الآخرة في كلمات الإمام الحسين(عليه السلام) ‏

كلمات أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) مدرسةٌ حيّة، ودائرة معارف كبرى، تمدّ الإنسان بما ينفعه في دينه ودنياه وآخرته، وتبصّره بالحياة الدّنيا وبالدّار الآخرة، وترشده إلى الطريق الصحيح الذي يسلكه؛ لكي يصل إلى مرضاة الله تعالى والاطمئنان الروحي، بل وحتّى البدني؛ ولذلك وُصفت أحاديثهم بأنّها نور على نور، وكنوز ورثوها عن الله تعالى. وكلمات الإمام الحسين(عليه السلام) من هذه المدرسة المشعّة بالنّور والهدى على العالم؛ لذا سنستعرض في هذا المقال كلماته(عليه السلام) التي جاء فيها ذكر الآخرة؛ وذلك لأهمّيتها في حياة الإنسان، إذ إنّها مصير كلّ فرد، ولا يكون الإنسان مؤمناً ما لم يؤمن بالآخرة؛ لذلك أكّدها القرآن الكريم والسنّة المطهَّرة. وبما أنّ الناس في الآخرة عبارة عن فريقين: فريق في الجنّة، وفريق في النّار؛ فقد قسّمنا بحثنا في المقام إلى قسمين: الأوّل: آخرة المنعَّمين، وسنذكر فيه الأُمور الموصلة إلى النعيم في الآخرة من خلال كلمات الإمام الحسين(عليه السلام). والثاني: آخرة المعذَّبين، وسنبيّن فيه الآخرة التي يكون فيها المعذَّبون من خلال كلمات سيد الشهداء(عليه السلام). كما سنقوم بعد ذلك بالتعقيب على كلماته(عليه السلام)، وشرحها وتوضيحها، مستعينين بالآيات المباركة، والأحاديث الشريفة للمعصومين(عليهم السلام).

الآخرة في كلمات الإمام الحسين(عليه السلام) ‏
{ حسن جميل الربيعي – جامعة الكوفة/كلية الآداب، من العراق. }

[1]
مقدّمة
كلمات أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) مدرسةٌ حيّة، ودائرة معارف كبرى، تمدّ الإنسان بما ينفعه في دينه ودنياه وآخرته، وتبصّره بالحياة الدّنيا وبالدّار الآخرة، وترشده إلى الطريق الصحيح الذي يسلكه؛ لكي يصل إلى مرضاة الله تعالى والاطمئنان الروحي، بل وحتّى البدني؛ ولذلك وُصفت أحاديثهم بأنّها نور على نور، وكنوز ورثوها عن الله تعالى.
وكلمات الإمام الحسين(عليه السلام) من هذه المدرسة المشعّة بالنّور والهدى على العالم؛ لذا سنستعرض في هذا المقال كلماته(عليه السلام) التي جاء فيها ذكر الآخرة؛ وذلك لأهمّيتها في حياة الإنسان، إذ إنّها مصير كلّ فرد، ولا يكون الإنسان مؤمناً ما لم يؤمن بالآخرة؛ لذلك أكّدها القرآن الكريم والسنّة المطهَّرة.
وبما أنّ الناس في الآخرة عبارة عن فريقين: فريق في الجنّة، وفريق في النّار؛ فقد قسّمنا بحثنا في المقام إلى قسمين:
الأوّل: آخرة المنعَّمين، وسنذكر فيه الأُمور الموصلة إلى النعيم في الآخرة من خلال كلمات الإمام الحسين(عليه السلام).
والثاني: آخرة المعذَّبين، وسنبيّن فيه الآخرة التي يكون فيها المعذَّبون من خلال كلمات سيد الشهداء(عليه السلام).
كما سنقوم بعد ذلك بالتعقيب على كلماته(عليه السلام)، وشرحها وتوضيحها، مستعينين بالآيات المباركة، والأحاديث الشريفة للمعصومين(عليهم السلام).

آخرة المُنَعَّمين
لو أردنا أن نعرف كيف يحصل الإنسان على النعيم في الآخرة من خلال كلمات الإمام أبي عبد الله(عليه السلام)، نجد أنّه يحصل عليه من خلال أعمال عدّة يقوم بها في الدنيا ليحصل على النعيم في الآخرة، في علاقة طرديّة كاملة، وهذا ما أكّده الإمام الحسين(عليه السلام) في أقواله، كما سيتبيّن من خلال النقاط الآتية:
أولاً: حبّ أهل البيت(عليهم السلام) ومودّتهم
هذا الباب من الأُمور المهمّة في حياة الإنسان المسلم، ومن غيره يقع في الهاوية، ولا تنفعه أعماله كلّها؛ ولذلك كان التركيز الدائم والمستمرّ على مودّة أهل البيت(عليهم السلام)، قال تعالى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)[2].
ولو انتقلنا إلى كلمات الإمام الحسين(عليه السلام) لوجدناه يؤكّد هذا المعنى عدّة مرات، وفي عدّة روايات، ويركّز على أهمّيته في الآخرة، فقد روي عنه(عليه السلام) أنّه قال: (الزَموا مودّتنا أهل البيت، فإنّ مَن لقي الله وهو يودّنا دخل في شفاعتنا)[3]. وليس هناك شيءٌ أعظم عند الإنسان الموالي من أن يحصل على شفاعة أهل البيت(عليهم السلام) في الدّار الآخرة.
