اضواء على مسيرة الاربعين

نظراً لأهمية واقعة الطف ، كانت موضع بحث و تمحيص على الدوام : لماذا عاشوراء و نهضة سيد الشهداء ؟. لقد قيل الكثير في هذا الشأن ... غير أن القدر المسلّم به هو ان الامام الحسين تقدّم الى ساحة الوغى رافضاً الاستسلام للظلم ، و مشمّراً عن ساعده في الدفاع عن عزته و كرامته . ان معنى و مفهوم مقولة " هيهات منّا الذلة " ، التي تتردد على ألسنّا جميعاً ـ و ان شاء الله تتجسدعملياً ـ ، هو أننا لا نخضع للذل.. ولا يعني ذلك أن الثمن الذي يدفع لإحقاق الحق و احياء الدين مهمّاً بالنسبة لنا.. من الممكن ان يضحي الكثير منّا بماله وحياته و أسر ابنائه ، ولكن في عاشوراء تمت التضحية بكل ما يمكن تصوره في هذا الطريق . و هذا درس لنا بحد ذاته .. فاذا ما تعرفت على الحق فلا ينبغي ان تخشى الثمن . اذا ما توقف هدفك على دفع الثمن فلا تتردد .. وفي عصرنا الحاضر ثمة من كان مصداقاً حقيقياً لذلك ، ألا و هو الامام الخميني الكبير . حيث قيل له : نقتلك .. نحرمك من المرجعية .. و من ثم قاموا بنفيه ، و قتل نجله البكر ، إلا انه واجههم بكل ثبات . نحن نرى في سيرة الائمة (ع) ثمة تأكيد على زيارة الاربعين . خاصة ان هذه الظاهرة كانت موجودة في عصر الامام الباقر (ع) ، و قد افادت الكثير من الروايات بأن زيارة الاربعين تعتبر من علامات المؤمن الخمس . لذلك عندما نتصفح التاريخ نرى ان ثمة تأكيداً كبيراً على هذه الزيارة منذ عصر الائمة (ع) . حيث كان القبول بأصل الزيارة بمثابة احد علامات المؤمن ، و استعراض حقيقي لمسيرة التشيع ، وموضع اهتمام المستضعفين والمتدينين .

اضواء على مسيرة الاربعين

نظراً لأهمية واقعة الطف ، كانت موضع بحث و تمحيص على الدوام : لماذا عاشوراء و نهضة سيد الشهداء ؟. لقد قيل الكثير في هذا الشأن … غير أن القدر المسلّم به هو ان الامام الحسين تقدّم الى ساحة الوغى رافضاً الاستسلام للظلم ، و مشمّراً عن ساعده في الدفاع عن عزته و كرامته .
ان معنى و مفهوم مقولة ” هيهات منّا الذلة ” ، التي تتردد على ألسنّا جميعاً ـ و ان شاء الله تتجسدعملياً ـ ، هو أننا لا نخضع للذل.. ولا يعني ذلك أن الثمن الذي يدفع لإحقاق الحق و احياء الدين مهمّاً بالنسبة لنا.. من الممكن ان يضحي الكثير منّا بماله وحياته و أسر ابنائه ، ولكن في عاشوراء تمت التضحية بكل ما يمكن تصوره في هذا الطريق . و هذا درس لنا بحد ذاته .. فاذا ما تعرفت على الحق فلا ينبغي ان تخشى الثمن . اذا ما توقف هدفك على دفع الثمن فلا تتردد .. وفي عصرنا الحاضر ثمة من كان مصداقاً حقيقياً لذلك ، ألا و هو الامام الخميني الكبير . حيث قيل له : نقتلك .. نحرمك من المرجعية .. و من ثم قاموا بنفيه ، و قتل نجله البكر ، إلا انه واجههم بكل ثبات .
نحن نرى في سيرة الائمة (ع) ثمة تأكيد على زيارة الاربعين . خاصة ان هذه الظاهرة كانت موجودة في عصر الامام الباقر (ع) ، و قد افادت الكثير من الروايات بأن زيارة الاربعين تعتبر من علامات المؤمن الخمس . لذلك عندما نتصفح التاريخ نرى ان ثمة تأكيداً كبيراً على هذه الزيارة منذ عصر الائمة (ع) . حيث كان القبول بأصل الزيارة بمثابة احد علامات المؤمن ، و استعراض حقيقي لمسيرة التشيع ، وموضع اهتمام المستضعفين والمتدينين .
