مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

الثائر الأول في الإسلام الحسين بن علی علیهِ السَّلاَم

من المؤلم حقاً أن نقرأ تاريخنا أو نكتبه من دون أن نعيشه ونحیاه، وتمر بنا الذکریات دون أن نعي قيمتها وحكمتها ونحسن استثمارها بحيث لا يبقی موضع للبدع والتضليل في حين إن واقعنا العربي، والقلق الذي يرافق إنسان العصر الحاضر الذي تتجاذبه مبادئ متنافرة، وعقائد متباعدة يقتضيان مثل هذا التفهم وذلك الإدراك... وفي حياتنا العربیة الإسلامية، مثل إنسانية علیا، وأخلاق حميده تميزت بها لا تقف حيالها قيود أو حدود تمتشق من العربي فارساً شجاعاً، وأريحياً كريماً، رهن الإحساس، وأبياً شهماً يأنف الضيم والهوان.

الثائر الأول في الإسلام الحسين بن علی علیهِ السَّلاَم
بقلم: الأستاذ شاكر الغرباوي/ صاحب مجلة البطحاء
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَمَثلُ کلمة خَبِيثَةٍ كشجرة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (26) يثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ في الحياة الدُّنْيا وَفي الآخرة وَيضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيفْعَلُ اللّهُ مَا يشَاء).
عن الطبري في تاريخه في مسیرة الحسين إلی كربلاء وقف خطيباً في موضع يقال له (ذوحسم) فقال:
(ألا ترون إن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا ينتهی عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله مخلصاً فإني لا أری الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً)… (إن الناس عبيد الدنيا؛ والدين لعق علی ألسنتهم يحيطونه ما درت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون..).
[تحف العقول].
من المؤلم حقاً أن نقرأ تاريخنا أو نكتبه من دون أن نعيشه ونحیاه، وتمر بنا الذکریات دون أن نعي قيمتها وحكمتها ونحسن استثمارها بحيث لا يبقی موضع للبدع والتضليل في حين إن واقعنا العربي، والقلق الذي يرافق إنسان العصر الحاضر الذي تتجاذبه مبادئ متنافرة، وعقائد متباعدة يقتضيان مثل هذا التفهم وذلك الإدراك…
وفي حياتنا العربیة الإسلامية، مثل إنسانية علیا، وأخلاق حميده تميزت بها لا تقف حيالها قيود أو حدود تمتشق من العربي فارساً شجاعاً، وأريحياً كريماً، رهن الإحساس، وأبياً شهماً يأنف الضيم والهوان.
وحين نحتفل بذکری ملهم الأحرار، ومعلم الشهداء، والثائر الأول أبي الثوار في الإسلام، وإمام أصحاب المثل والعقائد، وسيد شباب الدنيا، سبط النّبي محمد صلی اللهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّم وابن فاطمة الزهراء، الحسين بن علی علیهِم السَّلاَم.. نريد أن نعطي هذهِ الذکری المعنی الذي كان سبباً في انطلاقة الحسين في حركته الخالدة، وأن نعمل علی تدعيم قيمها الروحیة، وتثبيت أهدافها التهذيبية الرفیعة، ونشر معطياتها، الخيرة البناءة… وأن نتفهم المجالات الفكرية والروحیة والعملية والإنسانية لهذا البطل المسلم.
فإن نهضة الحسين علیهِ السَّلاَم ولا ريب حرکة إسلأمیة ثورية إصلاحيه تهذيبية تتمثل فيه العبادة الإسلامية الواعية، ويتجلی فيها العمل الخالص لوجه الله والحق والكمال… ومدی التضحیة في سبيل الدين كعقیدة تملأ النفس والوجدان، وتملك الوجوه والكيان، وكنظام يدفع للعمل المنتج من أجل أن يتبوأ الصدارة، ومركز العبادة وما يستلزم ذلك من تعبئة روحية ونفسیة ضد الظالمين والمستبدين والهدامين لمبادئ الإسلام.
أما إنها ثورية فلأنها تهدف إلی القضاء علی الأوضاع الهزيلة، ومظاهر الحكم الفاسد. وإنقاذ المعاني السامیة التي غمسها يزيد في الوحل والطين، فجاءت تعبيراً صادقاً عن قوة الرأي العام وخطره مهما كان عنف السلطة وشده بطشها.