وقد ورد عنه(عليه السلام) في أحاديث أُخرى: (… مَن أحبّنا لا يحبّنا إلّا لله، جئنا نحن وهو كهاتين. وقدّر بين سبابتيه…)[4]. وروي عنه أيضاً: (مَن أحبّنا لله وردنا نحن وهو على نبيّنا(صلى الله عليه واله) هكذا. وضمّ إصبعيه)[5]. وفي رواية أُخرى: (ومَن أحبّنا لله كنّا نحن وهو يوم القيامة كهاتين. وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى)[6].
فالمحبُّ لآل البيت(عليهم السلام) واردٌ معهم في الآخرة في درجتهم، وهي الدرجة العظيمة التي قال عنها الحسين(عليه السلام): (… أرد على جدّي (صلى الله عليه واله)، وأسكن معه في داره، في مقعد صدق عند مليك مقتدر…)[7]. ومقعد الصّدق هذا، هو مجلس حقّ لا لغو فيه ولا تأثيم، والنعيم دائم فيه، والذين يدخلونه يكونون في كنف الله وجواره وكفايته، حيث تنالهم غواشي رحمته وفضله[8]، وهذا ما يتمنّاه المؤمن.
ولكنّ الإمام الحسين(عليه السلام) قيَّد الحبَّ والمودّة، ولم يجعله عامّاً مطلقاً، فلا يكفي أن يقول المرء: (إنّي أُحبّهم)، بل لا بدّ لهذا الحبّ من شروط، ومن شروطه ـ التي لم يغفل عنها أهل بيت العصمة والطهارة(عليهم السلام) ـ (الاتّباع)، فقد روي عن الإمام الحسين(عليه السلام) قوله: (مَن أحبّنا كان منّا أهل البيت. فقلت [الراوي]: منكم أهل البيت؟! فقال: منّا أهل البيت، حتّى قالها ثلاثاً، ثمّ قال(عليه السلام): أما سمعت قول العبد الصالح: (فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) [9])[10].
وأمّا المراد من الاتّباع فهو العمل بأوامر الله تعالى، والانتهاء عن نواهيه، والاقتداء بسيرة الرسول الأكرم(صلى الله عليه واله) والعترة الطاهرة(عليهم السلام)، وهذا هو مصداق قوله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[11]، ومصداق قول أمير المؤمنين علي(عليه السلام): (مَن أحبّنا فليعمل بعملنا)[12]. وبعبارةٍ أُخرى: إنّ المطلوب من الحبّ هو اتّخاذهم أُسوة وقدوة في الحياة.
ثانياً: حقّ الرسول(صلى الله عليه واله) والإمام(عليه السلام)
قال الإمام الحسين(عليه السلام): (مَن عرف حقّ أبويه الأفضلين: محمد وعليّ(عليهما السلام)، وأطاعهما حقّ الطاعة، قيل له: تبحبح في أيّ الجنان شئت)[13].
التبحبح: هو التمكّن في الحلول والمقام، ويقال: إنّه تبحبح إذا تمكّن وتوسّط المنزل والمقام، وبحبوحة كلّ شيء وسطه وخياره[14]، وهذه المرتبة لا تُعطى لأيّ أحدٍ، بل الحاصل عليها هو الحاصل على الفضل العظيم، والنعيم المقيم بالتنقّل بين الجنان.
وشرط الحصول على هذه المنزلة عند الحسين(عليه السلام) أن يعرف الإنسان حقّ (صلى الله عليه واله) وأمير المؤمنين(عليه السلام)؛ فهما أبوا هذه الأُمّة؛ نظراً لقول (صلى الله عليه واله) لعلي(عليه السلام): (أنا وأنت أبوا هذه الأُمّة)[15]. ولعظمة هذا الحقّ نرى أكثر الأئمة(عليهم السلام) أشاروا إليه في كلماتهم وعظّموه.
ومن هذا الحقّ وجوب محبّة أهل البيت(عليهم السلام) وموالاتهم، وهو ما تقدّم في النقطة المتقدّمة، ومنه ما هو مختصّ بالإمام الحسين(عليه السلام)، ويتمثّل ذلك بأُمور عديدة، من أهمّها: زيارته(عليه السلام)، فقد جاء التأكيد القويّ والعظيم عليها، ووُصِفَت بأنّها من حقوق (صلى الله عليه واله)؛ فعن الإمام الصادق(عليه السلام): (لو أنّ أحدكم حجّ دهره ولم يزر الحسين(عليه السلام) لكان تاركاً حقاً من حقوق (صلى الله عليه واله)؛ لأنّ حقّ (صلى الله عليه واله) فريضة من الله واجبة على كلّ مسلم)[16].
وروي عنهم(عليهم السلام): (إنّ لمن أراد أن يقضي حقّ رسول الله وحقّ أمير المؤمنين وحقّ فاطمة(عليهم السلام)، فليزر الحسين(عليه السلام) يوم عاشورا)[17].
ولزيارته(عليه السلام) أثر كبير على نفسية الإنسان وعقيدته وأخلاقه، وتمسّكه بالإسلام، والتزامه بخطّ الإسلام المحمدي الحسيني الأصيل، ناجحاً مفلحاً في الآخرة، خارجاً من النار، مبتعداً عنها، وهذا ما نصَّ عليه الإمام الحسين(عليه السلام) بنفسه، إذ قال: (مَن زارني بعد موتي زرته يوم القيامة، ولو لم يكن إلّا في النّار لأخرجته منها)[18].

ثالثاً: الخوف من اللّه تعالى
قيل للإمام الحسين(عليه السلام): (ما أعظمَ خوفك من ربّك! فقال (عليه السلام): لا يأمن يوم القيامة إلّا مَن خاف الله في الدّنيا)[19]. وورد عنه(عليه السلام): (لا تأمن إلّا مَن قد خاف الله تعالى)[20].
