مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

الحسين في التاريخ

أيها الجمع الكريم، والله سبحانه وتعالی في سمائه، والناس في أقطار الشرق والغرب، والتاريخ في الكتب العربية والأجنبية، والعقول في رؤوس أصحابها - كل ذلك يشهد لكم بهذه الصفة التي اتصف بها القرآن الكريم، والنبي الكريم. تلك الشهادة لكم ترجع إلی تخليدكم مصرع الحسين، وإلی إحيائكم للمبادئ السامیة التي خرجت مرفوعة الرأس يوم كربلاء والطفوف. إني تعلمت من التاريخ أن الحق يعلو دائماً ولا يعلی عليه أبداً، والفكرة الطيبة لا تموت ولا تزهق بل تبقی حية سواء خفيت تحت ضغط غاشم، أو أزهقت تحت استبداد طارئ، والدولة الأموية ، كذلك العباسية، وكذلك العثمانية عملت كلها علی إخماد فكرة تمجيد الحسين، وإحياء ذکری مصرعه الأسيف. ومع هذا كله بقيت الفكرة لما فيها من الحق، وما فيها من معان رفيعة، وها أنتم بجمعكم هذا الكريم تبرهنون علی ما أقول في وصفكم، وفي وصف مصرع الحسين وقد شهدت بعض ليالي العزاء فأمتلأت إعجاباً بمحافظتكم علي تلك المعاني الرفيعة.

الحسين في التاريخ
بقلم: الدكتور محمد مصطفي زيادة/ أستاذ التاريخ- كليه الآداب جامعه فؤاد الأول – مصر-
أيها الجمع الكريم، والله سبحانه وتعالی في سمائه، والناس في أقطار الشرق والغرب، والتاريخ في الكتب العربية والأجنبية، والعقول في رؤوس أصحابها – كل ذلك يشهد لكم بهذه الصفة التي اتصف بها القرآن الكريم، والنبي الكريم. تلك الشهادة لكم ترجع إلی تخليدكم مصرع الحسين، وإلی إحيائكم للمبادئ السامیة التي خرجت مرفوعة الرأس يوم كربلاء والطفوف. إني تعلمت من التاريخ أن الحق يعلو دائماً ولا يعلی عليه أبداً، والفكرة الطيبة لا تموت ولا تزهق بل تبقی حية سواء خفيت تحت ضغط غاشم، أو أزهقت تحت استبداد طارئ، والدولة الأموية ، كذلك العباسية، وكذلك العثمانية عملت كلها علی إخماد فكرة تمجيد الحسين، وإحياء ذکری مصرعه الأسيف. ومع هذا كله بقيت الفكرة لما فيها من الحق، وما فيها من معان رفيعة، وها أنتم بجمعكم هذا الكريم تبرهنون علی ما أقول في وصفكم، وفي وصف مصرع الحسين وقد شهدت بعض ليالي العزاء فأمتلأت إعجاباً بمحافظتكم علي تلك المعاني الرفيعة.
إن الحسين لم يقم قومته الخالدة في سبيل منفعة، ولم ينتقل من المدینة إلی مکة في سبيل بيعة والسلام. ولم يقصد العراق حباً في شهرة، ولم يرفض البیعة ليزيد جریاً وراء مصلحة ذاتية عاجلة أو آجلة. لو كان الأمر كذلك لبقی الحسين بمکة مثلاً سنة ستين للهجرة، ولشهد الحج تلك السنة، ولدعا الناس إلی ما يزعمه له البعض من خلافة عادية، أو لسمع لبعض نصائحه حين أشاروا عليه بالبقاء حيث هو، أو الرحيل إلی إلیمن. الحقیقة أنه أراد ما هو أسمی وأعظم من ذلك كله، أو أن الله أراد له ما هو أسمی وأعظم من ذلك كله، حتی إذا كانت كربلاء وقضي الأمر بات الحسين مع الخالدين في الدنيا والآخرة.