الاهداف الاستراتيجية لمسيرة الاربعين
تعد مسيرة الاربعين اعظم تجمّع ديني في العالم ، تقام كل عام بمدينة كربلاء بمناسبة اربعينية الامام الحسين ، في ذكرى مرور اربعين يوماً على استشهاده . حيث يشارك في هذه المسيرة ـ بشوق و شغف لا نظير له ـ الملايين من المسلمين من انحاء العالم ، اضافة الى اعداد كبيرة من اتباع الديانات الأخرى ، حيث يقطعون الطريق بين النجف و كربلاء ـ ثمانون كيلومتراً تقريباً ـ سيّراً على الاقدام ، متوجهين الى مرقد الامام الحسين (ع) .
يجسّد الحدث بكل مهابة وعظمة ، احد مظاهر التضامن و التعاضد و الاتحاد بين المسلمين بكافة انتماءاتهم الدينية و الثقافية . و لهذا ينظر الى مسيرة الاربعين بمثابة فرصة لترسيخ الروح المعنوية و الدينية ، و التأمل في فحوى الحياة ، و تعزيز الارتباط بالله و بأئمة أهل البيت .
مسيرة الاربعين تستحضر شجاعة و تضحيات الامام الحسين واصحابه ، في مواجهة الظلم و الطغيان ، و تستلهم المقاومة و الثبات في التصدي للقهر و الاسستبداد وغياب العدالة الاجتماعية .
و من خلال المشاركة في هذه المسيرة المليونية الحاشدة ، يتطلع الحضور في الحقيقة الى تجديد العهد مع مبادىء الامام الحسين و اهدافه ، و احياء واقعة عاشورء باعتبارها انموذج البطولة و التضحية . ذلك ان هذه المسيرة تشكّل فرصة لنشر تعاليم عاشوراء و إبلاغ رسالة الامام الحسين الى المجتمع الانساني التي تتجلى في : احقاق الحق ، ارساء العدالة ، مقارعة الظلم ، و التضحية في سبيل الله .
ان هذا التجمع العظيم لشعوب العالم الاسلامي ، من خلال مشاركة الملايين من عشاق و متيمي مدرسة عاشوراء ؛ على درجة من الابهة و العظمة يصعب وصفه و الاحاطة بابعاده . و لكن اذا ما اردنا نعت هذا التقارب و التعاضد المفعم بالرقي المعنوي في سياق الاطر العلمية ، نستطيع ان نتحدث عنه من خلال اربعة ابعاد هي : البعد الديني ، الثقافي ، السياسي ، و الاقتصادي ، و ذلك على النحو الآتي :
من منظار ” ديني ” تعتبر هذه المسيرة إنموذجاً وتجلياً للاقتداء و التأسي بالولاية و الزعامة الدينية . ذلك ان زيارة اهل بيت العصمة و الطهارة ، تعد احد الشعائر الدينية الهامة في الاسلام . و ان مسيرة الاربعين فرصة مناسبة لتجسيد و ترجمة هذه السنّة الالهية .. فمن خلال قدومهم من شتى بقاع الارض و مشاركتهم في هذه الطقوس و الشعائر ، يجدد المسلمون الشيعة عهدهم مع مبادىء و اهداف عاشوراء ، ومحاولة الابقاء على ملاحم التضحية والفداء التي جسّدها الامام الحسين و شهداء كربلاء حيّة فاعلة .. كذلك تعتبر المسيرة تدريب عملي على الصبر ، و العفو ، و الاستقامة ، و العطاء ، و بالتالي مدعاة لتقوية الايمان و المعنويات ، و التربية الروحية و الاخلاقية ، و التجربة المعنوية الشخصية . و فضلاً عن ذلك يعد التضامن و التعامل و الاتحاد مع الآخرين في ظلال عبادة دينية ، تجربة قيّمة تتجلى بوضوح في مسيرة الاربعين و يمكن مشاهدتها عن كثب .