وورده في طريقه إلى الكوفة كتاب من عمرو بن سعيد الأشدق، يدعوه فيه إلى العدول عن الذهاب إلى العراق والتوجّه إليه، فكان ردُّ الحسين(عليه السلام): (أمّا بعد، فإنّه لم يشاقق الله ورسوله مَن (دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)[21]، وقد دعوت إلى الأمان والبرّ والصلة، فخير الأمان أمان الله، ولن يؤمن الله يوم القيامة مَن لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة، فإن كنت نويت بالكتاب صلتي وبرّي، فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة، والسّلام)[22].
يشير الإمام الحسين(عليه السلام) إلى قضية مهمّة، وهي: أنّ الإنسان لا بدّ أن يخاف الله تعالى في الدنيا، وذلك باستشعار معية الله الدائمة (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) [23]، فإن نسـي هذه المعيّة رَكِنَ إلى الدنيا وزخرفها، وإن استشعرها خاف الله تعالى، وجعل الآخرة نصب عينيه، وأصبح من مصاديق وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) للمتّقين: (عَظُمَ الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنّة كمَن قد رآها، فهم فيها منعَّمون، وهم في النار كمَن قد رآها، فهم فيها معذَّبون)[24].
فالخائف من الله تعالى آمنٌ في الآخرة، وهذا يمثّل النّعيم الذي يعيشه الإنسان المؤمن في دار الآخرة. وإذا لاحظنا التعبير اللغوي للنّص نجد تأكيداً لهذا الخوف، ففي الحديث الأوّل والثاني ورد تأكيد الخوف من خلال أُسلوب القصر، فقد قَصَرَ(عليه السلام) الأمن يوم القيامة على الخوف من الله تعالى في الدنيا، وذلك باستعمال النفي والاستثناء، وفي الحديث الثالث استعمل أداة التأبيد (لن) لتأكيد أهمّية الخوف من الله تعالى، ومن خلال هذين الاستعمالين نعرف أنّ الخوف من الله تعالى هو العامل الأساس للحصول على الأمن يوم القيامة، ذلك اليوم المهول في أحواله، يقول تعالى: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)[25].
وقد ورد الأمن يوم القيامة في آيات عديدة، كقوله تعالى: (أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ)[26]، وقوله تعالى: (أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [27]، وقوله تعالى: (وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ)[28].
يتبيّن من الآيات المباركة أنّ هناك أمناً يوم القيامة يخصُّ قسماً من النّاس نتيجة أعمالهم الصالحة في الدنيا، وهذه الأعمال هي بسبب الخوف من الله تعالى؛ إذ هو ركيزة أساسية للحصول على الأمن يوم القيامة، وهو ما أشار إليه الإمام الحسين(عليه السلام) في الأحاديث المتقدّمة.
رابعاً: البكاء من خشية اللّه تعالى
قال الإمام الحسين(عليه السلام): (البكاء من خشية الله نجاة من النّار)[29]. وقد ركّز من خلال ذلك على أنّ للبكاء من خشية الله درجةً عظيمةً في الآخرة؛ إذ لا يضمن الإنسان فيها نفسه من الوقوع في عذاب النّار، تلك النّار التي يُعذَّب فيها الإنسان عذاباً لا نهاية له، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا) [30].
فالإنسان إذا ضمن الخلاص من النّار، ضمن النعيم في الآخرة، وأصبح من أهل الجنّة. ومن أسباب الخلاص من النّار، هو البكاء من خشية الله تعالى، وهذا ما أكّده أهل بيت العصمة والطهارة(عليهم السلام)، فقد ورد عن (صلى الله عليه واله) أنّه قال لعلي(عليه السلام): (كثرة البكاء من خشية الله يبني لك بكلّ دمعة ألف بيت في الجنة)[31]، وروي عنهم(عليهم السلام): (ما من شيء إلّا وله كيلٌ أو وزن، إلّا البكاء من خشية الله، فإنّ القطرةَ منه تُطفي بحاراً من النيران، ولو أنّ باكياً بكى في أُمّة لرُحموا، وكلّ عين باكية يوم القيامة إلّا ثلاثة أعين: عين بكت من خشية الله، وعين غضّت عن محارم الله، وعين باتت ساهرة في سبيل الله)[32].
من هنا؛ كان البكاء من خشية الله تعالى نجاةً من النّار، كما بيّن ذلك الإمام أبو عبد الله الحسين(عليه السلام)، كما أنّه أيضاً رحمةً من الله تعالى لعبده، ففي حديث عن الإمام الحسين(عليه السلام) قال فيه: (بكاء العيون وخشية القلوب من رحمة الله)[33]. إذاً؛ فالإنسان المُنعَّم في الآخرة هو الذي جرت دموعه في الدنيا من خشية الله تعالى.
البكاء على مصائب أهل البيت(عليهم السلام)
ومن البكاء في الدنيا الذي يورث نعيماً في الآخرة، هو البكاء على مصائب آل محمد(صلى الله عليه واله)، فإنّ في البكاء عليهم فضلاً عظيماً، ونعيماً مقيماً؛ ولذلك قال الإمام الحسين(عليه السلام): (ما من عبدٍ قطرت عيناه فينا قطرةً، أو دمعت عيناه فينا دمعةً، إلّا بوّأه الله بها في الجنّة حقباً)[34]، والحقبة هي الأمد الطويل، والحصول على هذا الأمد في الجنان لا يناله إلّا مَن حصل على رضى الرحمن؛ لذلك كان الأئمّة(عليهم السلام) يؤكّدون البكاء على الحسين(عليه السلام) لما حصل عليه وعلى عياله من قتلٍ وسبي ومصائب تزول منها الجبال الرواسي، فقد ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام): (إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع، ما خلا البكاء على الحسين بن علي(عليهما السلام)، فإنّه فيه مأجور)[35]؛ ومن هنا حصل الثواب على البكاء.

