مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

الحسين يدافع عن حقوق الإنسان

بدأت قصة الصراع والتخاصم منذ نشوء الحضارة التي ولدت إلی جانبها السیطرة والعبودية. وباستمرار تلك العبودية أو تلك السیطرة ضل النضال مستمراً علی مسرح الحياة للتخلص والتحرر منها. وقد اختلفت وجهات نظر تلك الجماعات التي كانت تقوم بصد ذلك الطغيان بالنسبة للتطور العسكري والاجتماعي فمنها من كان يحول دون استئثار طبقة من الحكام بالحكم، غير أنها حالة انتصارها تنهج مسلكاً مماثلاً للفئة التي قاومتها لذا لم يشهد العالم خلوداً لها، كما لم تكن لها القدرة الكافية علی إعزاز كيانها وتحصين مركزها العام لأنها لم تستهدف تحرير الأفراد، ولم تؤمن بذاتية الإنسان. وقد سايرت حیاة الأفراد منذ القدم نهضات إصلاحية تبنت تقويض أسس النظم التي استعبدت الإنسان فرفعت علاقة الأفراد وأمنت حقوقهم وحددت واجباتهم نحو مجتمعاتهم. وليس من الغريب عن الذهن الإنساني أن الإسلام وحده هو الذي من الفرد قوة أعلی من قوته وأشعره بالعزة أكثر مما يشعره بالاستعباد، وحقق له كيانه وشخصيته أكثر مما استذله وأهانه، وأخرج الفرد والجماعة من نطاق الغايات الصغيرة إلی فسوح الأهداف العليا، وإلی آفاق الإنسانية الرفیعة. فأعلن المساواة بقوله تعالی: )يا أَيهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكم مِّن ذَكرٍ وَأُنثَی وَجَعَلْنَاكمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكمْ). وقوله صلی الله عليه وآله وسلم: (الناس سواسيه كأسنان المشط). كما نص علی صیانة حریة الناس وحفظ حقوقهم: كالحریة والتملك والحياة والأمن ومقاومة الظلم. فدعا الناس إلی احقاق الحق ونشر العدل بين الأنام وامرهم بأن يغيروا المنكر وقع من حاكم أو رعية فقال رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا علی يده أوشك أن يعمهم الله تعالی بعقابه) و(من رأی منكم منكراً فليغيره). وقد نشأت في كل أمة وزمان طبقة أخذت علی عاتقها الجهاد في سبيل تحقيق الإصلاح والوقوف بوجه طغيان الحاكمين وتحقيق العدالة الاجتماعية كي يستطيع كل فرد أن يحقق ذاته في الوجود الكوني، وفي سبيل هذه الغايات الإصلاحية يضحی أولئك الرجال بأنفسهم مهما كان الثمن.