أما البعد ” الثقافي ” لهذا الحدث التاريخي ، يعتبر هو الآخر ملفتاً و حياتياً . ذلك ان هذه المسيرة تشكّل فرصة فريدة لتعريف العالم بثقافة اهل البيت (ع) ، و بالاسلام و التشيع .. ذلك ان مسيرة الاربعين تمثل عاملاً هاماً في تدعيم التكاتف والتعاضد بين الشيعة وكافة المسلمين في انحاء العالم ، و نشر ثقافة التفاني والايثار ، و المقاومة ، والشهادة . ذلك ان خلق اجواء مفعمة بالامل و النشاط و خوض الصعاب ، و التلاقح بين الثقافات ، و التعرف على عادات و تقاليد الشعوب ، كل ذلك يشكل جانباً آخر من المزايا الثقافية لهذه الشعائر.. ان التنوع الثقافي و اللغوي الذي يقف الى جوار بعض في نطاق أسرة اسلامية كبيرة ، يشكّل فرصة قيّمة لحفظ و نشر الموروث الثقافي و التاريخي للانسانية من خلال محورية واقعة كربلاء . كما ان المبادىء و القيم الانسانية المستلهمة من واقعة عاشوراء ، تساعد في الارتقاء بروحية التعاون و العمل الجماهيري المنظم . ومثل هذه المسيرة المليونية الحاشدة بوسعها تعزيز التقارب و التعاضد الاجتماعي و الثقافي بين شعوب المنطقة .
و يتجلى البعد ” السياسي ” لمسيرة الاربعين ، في لفت الانظار الى التضامن الديني الذي يتجلى في التجمع الكبير للزائرين القادمين من داخل البلاد ، ومن خارج الحدود ، المتعدد القوميات و اللغات .. وان تأكيد هذا الحدث على مبدأ السيادة الدينية ـ الالهية في كافة ابعاد حياة الانسان ، و الاعلان بصراحة عن رفضه المطلق لحكم الطاغوت ، يمهد الارضية لظهور دولة المصلح العام ، الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ، و مقارعة الظلم و الاستكبار في كل اشكاله و صوره . كل ذلك يشكّل بحد ذاته أحد اهداف هذه المسيرة .
و لا يخفى ان هذه الظاهرة الفريدة من نوعها ، خير من يجسّد التضامن الاسلامي في مواجهة الصعوبات و التحديات ، و التصدي للاعداء في الداخل و الخارج ، و ترجمة القدرة الحقيقية للاسلام الاصيل ، في مقابل الاسلام الذي عمل المستكبرون على تحريفه .
مسيرة بهذا الحجم و هذه المؤهلات ، تعلن للعالم اجمع و بصوت صادح ، عن ادانتها لكل المستكبرين و الطغاة و المستبدين ، و تلفت انظار شعوب العالم الى نموذج حقيقي لدولة الصالحين و المستضعفين . و ان تنامي و تعزيز العلاقات بين المسلمين بمختلف مذاهبهم و قومياتهم ، و كل دعاة العدالة في العالم ، بوسعه ايجاد مقولة امنية جديدة بمشاركة جماهيرية طوعية في مواجهة الارهاب الداخلي و الخارجي . و هذا ما يدل على بعد آخر من الابعاد السياسية لهذا الحدث العالمي .. كما ان الدفاع الاقليمي و الدولي عن المبادىء والقيم و الاهداف الاسلامية في مواجهة الاعداء ، و التمرين العملي في ترجمة الاسس و الاركان الحضارية ( الامن ، السياسة ، الاقتصاد… ) فيما وراء الحدود الجغرافية الاعتبارية ، الوطنية ، القومية و نظير ذلك ؛ يمثل هو الآخر احد الاهداف السياسية لهذه المسيرة المليونية .
كما لا يخفى البعد ” الاقتصادي ” للتجمع الجماهير الكبير المشارك في مسيرة الاربعين . ذلك ان هذه المسيرة تقدّم نموذجاً حيّاً للاقتصاد القائم على القيم الدينية و الاخلاقية ، و تعبّر عن الاقتصاد الاسلامي و ترجمة تداعياته ، في مقابل الاقتصاد الغربي الدنيوي .. ان تمهيد الارضية للتعاون الاقتصادي بين الدول الاسلامية و دول المنطقة ، يشكّل تحرّكاً نحو التنمية و الازدهار الاقتصادي في مجال التجارة الاقليمية و الدولية ، وخلق فرص عمل و تطوير الصناعات و الخدمات على الصعيد المحلي و الاقليمي و الدولي ، و بالتالي تأثير ذلك على النمو الاقتصادي بموائمة الاجهزة المتصلة بالنظام المصرفي ، المواصلات ، الصحة و العلاج ، الامن و الخدمات الاجتماعية ، تطوير السياحة الدينية . كل ذلك يمثّل جانباً من البعد الاقتصادي .
