاربعين تكتنز مواعظ و عبر متعددة منها ، فهناك الجانب المعنوي الذي يمكن مشاهدته في بناء الذات ، و التعاون ومشاركة المساعي ، والتناغم و الانسجام و النظم . و ثمة قيم اخلاقية تتجلى بوضوح في أشكال المشاركة و تنامي سعة الصدر و الصبر و التحمل ، اضافة الى التلاقي و التفاهم و التواصل و التضامن .. اضافة الى ادراك مفهوم المودة و المحبة الذي ينمو و يتجذر من خلال التسامح و العمل الجماعي و الاحترام المتبادل و التقدير.. حيث يشاهد بساطة المعيشة و نبذ التفاخر ، و ممارسة عملية لمفهوم القناعة و الحياة البسيطة البعيد عن التكلفة . و اخيراً مفهوم النظم و السلامة الذي يتجلى في ادراك اهمية الوقت ، و تحمل الألم و التعب ، و نبذ التراخي و التكاسل ، و الحرص على النهوض مبكراً .
كل ذلك ، و بغض النظر عن تباينه من شخص لآخر ، يكتنز نوعاً من النظم و التوحد داخل الأسرة و ايجاد محورية بالنسبة لمكانة النساء ، و بالتالي ابراز الحضور النسوي و الانتقال بواقع المرأة من الحاشية و الروتين اليومي الى صلب الحضور الاجتماعي و ترجمة الاختبار العقائدي . و لفتت الدراسات الى ان النساء و من خلال المشاركة في مسيرة الاربعين ، تبادر الى نوع من تنفيذ الأمر الديني المتمثل في الزيارة ، التي تمتاز عن بقية اشكال التعزية المتداولة و التكرارية . و رغم كل الصعوبات ، فان ذلك يمنحهن شعور جميل بالتمايز ، و التنوع ، و يشكل دافعاً قوياً لهكذا نشاط و مشاركة رسالية .
و بعيداً عن تجربة مسيرة الاربعين و ما تتضمنه من دلالات ميدانية بالنسبة للنساء والأسر الايرانية ، لا يمكن تجاهل دور هذه التجربة و الاقتداء بها على الصعيد الاقليمي . ان الحضور الملموس و الحماسي للنساء و الاطفال في هذه الطقوس ، يعد بمثابة توفيقاً لاداء الشعائر. و تبعاً لذلك ، فان واقعة عاشوراء ، و شخصية زينب الكبرى الفريدة ( سلام الله عليها ) ، ينتقل بكيان الأسرة ـ الذي يواجه التدني على المستوى العالمي ـ ونمط الحياة الاسلامي / الشيعي من محاولات الاقصاء و الانزواء ـ بما في ذلك بعض المحاولات على الصعيد المحلي ـ و محاولة تعريفه للباحثين و المراقبين و المتابعين على الصعيد الدولي . و من هنا ينبغي القول ان المشاركة النسوية و الأسرية في هذه الطقوس و الشعائر ، يضفي على مسيرة الاربعين نوعاً من الدعاية الاعلامية ذات الابعاد العالمية .
لینک کوتاه
سوالات و نظرات