الحسين يدافع عن حقوق الإنسان
بقلم: الأستاذ عبد الحسين الراضي
بدأت قصة الصراع والتخاصم منذ نشوء الحضارة التي ولدت إلی جانبها السیطرة والعبودية. وباستمرار تلك العبودية أو تلك السیطرة ضل النضال مستمراً علی مسرح الحياة للتخلص والتحرر منها.
وقد اختلفت وجهات نظر تلك الجماعات التي كانت تقوم بصد ذلك الطغيان بالنسبة للتطور العسكري والاجتماعي فمنها من كان يحول دون استئثار طبقة من الحكام بالحكم، غير أنها حالة انتصارها تنهج مسلكاً مماثلاً للفئة التي قاومتها لذا لم يشهد العالم خلوداً لها، كما لم تكن لها القدرة الكافية علی إعزاز كيانها وتحصين مركزها العام لأنها لم تستهدف تحرير الأفراد، ولم تؤمن بذاتية الإنسان.
وقد سايرت حیاة الأفراد منذ القدم نهضات إصلاحية تبنت تقويض أسس النظم التي استعبدت الإنسان فرفعت علاقة الأفراد وأمنت حقوقهم وحددت واجباتهم نحو مجتمعاتهم. وليس من الغريب عن الذهن الإنساني أن الإسلام وحده هو الذي من الفرد قوة أعلی من قوته وأشعره بالعزة أكثر مما يشعره بالاستعباد، وحقق له كيانه وشخصيته أكثر مما استذله وأهانه، وأخرج الفرد والجماعة من نطاق الغايات الصغيرة إلی فسوح الأهداف العليا، وإلی آفاق الإنسانية الرفیعة. فأعلن المساواة بقوله تعالی:
)يا أَيهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكم مِّن ذَكرٍ وَأُنثَی وَجَعَلْنَاكمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكمْ).
وقوله صلی الله عليه وآله وسلم:
(الناس سواسيه كأسنان المشط).
كما نص علی صیانة حریة الناس وحفظ حقوقهم: كالحریة والتملك والحياة والأمن ومقاومة الظلم. فدعا الناس إلی احقاق الحق ونشر العدل بين الأنام وامرهم بأن يغيروا المنكر وقع من حاكم أو رعية فقال رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم:
(إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا علی يده أوشك أن يعمهم الله تعالی بعقابه) و(من رأی منكم منكراً فليغيره).
وقد نشأت في كل أمة وزمان طبقة أخذت علی عاتقها الجهاد في سبيل تحقيق الإصلاح والوقوف بوجه طغيان الحاكمين وتحقيق العدالة الاجتماعية كي يستطيع كل فرد أن يحقق ذاته في الوجود الكوني، وفي سبيل هذه الغايات الإصلاحية يضحی أولئك الرجال بأنفسهم مهما كان الثمن.
فما كان الحسين عليه السلام في ثورته علی يزيد إلاّ مثال الرجل المدافع عن حقوق الإنسان التي أقرتها رسالة جده وانتهج عليها السلف الصالح من الحكام في الصدر الأول للإسلام، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فاستعبدوا الناس وتحكموا عليهم من بدون رضا منهم أنكروا حقوق الإنسان وأزدروا بها فشهد الناس في عهد أمیة حكماً غريباً عن ديمقراطية الإسلام وتعالیمه السامیة مما أدی إلی إثارة حفيظة الشعور الإنساني عن طبقة كبيرة ممن تفهموا الواجب المقدس وآمنوا برسالتهم في هذا الوجود.
أجل نهض الحسين بأعباء هذه الحرکة الإصلاحية آخذاً بسفينة المسلمين إلی شاطئ الأمن والسلامة مضحیاً بنفسه وعياله في سبيل هذه الغایة، فهو القائل:
(اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسه في سلطان أو التماس شيء من فضول الحكام، إلاّ لنرد معالم دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك. فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك).
حقاً لقد كان هذا شعاره في الحياة . وكان ذلك هو هدفه الذي لم تمل عنه عيناه، فانبری لقيادة الناس علی النهج الواضح المرسوم بعد أن آلت إلیه الأمور، فتهيأ بقلبه العامر علی الاضطلاع بالأمر ومجاوله الأحداث.
رأی جموعاً تجيء دارعة تدج بالسلاح. ثم يلتفت يميناً وشمالاً فیری حاضراً مراً صخاباً بصلیل السيوف وقعقة الرماح وأزيز القسی عند انطلاق النبال. فلم يكترث بل أخذ ينتقل كالنجم السيار لا يهدأ له قرار. فلمثل هذه الحياة الحاملة بالدماء عاش ولمثل هذا إلیوم ادخره جده الأعظم صلی الله عليه وآله وسلم وإلی الغایة التي من أجلها يخوض غمار القتال كان يرنو ببصره وهو طفل صغير.
بقی الحسين عليه السلام في محنته هذه قوياً صابراً يسدد خطاه إلی هدف واحد لم يبرح مطلقاً مرمی بصره، فلم ينسَ أبداً في زحمة هذا الصراع ولجة هذه الآلام أن له في دنياه رسالة وأن وجوده في هذا الوجود يمنع الحق من طغيان الباطل.
يا لها من رسالة مجيدة أبلغ دلالة علی ما في النفس البشریة من مقاييس الرقي والعظمة (ولسوف ينطلق الزمن في بروجه بالجميع وتنطوي صحائف الرجال فلا ينشرها بعد علی الأجيال إلاّ ذكر يرفع بصاحبه أن يهوی به إلی قرار. فإذا ذهب العمر وبقی الذكر فستظل تنشر من أمجاد الحسين عليه السلام أسفاراً تجعله في الموت أقرب إلی حسد عدوه منه في حياته) ذلك أنّه اشتری الحق بهذه الدنيا فراجت سلعته ونفقت بضاعته وضلوا هم عن سوائه فأقبلوا علی تجارة مآلها عند الأحقاب المتعاقبة ثم عند ربهم الخسران والبوار.
فالسلام عليك يا أبا عبد الله يا سيدي… وعلي المستشهدين بين يديك… قضيت شهيداً في ساحة البطولة الخالدة فخلفت لنا تأريخاً لا نقرأ فيه غير الجد. فلا غرور يا سيدي- فإنك المثل الأعلی للشدة في الحق، صدعت به لا تخاف لومة لائم، فجالدت الباطل بالإيمان، وصارعته بالعقيدة، وكافحته بالعبر. وكان ربك قديراً علی عصمتك من اذی الناس ولكنه أراد أن يذيقك حلاوة النصر بعد مراره الصبر.
ويفتح أعين الذين آمنوا: بأن الموت في سبيل الله هو الحياة الخالدة. وأن أهواء النفوس الحرة ومطامع القلوب الکبیرة أحری بها أن تكون وسیلة وأجمل بها أن لاتكون غایة. وأن ذوي المثل العليا شعل تضيء للناس فلا يضيرها أن تفنی ما دامت قد أفاءت علی الجموع الضياء.
بلي – يا سيدي- أضاءت نهضتك المسالك وأنارت لنا المرافق تراها بصیرة المؤمن كلما استشفت حجاب التاريخ عنواناً وضياءً في حوادث الدهر وجبين الأيام.
من أجل ذلك مكر الله بالذين مكروا بك، فأذن للزمن العاتي أن يعبث بهم. فكنت انت المعول الهدام في تحطيم دعائمهم وإخفاء رسومهم. إذ مزقتهم ثاراتك بيد المؤمنين برسالتك شر ممزق وأذاقتهم عذاب الهوان وتلك عقبی الظالمين.
فإذا كان المسلمون إلیوم يترنمون بنهضتك من دون أن يفقهوا أسرارها ويرددون ذكرها من غير أن تترك فيهم إثارها، فما برح لها في بعض النفوس أثر وذکری تنفع المؤمنين بالموعظة، وتدعوا بالحكمة وتهدي إلی سبيل الکرامة والحریة والحياة . فما أجدر القلوب الواعية علی اختلاف منازعها أن تخشع إجلالاً ليومك. يوم انطلاق الإنسانية من أسر الأوهام، وسلطان الجهالة. إلی ظلال التوحيد والوحدة، وميادين الوئام والمودة، وفسوح الکرامة والعزة(1).
________________________________________
1- مجلة الغري -النجف- العدد -2- السنة الخامسة عشرة- 1953/ص24.

لینک کوتاه