و اخيراً، ان مسيرة الاربعين الكبرى ، ونظراً لما تختزنه من ابعاد دينية وثقافية وسياسية واقتصادية ، تشكّل فرصة فريدة لنشر القيم الاسلامية و الانسانية ، و تدعيم التضامن والاتحاد بين المسلمين و تعزيز التواصل بين دعاة العدالة في العالم ، و تجسيد القوة الحقيقية للاسلام الاصيل في مواجهة الظلم و الاستكبار.
ضيافة العراقيين في مسيرة الاربعين
مسيرة الاربعين الكبرى ، انموذج للتضامن والايمان والمودة لأهل البيت (ع) ، حيث تستقطب في كل عام ملايين الزائرين من انحاء العالم للتوجه الى كربلاء .. و في هذه الايام المباركة يبذل الشعب العراقي بكل فخر و اعتزاز ما بوسعه لاستضافة الزائرين على مدار الطرق الطويلة المؤدية الى كربلاء.. ان الايثار والمحبة غير المتناهية التي يتحلى بها العراقيون، و التي تتجلى في تقديم الطعام ، و المياه ، و توفير امكان الاستراحة و الخدمات الطبية الى غير ذلك للزائرين ، يجسّد صورة رائعة للروح الاسلامية الحقيقية و القيم الانسانية السامية.. ان هذا التعاضد و الايثار، لا يعزز الهدود و الاطمئنان في قلوب الزائرين فحسب ، و إنما يوجد ارتباطاً وثيقاً وخالداً بين الشعوب الاسلامية .. ان هذه الضيافة و هذا الايثار كان مثار اعجاب و تقدير من قبل المؤسسات و المسؤولين الايرانيين خاصة سماحة القائد المعظم ، على الدوام . و فيما يلي نشير الى نموذجين مما ورد على لسان سماحة القائد المعظم :
 ان حسن الضيافة و حرارة الاستقبال التي يحظى بها زوار الاربعين الحسيني، تعد سمة أخرى من السمات البارزة التي يمتاز بها الشعب العراقي .. ان هذا السلوك المفعم بالعشق المعنوي ، أمرّ في غاية الاهمية ويستحق الاعجاب و التقدير في العالم المادي المعاصر، الذي لم يتعرف بشكل سليم بعد على حقيقة هذه الفضيلة التي يمتاز بها الشعب العراقي . ( سماحة القائد المعظم ـ 27/3/1394 شمسي )
 مسيرة زيارة الاربعين ، نموذج للعلاقة الودية بين الشعبين الايراني و العراقي ، بحيث ان العراقيين لا يألون جهداً في استقبال الزوار الايرانيين ، واحاطتهم بكل كرم و مودة و صدق واخلاص .
(سماحة القائد المعظم ـ 3/9/1394 شمسي)
البعد العالمي لمسيرة الاربعين
تضطلع ظاهرة الاربعين بدور هام في استمرار واقعة عاشوراء . و لولا الدور البطولي لحاملة نداء الرسالة السيدة زينب (سلام الله عليها) بدء من عاشوراء و انتهاء بالاربعين ، ربما لما استمرت نهضة الامام الحسين تاريخياً بهذا النحو ، و لما وصلت الينا حقائق واقعة كربلاء بالصورة التي عليها الآن .. و لا شك ان حادثة بهذه الاهمية قابل للبحث و التحليل من جوانب عديدة .
الارتباط الملحمي ـ العاطفي
مشاركة الجماهير المليونية في مسيرة الاربعين ، على الرغم من كونها سلوك جمعي في ابعاد مليونية ، غير ان المشاركين في هذه المسيرة ، وفي ذات الوقت الذي يتواجدون فيه داخل الجموع ، هم في خلوة مع ربّهم و مع انفسهم ، وفي حالة من التذرع والتوسل بسيد الشهداء و مولى المتقين و الائمة الاطهار .
ان هذا الارتباط العاطفي و الحماسي مع سيد الشهداء ، يضطلع بدور اساسي في اسلامية حياة الافراد . ذلك ان فلسفة عاشوراء في الاساس عبارة عن احياء الدين و صيانة الاسلام المحمدي (صلى الله عليه و آله) . و ان مثل هكذا سلوك مفعم بالمعنوية والشوق و المشاعر و الحماسة ، يساعد الى حد كبير في بلورة الهوية الدينية للفرد و تدعيمها و انسجامها .