إيه أيتها السنة الستين من الهجرة..! إيه أيها إلیوم العاشر من الشهر المحرم من السنة الواحدة والستين من الهجرة. أراد الحسين أن يأوي إلی الکوفة معقل أبيه، ليجعل منها معقلاً للمبادئ السامیة التي نادی بها طوال عمره، وموئلاً للوحده الإسلامية التي تمناها للمسلمين. ولعمري إن خوف يزيد وابن زياد من مقدم الحسين إلی العراق بالذات، وإن إلحاح شمر بن ذي الجوشن في التعجيل بالقضاء علی الحسين – كل ذلك دليل صدق علی عزيمة الحسين وإيمانه، وبرهان علی شجاعته واخلاصه، وإقباله علی ركوب الأخطار، في سبيل المبدأ، الذي تمنی تحقیقة علی يديه، فلو كان في مسير الحسين إلی العراق خطر قليل علی الدولة الأموية لما أقبل أولياء السوء بعضهم علی بعض يتآمرون ويتظافرون علی قتل الحسين أشنع قتلة.
والمؤرخ لا يستطيع أن يری نتيجة للحوادث السابقة لكربلاء إلاّ النتيجة التي انتهت إلیها تلك المأساة. الحسين هو ابن النبي كما قال النبي صلی الله عليه وآله وسلم والحسين هو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، والحسين معدن الطهر والعفاف، والفروسية، والوفاء، والشجاعة، والإخلاص، والصراحة. هذا هو الحسين في بعض صفاته الواضحة، ویریده يزيد بن معاویة علي البیعة له للخلافة بين المسلمين، وهو المتهور العنيف، الفظ الغليظ الطبع، خليل الندامی والقرادين والفهادين، المتواني عن العظائم والمصالح العامة بشهادة أبيه. الفرق شاسع وأيم الله، والواقع إنه لا مقارنة بينهما إذ كيف يستوي الخبيث والطيب، أو كيف يتشابه الظلام والنور، أو يتكافأ الحنظل والشهد، أو كيف يبايع الحسين يزيد.
الحقیقة إنّ تحكم النعرة ونكد الدنيا، وعماية الشهوات الجاهلية، هي التي ألقت بنور الحسين أمام ظلمة يزيد، وتشاء الأقدار – وعلمها عند الله -، إن ينتهي الأمر بمصرع الحسين علی يد أسوأ خلق الله. ومع هذا فلم ينتصر يزيد، وحاشا أن تنتصر صفاته النكراء. إنما كان الانتصار للحسين الشهيد. وآيه ذلك جمعكم الكريم إلیوم. هذا هو حكم التاريخ لا عوج فيه ولا أمتاً. هل أدلكم علی شيء من التاريخ لتعرفوا من كان المنتصر المنصور. ومن كان المنهزم المقهور في كربلاء..؟ مات الحسين ميتة الأبطال، واستشهد في سبيل المبدأ الإسلامي والوحدة الإسلامية، وظل من يوم مصرعه تحبوه التحيات والصلوات علی روحه الطاهرة. ومات يزيد ولما يتجاوز عمرة السابعة والثلاثين، بعد أن مرض بذات الجنب، بسبب إصابه كبده من إدمان الشرب والإفراط في السيئات كلّها، وظل منذ وفاته لا يذكره الناس والتاريخ إلاّ بالشر والفحش أبد الآبدين، والذكر بالشر والسوء هو أقصی ما حصل عليه يزيد من التاريخ ولكن.. أما كان ليزيد أن يرجع عن غيه، وأن ينزل عن بعض ما جناه عليه أبوه معاویة عندما زرع الضغينة والفتنة في قلبه باستجلاب البیعة له بالرشوة والوعيد، مع وجود من كان أحق منه بخلافة المسلمين وبيعتهم ألف مرة، الحقیقة إنه لم يكن بمقدور يزيد أن يرجع عن الباطل إلی الحق، وما شاء أن يقوم بشيء من ذلك، ولو شاء ما عرف، فإنّ السلطان يعمي ويصم، والدنيا متاع الغرور، وكان يزيد كما أثبت التاريخ صنيعة السلطان والدنيا، ووليد الخداع والحيلة من أجل المنفعة الذاتية، ولو كان في ذلك خراب المسلمين والوحدة الإسلامية. ثم إن يزيد كان وريث بني أمیة وعصبياتهم. وهل أدل علی ذلك من تاريخ بني أمیة قبل الإسلام وبعده..؟ لقد اضطهدوا بيت الرسول قبل الإسلام، وكان حرياً بتلك الأسرة أن تنزل لبيت الرسول عن كل ما هو جدير ببيت الرسول وحده، وذلك بعد أن أسلم أفرادها وصاروا من زمرة المسلمين، لأنه لم يعد أحد من بني أمیة أو غيرهم شرف يسامت شرف البيت النبوي بعد الإسلام. وهنا موضع العجب المريب، علی أن الحقیقة لا تدعو إلی العجب، وإنما تدعو إلی الأسی والكراهية، وهي أن الأمويين لم يتنازلوا عن إدعاءاتهم القديمة، ومناوراتهم البغيضة، ولم ينسوا صفاتهم التجارية القائمة علی الربح المادي في كل صفقة، والمنفعة العاجلة والزخرف في كل مناسبة؛ لذا تعافی يزيد عن مصلحة الدولة الإسلامية. وطعن مبادئ التضحیة والإخلاص. بعد أن ضرب بها عرض الحائط. لذا كان يزيد وأبوه معاویة من قبله أصحاب الصدع والخرق الأول في الجبهة الإسلامية المباركة وللصدع رجع واتساع. والخرق والعياذ بالله قد يصبح مستحيلاً علی الواقع.