وكان الحسين علیهِ السَّلاَم في إنكاره علی يزيد وفي حركته الثوریة هذهِ يمثل شعور شعب حي متيقظ، ويجسد أماني أمه مقيدة إلید، مكمومة الفم، في حقها بالحياة الحرة الکریمة …
وكان خصومه فيما عمدوا إلیه من أسإلیب العنف ووسائل البطش والقوة، في غير ما حق أو شبهة حق، تعطي لهذه الثورة سندها الشرعي كرد فعل طبيعي للحركات الناجمة عن فساد الحكم ونضوج الشعب، ورغبته الأكيدة في الإصلاح.
فهي ثورة بكل معانيها ومميزاتها، وبعث تفجر معه الإسلام كالبركان الثائر يحمل الدماء علی الضمائر الميتة، والسيف في وجه الحكم الجائر، والموت للنفوس الآثمة ترید أن تطفئ جذوه الإسلام وقبس الإيمان، وهيهات أن تجبن أو تضعف النفوس الأبية، والقلوب الحیة، والأنوف الحمیة…
وكانت انتصاراً للإسلام من أتباعه، كما كانت هجرة جده صلی اللهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّم استنصاراً للدعوة الإسلامية من أتباعها.
وأما إنها إصلاحية تهذيبية فلأنها قصدت إلی الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحمل الناس علی السبيل المستقيم، وهدفت إلی أن تمحي الآلهة من الناس، وأن تحول دون أن يستعبد الإنسان الإنسان.
وفي حیاة الحسين علیهِ السَّلاَم من فضائل النفس، وسمو المعاني، ورفيع النسب وشرف الجهاد في سبيل العقيدة ما ينبغي أن يكون قدوة للشباب المسلم المتوثب نحو ذری المجد، وقمم المعالي، وفي حركته من الطاقات ما يؤهله للقیادة وما يصيرها عبر الحقب والسنين ثورة فکریة وروحية قادها الأئمة علیهِم السَّلاَم من ولده وحمل لواءها زعماء الإصلاح من العرب والمسلمين يصارعون البغي والطغيان، ويكافحون الإثرة والاستبداد والتفسخ الديني والخلقي والاجتماعي.
وشد ما أمعنت في إيذاء الحسين علیهِ السَّلاَم كما أمعنت قريش في إيذاء جده رسول الله صلی اللهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّم في شخصه وأهله وولده وصحبه وحواريه وإنها لکبیرة علی النفس الإنسانية أن تتحمل العنت والإرهاق ما تطيق وما لا تطيق.
فليس من المألوف أن يسكت العربي علی الضيم والهوان فكيف بالصفوة المستنيرة، والعلیة الرفیعة تفتن في دينها وتستضعف في وطنها.
إنها ولا شك مشكلة معقدة تتطلب الحل السريع الحاسم فكان أن حضی أبو عبد الله علیهِ السَّلاَم ورهطه في الطريق المستقيم…
ومن أجل ذلك كان الحسين علیهِ السَّلاَم أول ثائر في الإسلام.
وإلی هذا المعنی الأزلي القدسي الذي تحمله الذکری قصدنا في عرض حیاة الحسين علیهِ السَّلاَم أبي الثوار، والكوكب الذي اختفی في الأحزان، وترك تلك الألوان المثالية الرائعة تنسدل بشفقها المشع علی الحياة الإنسانية وتسير ركب الخلود إلی الابد…
وعلی الدهر من دماء ال
شهيدين علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فج
ران وفي أولياتهِ شفقان
ثبتا في قميصه ليجيء ال
حشر مستعدياً إلی الرحمن
وفي تواضع الزاهدين وتضحیة الشهداء والقديسين يتواری الإمام الناسك الثائر ليترك لنا عبراً وعظات ودروساً في التضحیة والفداء تظل مناراً للأحرار والمصلحين.. ويبقی هو بعد ذلك الصورة الصادقة للمسلم المؤمن بإسلامه كعقیدة وكنظام… والإمام للقادة المستشهدين من أجل خير الإنسانية المتعطشة دائماً وأبداً إلی دماء الشهداء.
وستظل نهضته في أغلب الظن المثل الأول في التاريخ. كما هو الثائر الأول أبو الثوار في الإسلام.
فخذوا معاني العظمة من عظمة الحسين علیهِ السَّلاَم…
وخذوا مبادئ الوحدة والأخوة، والصلاح من مبدأ الحسين(1).
________________________________________
1- مجلة التضامن الإسلامي – الناصرية – العدد – 1و2 – السنة الثالثة – 1966م /ص16.

لینک کوتاه