احياء الهوية الدينية
الهوية من جهة تدل على التشابه و التوحد ، و من جهة أخرى على التباين و التمايز. بمعنى ان مجموعة ما يوجد بين افرادها من ناحية ، نوع من التشابه فيما بينهم في اطار محدد و بناء على عناصر الهوية . و من ناحية أخرى ، وخارج هذا الاطار و بعيداً عن الحدود الرمزية ، تتمايز هذه المجموعة عن غيرها و يتم تحديدها بناء على السمات التي تختص بها و تميزها عن الآخرين .
في مسيرة الاربعين الكبرى ، التساوي و الاشتراك بين الافراد الذين قدموا من انحاء العالم للمشاركة، يولّد لديهم نوعاً من الشعور و الاحساس بالهوية المشتركة ، ربما لا يتوافر لدى نفس هؤلاء الاشخاص في مكان آخر يضم هذا الحجم و التعداد من الاشخاص ممن يمتلكون الفكر و الاحساس و الاعتقاد المشترك .. ان الاحساس المتدفق بـ ” الأنا ” ، و الكثرة و الحضور الواسع الخاص بهوية ما ، يساعد في ارساء و تثبيت هذه الهوية الى حد كبير.. وفي مسيرة الاربعين ، الاهتمام بالمسار و المقصد الذي يولد شعور بالتعهد ازاء نهضة سيد الشهداء ، و الايمان ببقاء ذكرى الامام الحسين حيّة فاعلة بصفته محيّ الاسلام ، يساعد الى حد كبير في ترسيخ الهوية الدينية و الثقافة الحسينية الملحمية .
ان اقامة مؤتمر الاربعين الفريد من نوعه في ظل هكذا اجواء و مكان و زمان ، التي كانت الى فترة قريبة هدفاً لتهديد حقيقي من قبل الارهابيين الدواعش و المتغطرسين الاميركان الجناة ، تشير بوضوح الى شعور كبير بعظمة الـ ” أنا ” في قبال الآخرين ( النهج الاستكباري ، و التكفيري ، و … ). ان تعزيز الثقة و التضامن المتبادل الذي يتجلى بين المسلمين الشيعة في هذه المسيرة ، إنما هو نتيجة الاواصر التاريخية ، و كذلك التفاهم البنّاء بين الشيعة في ايران و العراق ، و يعتبر ثروة اجتماعية قيّمة بالنسبة للبلدين . وفي الحقيقة ان تعزيز التناغم و الانسجام بين كل من الشباب ، الجامعيين ، القوى الامنية و الانتظامية ، المؤسسات و الاجهزة الخدمية لدى البلدين ، لتوفير افضل الخدمات لأكبر تعداد من الزائرين ؛ يلفت الانظار الى جانب هام من المؤهلات و الكفاءة في ارساء النظم و الامن ، الذي يشكّل بدوره عاملاً هاماً في تدعيم الثروة الاجتماعية الشيعية .
مسيرة الاربعين بمثابة مناسك سياسية
في مسيرة الاربعين الحافلة ، ثمة احساس عام بين المشاركين بأهمية التضامن لترسيخ و تدعيم التعاضد و التكاتف في اوساط المتدينين ، يحظى باهتمام واسع و كبير. كما ان محاول استبدال الاربعين الى مناسك عالمية من خلال تعميم هذا الحدث الى دول المنطقة ، و كذلك مشاركة غير المسلمين في هذا المؤتمر العظيم ، يضفي ابعاداً جديدة على هذه المناسك . ان مثل هذا التوجّه يعمل على تلاحم الزمان و المكان و المناخ . كما ان السلوك الجمعي بتوزيع المهام بين الضيوف و المضيّفين ، و كذلك الشعور العيني المشترك لأداء المناسك العبادية الظاهرية المشتركة ، يوجد احساساً عميقاً بالتواصل الجماعي و تعزيزه . و على الرغم من ان معظم المشاركين في المسيرة هم من المؤمنين بالتشيع و اوفياء للاسلام الثوري ، غير ان دائرة مثل هذا المؤتمر اتسعت اليوم لتضم ابناء السنة ، بل و من غير المسلمين ايضاً، و ارست نوعاً من التضامن البارز بين طلاب المعنويات و دعاة الحرية .. ان مثل هذا المؤتمر الذي يتمتع بأبعاد سياسية لا يمكن تجاهلها ، يقام في ضوء مناسك دينية لإحياء نهضة سيد الشهداء ، و يدلل ـ بنحو ما ـ على عالمية نداء الثورة الاسلامية الذي يستمد وجوده من مناسك عاشوراء الدينية .. ان تواجد مقولة الاسلام الثوري في مؤتمر الاربعين العظيم ، يلفت الانظار الى منبع التيارات و الانتفاضات التي كان لها أكبر الأثر في نجاح محور المقاومة بتقويض التيار المعارض لثقافة عاشوراء ، اي التيار السلفي الارهابي .