خامساً: الصدق وحُسن الخلق والعفّة
ورد في الحديث عن الإمام الحسين(عليه السلام): (مَن رزقه الله صدق اللهجة، وحُسن الخلق، وعفاف فرج وبطن، خصّه الله تعالى بخيري الدنيا والآخرة)[36].
الخير من الله تعالى عامٌّ لكلّ الناس، بل لكلّ كائن حي، لكن كيف يستعمل الإنسان هذا الخير، ويطوّعه ليصل به إلى ما يريد؟ وهل الخير الموجود في الدنيا هو كافٍ له، أو أنّه لا بدّ من خيرٍ آخر يريد أن يحصل عليه؟
في هذا الحديث عن الإمام(عليه السلام) يتبيَّن أنّ هناك خيراً خاصّاً إضافةً إلى الخير الذي يشمل الجميع في الدنيا، هذا الخير يخصّ الله تعالى به مَن تتوافر فيه عدّة صفات، وهي: صدق اللهجة، وحُسن الخلق، والعفّة عن الحرام، فإذا توافرت هذه الصفات في فردٍ واحد، كان حاصلاً على الخير في الدنيا، والأهمّ هو الحصول على الخير في الآخرة؛ إذ إنّ الخير في الآخرة هو النعيم الذي يتمنّاه كلّ فرد. من هنا؛ فإنّ الحديث توجيهٌ للإنسان بأن يسعى للحصول على هذه الصفات الثلاث ليتنعّم في آخرته، فإنّها دار البقاء ودار الخلود، وما الدنيا إلّا دار ممرّ، كما ورد في الحديث الشـريف عن أمير المؤمنين(عليه السلام): (أيّها الناس، إنّما الدنيا دار مجاز، والآخرة دار قرار، فخذوا من ممرّكم لمقرّكم)[37].
ولعلّ من حُسن الخلق الذي يمتلكه الإنسان أن ينفّس الكرب عن الآخرين، وبالخصوص عن المؤمنين، فإذا فعل ذلك خلّصه الله من كرب الدنيا والآخرة، وهذا هو مضمون قول سيّد الشهداء(عليه السلام): (ومَن نفّس كربة مؤمن فرّج الله عنه كُرَب الدنيا والآخرة)[38]. فالمؤمن لا بدّ أن يسعى إلى أن يزيل كلّ العوارض عن آخرته بفعل كلّ خيرٍ في الدنيا.

الدنيا سجن المؤمن
وللإمام الحسين(عليه السلام) وصفٌ للآخرة التي يحصل عليها المؤمنون المتشوّقون إليها، فقد قال لأصحابه في آخر لحظات قبل مقتلهم: (صبراً بني الكرام، فما الموت إلّا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر، وما هو لأعدائكم إلّا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب)[39].
فالإمام(عليه السلام) بكلامه هذا يصوّر لأصحابه حال المؤمنين في الدنيا والآخرة، ويقابلها بحال المنافقين المذنبين.
إنّ الدنيا للمؤمن كالسجن، يحسّ بأنّه محبوس فيها، يريد أن ينطلق إلى رحاب الله تعالى؛ لذلك كان تصوير الإمام الحسين(عليه السلام) للدنيا بأنّها بؤسٌ وضرّاء للمؤمنين، فهم مقيّدون فيها، لا يرون راحةً إلّا في أثناء عبادة الله تعالى؛ لذلك هم يسعون للوصول إلى النعيم الدائم، والجنة الواسعة، والخلود الأبدي في رضوان الله تعالى، ونرى هنا أيضاً التصوير الجميل الذي استخدمه الإمام(عليه السلام) في وصف الموت بالقنطرة، فهو يقلّل من وقعة الموت وشدّته وفجيعته على المؤمن؛ وذلك لأنّه لا يحسّ حينها بالألم الذي يحسّ به المذنب في هذا الانتقال؛ ومن هنا وصف الإمام الباقر(عليه السلام) أصحاب الحسين(عليه السلام) ـ الذين سمعوا هذا القول مباشرةً، واستوعبوه بعقولهم وقلوبهم، وأصبحوا يرون نعيم الآخرة بأعينهم ـ بقوله: (إنّ أصحاب جدّي الحسين(عليه السلام) لم يجدوا ألم مسّ الحديد)[40]؛ ولذلك كانوا يترقّبون ساعة الموت كلّ لحظة، يقول المؤرّخون: (جعل برير يهازل عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: دعنا، فوالله، ما هذه بساعة باطل. فقال له برير: والله، لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطلَ شابّاً ولا كهلاً، ولكن ـ والله ـ إنّي لمستبشر بما نحن لاقون، والله، إنّ بيننا وبين الحور العين إلّا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، ولوددت أنّهم قد مالوا علينا بأسيافهم)[41].
وخرج حبيب بن مظاهر يضحك، فقال له برير بن خضير الهمداني: (يا أخي، ليس هذه بساعة ضحك!)، قال حبيب: (فأيّ موضع أحقّ من هذا بالسرور؟! والله، ما هو إلّا أن تميل علينا هذه الطغام بسيوفهم، فنعانق الحور العين)[42].
وخير ما جاء في وصفهم وحبّهم للقاء الله تعالى، وتمنّيهم للموت، ما قاله الإمام الحسين(عليه السلام) للسيّدة زينب(عليها السلام): (والله، لقد بلوتهم، فما وجدت فيهم إلّا الأشوس الأقعس[43]، يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطفل إلى محالب أُمّه)[44].