أيها الجمع الكريم..! إن الحسين قد نال شرف التاريخ، ولا ينال شرف التاريخ إلاّ من أوتي من أخلاق الحسين وصفاته شيئاً. وقد نال الحسين شرف تخليدكم ليوم مصرعه كما نلتم أنتم كذلك الشرف الجدير بأهل المبدأ. أهل المحبة والعدل، أهل الکرة للظلم والجبروت. إن كثيراً من المؤرخين المسلمين وغير المسلمين يبدؤون دراستهم مجردين عن كل معرفة بما في مصرع الحسين من أسرار خالدة، ثم لا يلبثون أن يخرجوا من دراستهم وفي قلوبهم حزن علي مصرع الحسين، وحكم صارم علی يزيد.
هل أدلكم علی دليل تاريخي قريب. إنه لولا مصرع الحسين لما عرف التاريخ عن يزيد شيئاً قليلاً أو كثيراً. أما الحسين فمعروف الشمائل والمناقب قبل كربلاء وبعدها وربما كان أقل مآثره أن الناس وجدوا في صفاته النورية أمثلة تحتذی، وأخلاقاً هي خير قدوة للعاملين. ولا أخال المجتهدين في السير علی هديه ومبادئه إلاّ قليلين، ممن لا يبهرهم زيف المنفعة الشخصية، ولا تغشی قلوبهم زخارف الطمع.
وغريب، والله أن يوجد بين صفوف المسلمين في صدر الإسلام نعرة السلطان، والعصبية الجاهلية من أجل السلطان والعصبية الجاهلية، لا من أجل المصلحة العامة والإخلاص للدين، ولاسيما أن الإسلام كان وقتذاك نبتاً غضاً يحتاج إلی مجهود كل مخلص للدين، ولاسيما أن معظم المكتهلين من المسلمين وقتذاك كان ممن رأی الرسول، وشهد بنفسه وسمع حب الرسول للحسين وأخيه. وليس في تلك الغرابة سذاجة وجهل بطبائع البشر، فقد أحس بها كثيرون ممن عاصر مأساة كربلاء، وأولهم علي زين العابدين. إذ قال ليزيد وهو يؤنبه في ملإ من آل الحسين ونسائه:
(مقرنين بالحبال يا يزيد، ما ظنك برسول الله صلی الله عليه وآله وسلم، لو رآنا علی هذه الصفة..؟).
فأطرق يزيد ويا عجباً خجلاً. كما يطرق الطفل العاصي ندماً، ولات حين مندم. فسلام الله علی الحسين. وسلام عليكم جميعاً. وأني أحيي مولانا سماحة السيد هبه الدين الحسيني. معدن الكرم والوفاء والإخلاص لوجه الدين. وأحييكم وأرجو الله أن يهيئ لي ولكم ولسائر المسلمين في أقطار الأرض الرشد والخير والوحدة والقوة والسعادة في الدارين(1).
________________________________________
1- مجلة البيان -النجف- العدد-11، 12، 13، 14- السنة الأولی- 1947/ ص287.

لینک کوتاه