حماسة الاربعين و البعد الدولي
بالالتفات الى ان المرحلة الحالية تمثل العصر الثالث للحداثة ، أو ما يطلق عليها مرحلة ما بعد الحادثة ، التي تحظى بإثارة الشكوك ازاء بعض نصوص الحداثة ، إلا أنه على الصعيد العملي ، و خلافاً للتصور الذي يرى ثمة توجّه عالمي لتجاهل المعنويات والإبتعاد عن ما وراء الطبيعة والدين ، هناك احداث عالمية نظير الاربعين ، تفيد باحياء التوجّه المعنوي والدين على صعيد توجّهات اقليمية واسعة النطاق ، بل و حتى عالمية .. ان عجز داعش عن الاستحواذ على اهتمام العديد من الشعوب الغربية بتقديم صورة مزيفة عن الاسلام ، كان قد لفت الانظار الى رغبة هذه الشعوب بالتعرف على الاسلام الحسيني و العاشورائي ، الذي يحاول انقاذ الانسان و تحرره من الطاغوت ، في ذات الوقت الذي يقارع الظلم و يتصدى للجهل و التعصب الجاهلي .. و لا يخفى ان مسيرة الاربعين توحي بظهور معالم نشوء حضارة معاصرة و اقتدار عالمي جديد، على اساس توجّه عقلاني يؤمن بالقيم و المثل العليا. وما يذكر في هذا الصدد هو ان الاقتدار الذي تجلت طليعته بانتصار الثورة الاسلامية في ايران ، يمكن مشاهدة امتداده و تداعياتها في العراق و لبنان و سوريا و اليمن و …
و من الواضح ان ظاهرة الاربعين الحسيني بصدد بلورة نوعاً من التعايش السلمي الرائع بين الاعراق و القوميات و اللغات في مكان واحد ، الذي يمثل بدوره احد مستلزمات نشوء حضارة عالمية معاصرة.. و في ضوء ذلك يمكن القول ان مسيرة الاربعين تعكس صورة جميلة و بديعة من العلاقات و التواصل و شغف الانسان الذي ينتمي الى شعوب و قوميات متعددة ، بل و من اناس لا ينتمون الى التشيع ، و بذلك تترجم واحدة من أجمل واصدق و أحب صور التعامل بين بني الانسان ، التي لا يمكن توضيحها و تحليلها بأية نظرية من نظريات علم الاجتماع .. ان اجتماع بهذه المهابة والعظمة لأشخاص قدموا من شتى بقاع الارض ، يمكن اعتباره في الحقيقة بمثابة إنموذجاً لإلتفاف المجتمع الانساني حول الاهداف الالهية ..
ان مؤتمر الاربعين العالمي، و فضلاً عن استعراضه لمظاهر متعددة من الفضائل الاخلاقية نظير: الايثار ، الصبر ، مساعدة الآخرين ، المودة ، العواطف ، و مئات الخصال الانسانية السامية ، يلفت الانظار الى بلورة حركة اجتماعية على الصعيد العالمي ، تدعو البشرية الى اهداف حضارية عينية و حقيقية . و لعلّ هذا ما يدعونا للقول ان مسيرة الاربعين حركة شعبية تلقائية طوعية ذات دوافع الهية . ذلك ان الجماهير ، و انطلاقاً من معتقداتهم الدينية و المذهبية ، عملوا على احيائها و ادارتها بأحسن وجه . و الاهم من ذلك هو ان هذه الحركة تتم في ظل اوضاع تعج بالمخاطر و التهديدات و غياب الامكانات ، و وجود صعاب كثيرة . غير ان الجماهير تحاول ادارتها بكل مودة و رغبة باطنية و اندفاع ذاتي.

ملخص مقال
مسيرة الاربعين في ضوء علم الاجتماع السياسي

لینک کوتاه