وهكذا أصبحت الدنيا سجناً لهم في الوقت الذي هي قصرٌ لعبدتها، والآخرة هي مبتغاهم في حين أنّها سجنٌ لغيرهم من الكافرين والمنافقين الذين يذوقون عذاب الله تعالى فيها؛ ولذلك كانت تكملة حديث الحسين(عليه السلام) مع أصحابه: (إنّ أبي حدّثني عن (صلى الله عليه واله) أنّ الدنيا سجن المؤمن، وجنّة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنّاتهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كَذبت ولا كُذّبت)[45].
آخرة المُعَذَّبين
هناك أفعال في الدنيا يرتكبها الإنسان فيستحقّ عليها العذاب في الآخرة، ويقف بين يدي الله تعالى ليحاسبه على ما قام به في دنياه، ويعذّبه على أفعاله، فيصبح من المعذَّبين في النار، أو الخالدين فيها.
وقد جاء وصف (آخرة المعذَّبين) في كلمات الإمام الحسين(عليه السلام) بعدّة أشكال، فأحياناً يصف الحساب، وأحياناً يصف هول الآخرة، وأُخرى يصف أُموراً لو قام بها الإنسان لأصبح من أهل النار.
ونورد هنا كلماته(عليه السلام) التي تصبّ في هذا الباب من خلال النقاط الآتية:
أوّلاً: مخالفة أمر أهل البيت(عليهم السلام)
دعا الحسين(عليه السلام) ابن الحرّ الجعفي إلى الالتحاق بركبه، فلما أبى، أعرض عنه الحسين(عليه السلام)، وقال: (إنّه مَن سمع واعيتنا أهل البيت، ثمّ لم يُجبنا، كبّه الله على وجهه في نار جهنّم)[46].
في الحديث الشريف تأكيدٌ على منزلة أهل البيت(عليهم السلام) في الدنيا والآخرة، إذ إنّ طاعتهم في الدنيا واجبة، وفي الآخرة يُحاسب الإنسان عليها، وقد أمر القرآن بطاعتهم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)[47]، فإنّ المقصود من أُولي الأمر في الآية المباركة هم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، قال الإمام الباقر(عليه السلام) حول الآية المباركة: (إيّانا عنى خاصّة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا)[48]. وحين سأل أميرُ المؤمنين(عليه السلام) (صلى الله عليه واله) عن المقصود من (أُولي الأمر) في الآية المباركة، قال(صلى الله عليه واله): (أنت أوّلهم)[49]؛ ولذا ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام): (نحن قوم فرض الله طاعتنا)[50].
حذّر الإمام الحسين(عليه السلام) كلّ مَن سمع صوت أهل بيت النبي(صلى الله عليه واله) ولم يجبهم من العذاب الأليم، وأيُّ عذابٍ أكبر من الكبّ على الوجه في النّار! فالإنسان يُعاقب على عدم إجابة أهل البيت(عليهم السلام) في آخرته، ويُصبح بسبب ذلك من المعذَّبين في عقر نار جهنّم.
ثانياً: الغيبة
قال الإمام الحسين(عليه السلام) لرجل سمعه يغتاب: (يا هذا، كفّ عن الغيبة فإنّها إدام كلاب النّار)[51]. فقد وصف(عليه السلام) الغيبة بإدام كلاب النار، وهذه من أبشع الصور التي يمكن أن يتصوّرها الإنسان، كلبٌ في النار يأكل من إدام، وهذا الإدام هو عبارة عن لحوم المؤمنين التي أكلها المستغيب باغتيابه إيّاهم في دار الدنيا، ويبدو أنّ هذه الصورة ـ من تشبيه الغيبة بإدام كلاب النار ـ مستوحاة من قوله تعالى: (وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ)[52].
فحذَّر سيّد الشهداء(عليه السلام) هذا التحذير الشديد من الغيبة، وحتّى صياغة الحديث باستخدام فعل الأمر (كفّ)، وباستخدام أداة التأكيد (إنّ)، فيها من القوّة اللغوية الشديدة؛ مما يعطي أهمّية وقوّة للقول، فالغيبة من المؤكّد أنّها إدام كلاب النار، وعاقبتها في الآخرة سيئة جداً، ويعذّب عليها الإنسان بشدّة.
وقد ورد العديد من الأحاديث في التحذير من الغيبة والعاقبة السيئة لها في الآخرة، ففي الحديث القدسي: (أوحى الله(عز وجل) إلى موسى بن عمران: أنّ المغتاب إذا تاب فهو آخر مَن يدخل الجنة، وإن لم يتُب فهو أوّل مَن يدخل النار)[53]. وورد عن (صلى الله عليه واله): (تحرّم الجنة على ثلاثة: على المنّان، وعلى المغتاب، وعلى مدمن الخمر)[54].

ثالثاً: تخريب دار الآخرة بالإخلاد إلى الدنيا
كان الإمام الحسين(عليه السلام) يحذّر من الإخلاد إلى الدنيا، والركون إليها، فهي كما يصفها أمير المؤمنين: (دار بالبلاء محفوفة)[55]، وكان في كلّ موضع يذكّر بالآخرة.
ولعلّ من الاهتمام بالحياة الدّنيا هو الاهتمام بالأبنية والدور بما يفوق التصوّرات والحدود، والإسراف والبذخ عليها، ونسيان الدّار الآخرة، ونجد هذا في كلمات الإمام الحسين(عليه السلام)، فقد بنى أحدهم بيتاً وسأله أن يدخله ويدعو الله فيه لتحلّ فيه البركة والخير، فلمّا دخلها، ونظر إليها، قال(عليه السلام)له: (أخربت دارك، وعمرّت دار غيرك، غرّك مَن في الأرض، ومقتك مَن في السّماء)[56]. ومرَّ(عليه السلام) بقصر، فقال: (لمَن هذا؟ فقالوا: لأوس. فقال(عليه السلام): ودّ أوس أنّ له في الآخرة بدله رغيفاً)[57].
ولا يُفهم من كلام الحسين(عليه السلام) أنّ على الإنسان أن لا يبني بيتاً، ولا يتّخذ محلّاً، بل المقصود أن لا يغرق الإنسان في زخارف الحياة الدنيا وينسى الآخرة وما فيها؛ لأنّ الدار الأساس التي يقيم فيها الإنسان هي دار الآخرة، والتي تُبنى بأعمال البرّ والخير، وبالعمل بما أمر الله تعالى، والانتهاء عن نواهيه في الدنيا، أمّا دار الدنيا فمحلّ مؤقّت، ينتقل عنه الإنسان ليخلفه إلى الذي يأتي من بعده.
إنّ كلام الإمام(عليه السلام) هو من باب التذكير بالدار الآخرة، والتذكير بالموت الذي لا مفرَّ منه، وهو من باب استغلال كلّ فرصة ـ ولو كانت صغيرة ـ للتذكير والنصح والإرشاد، وهذا ما يجب أن يستفيد منه المؤمنون العاملون لله، وهو أن يُرشدوا وينصحوا، ويُذكّروا في كلّ زمان ومكان، وأن لا يعوقهم شيء عن ذلك؛ فالإمام الحسين(عليه السلام) يرى شخصاً يبني بيتاً، فيراه الوقت المناسب للتذكير بالآخرة، والزهد في الدنيا، لذلك قال له: (عمَّرت دار غيرك)، فهو منتقل عن هذه الدار، تارك ما بناه لمن بعده، راحل إلى داره الحقيقية، لذلك لا بدّ له أن يزهد في هذه الدنيا وما فيها من خلال كثرة ذكر الموت، وهذا ما نصَّ عليه أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، فقد قال الإمام الباقر(عليه السلام): (أكثروا ذكر الموت؛ فإنّه ما أكثر ذكرَ الموتِ إنسانٌ إلّا زهد في الدنيا)[58]، وإذا زهد في الدنيا حصل على الآخرة، قال أمير المؤمنين(عليه السلام): (إنّ علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا، أمّا إنّ زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه ممّا قسم الله(عز وجل) له فيها وإن زهد…)[59].
أمّا الاهتمام بزخارف الدنيا فلا يزيد الإنسان إلّا بُعداً عن النعيم في دار الآخرة، ومن ذلك وصف الإمام الحسين(عليه السلام) صاحب القصور المشيّدة، بأنّه يتمنّى أن يكون له رغيف في دار الآخرة بدل قصره؛ إذ عمله هذا أبعده عن الآخرة، ولصقه بالدنيا.
رابعاً: التأكيد على الحساب
الحساب هو من المواقف المهولة[60] التي يواجهها الإنسان في الآخرة؛ ولذلك لا بدّ أن يتذكّره دائماً وأبداً، ولا يغفل عنه؛ إذ إنّ أكثر النّاس غافلون، حتّى يجدوا أنفسهم في موقف الحساب، قال تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ)[61].
ولهذا السبب كان أبو عبد الله الحسين(عليه السلام) يذكّر الناس بهذا اليوم، وبهذا الموقف العظيم، فيقول(عليه السلام): (فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه، مستوقف على حسابه، لا وزير له يمنعه، ولا ظهير عنه يدفعه، ويومئذٍ (لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ)[62])[63].
فالإمام(عليه السلام) يصف ذلك المشهد المهول، وأنّ الإنسان وحده لا محامي عنه ولا مدافع، ولا مفرّ له ولا مهرب، حتّى يقف بين يدي الله تعالى، فهو الحاكم والشاهد، إضافةً إلى جوارحه التي تشهد عليه أيضاً، ولا يضمن قدمه ستثبت أم تزلّ، ولا يدري أيخرج وهو أبيض الوجه أو أسوده، وهذا ما أكَّده سيد الشهداء(عليه السلام) في موقف آخر، إذ قال: (يابن آدم، اُذكر مصرعك، وفي قبرك مضجعك، وموقفك بين يديّ الله، تشهد جوارحك عليك، يوم تزلّ فيه الأقدام، وتبلغ القلوب الحناجر، وتبيضّ وجوه، وتسودّ وجوه، وتبدو السرائر، ويوضع الميزان القسط)[64].
وهكذا يكون موقف الحساب، يحتاج الإنسان إلى تذكيرٍ دائمٍ به، في كلّ موقف، وفي كلّ حركة، وفي كلّ سكون، وفي كلّ فعلٍ وعمل، فلا بدّ للإنسان أن يجعل له رقيباً من نفسه، ومذكّراً له من الخارج، يحذّره ويقوّمه؛ لكي يمرّ على الحساب بسهولة.
ومن المواقف التي تذكّرنا بالحساب كلامه(عليه السلام) حول المال، حيث قال: (مالكَ إن يكن لك كنت له منفقاً، فلا تُبقه بعدك، فيكن ذخيرة لغيرك، وتكون أنت المطالب به، المأخوذ بحسابه)[65].
وفي الحديث الشريف تحذير من البخل والشحّة في المال؛ لأنّ الإنسان محاسب عليه في كلّ أحواله، فلا بدّ أن يستثمره في دنياه لآخرته.
خامساً: يوم العطش الأكبر
وصف الإمام الحسين(عليه السلام) يوم القيامة بيوم العطش الأكبر؛ إذ فيه يعطش المذنبون، ولا ماء هناك ليشربوا منه، لذلك كان دعاء الحسين(عليه السلام) لأحد الأصحاب: (آمنك اللهُ يوم الخوف، وأعزّك وأرواك يوم العطش الأكبر)[66].
ومن الأُمور التي تخلّص الإنسان من العطش الأكبر يوم القيامة هي زيارة الحسين(عليه السلام)، فقد دعا الإمام الصادق(عليه السلام) لزوار الحسين(عليه السلام) بدعاء قال في آخره: (اللهمَّ إنّي أستودعك تلك الأبدان، وتلك الأنفس، حتّى توفيهم على الحوض يوم العطش الأكبر)[67].
اللّهم إنّا نسألك أن لا تجعلنا من المعذَّبين في النار، وأدخلنا الجنة، وأرِنا نعيمها، واسقِنا من الحوض يوم العطش الأكبر، يا أرحم الراحمين.
الخاتمة
تبيّن من خلال البحث في كلمات الإمام الحسين(عليه السلام) حول الآخرة، أنَّ كلماته(عليه السلام) في هذا المجال على صنفين:
1ـ آخرة المنعَّمين: فقد تبيّنت من خلال كلمات الإمام الحسين(عليه السلام) الأُمور التي تكون سبباً في حصول الإنسان على النعيم في الآخرة، وهي تكمن في حبّ ومودّة أهل البيت(عليهم السلام) التي تحصل بالاتّباع الحقيقي لهم(عليهم السلام)، وإعطاء الرسول(صلى الله عليه واله) وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) حقَّهم الذي فرضه الله، والخوف من الله تعالى في الدنيا، والبكاء من خشية الله، والصدق، وحُسن الخلق، والعفّة، وتنفيس الكرب عن المؤمنين؛ والنتيجة: أنّ الدنيا سجن المؤمن، وهَمُّ الإنسان هو الآخرة في قصور الجنان.
2ـ آخرة المعذَّبين: تبيَّنت آخرة المعذَّبين في كلمات الإمام الحسين(عليه السلام)، فمخالفة أمر أهل البيت(عليهم السلام) والغيبة تؤدّيان بالإنسان إلى النار، والركون إلى دار الدنيا ونسيان الآخرة ممّا يهدم آخرة الإنسان، كما بيّن(عليه السلام) هول الآخرة؛ من خلال التأكيد على الحساب والوقوف فيه، ووصف يوم القيامة ـ لهوله ـ بيوم العطش الأكبر.

المصادر والمراجع
* القرآن الكريم.
* نهج البلاغة، الشريف أبو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي، تحقيق: صبحي الصالح، بيروت، الطبعة الأُولى، 1387هـ/1967م.
1. إرشاد القلوب، الحسن بن محمد الديلمي (من أعلام القرن الثامن الهجري)، منشورات الرضي، قم ـ إيران.‏
2. أعلام الدين في صفات المؤمنين، الحسن بن محمد الديلمي (من أعلام القرن الثامن الهجري)، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء ‏التراث، قم ـ إيران.‏
3. أمالي الصدوق، الشيخ الجليل الأقدم الصدوق (381هـ)، قدّم له: الشيخ حسين الأعلمي، منشورات مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، ‏بيروت ـ لبنان، الطبعة الأُولى، 1430هـ /2009م.‏
4. بحار الأنوار، العلّامة محمد باقر المجلسي (1111هـ)، دار الكتب الإسلامية، طهران.‏
5. تاريخ الأُمم والملوك، محمد بن جرير الطبري (310هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار التراث، بيروت ـ لبنان، الطبعة الثانية.‏
6. تحف العقول عن آل الرسول(صلى الله عليه واله)، ابن شعبة الحراني، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين ‏بقم المشرّفة، الطبعة الثانية، 1404هـ .‏
7. التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام)، نشر مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)، قم، الطبعة الأُولى، 1409هـ .‏
8. تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورام)، ورام بن أبي فراس (605هـ)، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الثانية، 1368هـ.ش.‏
9. جامع الأخبار، الشيخ محمد بن محمد السبزواري (من أعلام القرن السابع الهجري)، تحقيق: علاء آل جعفر، مؤسّسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء ‏التراث، بيروت، الطبعة الأُولى، 1413هـ/1993م.‏
10. دعائم الإسلام، القاضي النعمان المغربي (363هـ)، تحقيق: آصف بن علي أصغر فيضي، دار المعارف، القاهرة، 1383هـ/1963م.‏
11. شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، عبيد الله بن أحمد الحسكاني (من أعلام القرن الخامس الهجري)، تحقيق: محمد باقر المحمودي، مؤسّسة ‏الطباعة والنشر في وزارة الإرشاد الإسلامي، طهران، الطبعة الأُولى، 1411هـ .‏
12. فضل زيارة الحسين(عليه السلام)، محمد بن علي بن الحسن العلوي الشجري (445هـ)، مكتبة آية الله المرعشي العامّة، مطبعة الخيام، قم، 1403هـ .‏
13. الكافي، محمد بن يعقوب الكليني (329هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الخامسة، 1363هـ.ش.‏
14. كتاب الأمالي، الشيخ الطوسي (460هـ)، تحقيق وتصحيح: علي أكبر الغفاري، بهراد الجعفري، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة ‏الأُولى، 1380هـ.ش.‏
15. كشف الغمة في معرفة الأئمة، علي بن أبي الفتح الإربلي (693هـ)، دار الأضواء، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1405هـ/1985م.‏
16. لسان العرب، ابن منظور المصري (711هـ)، دار صادر، بيروت.‏
17. اللهوف في قتلى الطفوف، علي بن موسى المعروف بابن طاووس (ت664هـ)، أنوار الهدى، قم ـ إيران، الطبعة الأُولى، 1417هـ.
18. مجمع البيان في تفسير القرآن، الفضل بن الحسن الطبرسي، منشورات ناصر خسرو، طهران، 1413هـ .‏
19. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، الحافظ الهيثمي (807هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.‏
20. المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي (274هـ)، تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام)، الطبعة الثالثة، ‏‏1432هـ/2011م .‏
21. معاني الأخبار، الشيخ الصدوق (381هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم ‏المشرّفة.‏
22. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي.‏
23. منازل الآخرة، الشيخ عبّاس القمّي، ترجمة: عبد المهدي اليادگاري، دار الزهراء، الطبعة الأُولى، 1429هـ .‏
24. مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، تحقيق وفهرسة: الدكتور يوسف البقاعي، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثانية، ‏‏1412هـ/1991م.‏
25. موسوعة أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)، الشيخ هادي النجفي، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأُولى، ‏‏1423هـ/2002م.‏
26. موسوعة النابلسي على صفحات الشبكة العنكبوتية: ‏www.nabulsi.com‏.‏
27. موسوعة كلمات الإمام الحسين(عليه السلام)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم(عليه السلام)، دار المعروف للطباعة والنشر، الطبعة الثالثة، 1416هـ‏‏/1995م.‏
28. نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، الحسين بن محمد الحلواني (من أعلام القرن الخامس للهجرة)، مطبعة سعيد، مشهد، 1404هـ .‏
29. وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحرّ العاملي (1104هـ)، تحقيق وتصحيح وتذييل: الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي، دار إحياء التراث ‏العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الخامسة، 1403هـ/1983م.‏

________________________________________
[1]
[2] الشورى: آية 23.
[3] لجنة الحديث في معهد باقر العلوم(عليه السلام)، موسوعة كلمات الإمام الحسين(عليه السلام): ص696.
[4] البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن: ج1، ص134.
[5] الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص388.
[6] الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد: ج10، ص281.
[7] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص76.
[8] اُنظر: الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن: ج 9، ص295.
[9] إبراهيم: آية 36.
[10] الحلواني، الحسين بن محمد، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: ص40.
[11] آل عمران: آية31.
[12] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج 71، ص174.
[13] التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام): ص330.
[14] اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج 2، ص407.
[15] الصدوق، محمد بن علي، معاني الأخبار: ص 118.
[16] الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج 10، ص346.
[17] المصدر السابق: ج10، ص373.
[18] العلوي الشجري، محمد بن علي ، فضل زيارة الحسين(عليه السلام): ص40.
[19] ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج4، ص76.
[20] السبزواري، محمد بن محمد، جامع الأخبار: ص258.
[21] فصّلت: آية33.
[22] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص388ـ 389.
[23] الحديد: آية4.
[24] نهج البلاغة: ص332، خطبة193.
[25] الحج: آية2.
[26] الأنعام: آية82.
[27] فصّلت: آية40.
[28] النمل: آية89.
[29] النوري، حسين، مستدرك الوسائل: ج11، ص245.
[30] فاطر: آية36.
[31] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج 8، ص79.
[32] العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج 4، ص1251.
[33] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج90، ص336.
[34] الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص189.
[35] العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج10، ص396.
[36] لجنة التأليف في معهد باقر العلوم، موسوعة كلمات الإمام الحسين(عليه السلام): ص893.
[37] نهج البلاغة: ج2، ص183، خطبة203.
[38] الإربلي، علي بن عيسى، كشف الغمّة: ج 2، ص240.
[39] الصدوق، محمد بن علي، معاني الأخبار: ص289.
[40] المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين(عليه السلام): ص70.
[41] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص423.
[42] الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج1، ص293.
[43] الأشوس: الجريء على القتال. والأقعس: الثابت العزيز المنيع.
[44] المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين(عليه السلام): ص226.
[45] الصدوق، محمد بن علي، معاني الأخبار: ص289.
[46] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص120.
[47] النساء: آية59.
[48] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص276.
[49] الحسكاني، عبد الله بن أحمد، شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: ج1، ص189.
[50] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص186.
[51] ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي، تحف العقول: ص245.
[52] الحجرات: آية12.
[53] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج75، ص222.
[54] الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج8، ص599.
[55] نهج البلاغة: ص348، خطبة226.
[56] النوري، حسين، مستدرك الوسائل: ج3، ص467.
[57] الديلمي، الحسن بن محمد، إرشاد القلوب: ج1، ص27.
[58] القاضي المغربي، النعمان بن محمد، دعائم الإسلام: ج1، ص221.
[59] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص129.
[60] اُنظر: القمّي، عباس، منازل الآخرة: ص79.
[61] الأنبياء: آية1.
[62] الأنعام: آية158.
[63] الحراني، ابن شعبة، تحف العقول: ص240.
[64] الديلمي، الحسن بن محمد، إرشاد القلوب: ج1، ص30.
[65] الديلمي، الحسن بن محمد، أعلام الدين في صفات المؤمنين: ص 289.
[66] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص28.
[67] النجفي، هادي، موسوعة أحاديث أهل البيت(عليهم السلام): ج4، ص400.

المصدر: مؤسسة وارث الأنبياء
https://www.warithanbia.com/?id=2330

لینک کوتاه