مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

أصحاب الحسين (عليه السلام)

لم يعهد التاريخ لنبي ولا وصي من الأوصياء ولا لملك من الملوك ولا لزعيم من الزعماء ولا لقائد من قائدي الحروب أصحاباً كأصحاب أبي عبد الله الحسين بن علي سيد الشهداء عليه الصلاة والسلام، فإنهم صلوات الله عليهم كانوا ينظرون إلی حركات إمامهم وسكناته ويعملون ما كان يعمله عليه السلام ويتركون ما كان يتركه وكانوا لا يحيدون عن ذلك قيد شعرة. نهضوا مع الحسين عليه السلام غضباً لله ولرسوله وطلقوا الدنيا وما فيها وتآزروا وتكاتفوا علی إحقاق الحق وإبطال الباطل في نصرة ابن بنت نبيهم، باعوا هذه الدنيا الفانية بالحياة الباقية، ووقفوا مع سيدهم في وجه الكفر والإلحاد وقفة لم يسجلها تاريخ البشر لأحد من أبطاله.

أصحاب الحسين (عليه السلام)
بقلم: الشيخ جعفر النقدي
لم يعهد التاريخ لنبي ولا وصي من الأوصياء ولا لملك من الملوك ولا لزعيم من الزعماء ولا لقائد من قائدي الحروب أصحاباً كأصحاب أبي عبد الله الحسين بن علي سيد الشهداء عليه الصلاة والسلام، فإنهم صلوات الله عليهم كانوا ينظرون إلی حركات إمامهم وسكناته ويعملون ما كان يعمله عليه السلام ويتركون ما كان يتركه وكانوا لا يحيدون عن ذلك قيد شعرة.
نهضوا مع الحسين عليه السلام غضباً لله ولرسوله وطلقوا الدنيا وما فيها وتآزروا وتكاتفوا علی إحقاق الحق وإبطال الباطل في نصرة ابن بنت نبيهم، باعوا هذه الدنيا الفانية بالحياة الباقية، ووقفوا مع سيدهم في وجه الكفر والإلحاد وقفة لم يسجلها تاريخ البشر لأحد من أبطاله.
نعم لم يسجل التاريخ من عهد آدم إلی إلیوم أن سبعين رجلاً وقفوا في مقابلة سبعين ألفاً من الرجال، ولله در المبرور السيد حيدر الحلي قدس سره حيث يقول:
لقد وقفوا في ذلك إلیوم موقفاً *** إلی الحشر لا يزداد إلا معالیا
بكل ابن هيجاء تربي بحجرها*** عليه أبوه السيف لا زال حانيا
طويل نجاد السيف فالدرع لم يكن ** ليلبسه إلاّ من الصبر ضافيا
يری السمر يحملن المنايا شوارعا ** إلی صدره ان قد حملن الأمانيا
من القوم اقمار للندي وجوههم** تضيء من الآفاق ما كان داجيا

وصفهم سيدهم الحسين صلوات الله عليه لأخته الحوراء الأنسية زينب الكبری عليها السلام فقال:
إنهم يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل بلبن أمه.
ولما جمعهم عليه السلام وخطبهم بخطبته المشهورة ليكونوا علی بصیرة من أمرهم وأذن لهم بالانصراف عنه وأخبرهم أن آل أبي سفيان وأتباعهم لا یریدون غيره ولا حاجة لهم في سواه، وأنه يقاتلهم ولا يعطيهم بيده إعطاء الذليل وأنه مقتول لا محالة، فقال من جملة تلك الخطبة:
(أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً أوفی ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاهم الله عني خير الجزاء، ألا وإني قد أذنت لكم فأنطلقوا وأنتم جميعاً في حل ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل قد غشيكم فأتخذوه جملاً (
فأجابوه بلسان واحد:
)لم نفعل ذلك لنبقی بعدك لا أرانا الله ذلك).
ولما قال لبني عقيل حسبكم من القتل بمسلم فأذهبوا قد أذنت لكم، جرت دموعهم علی خدودهم وقالوا:
يا سبحان الله فما يقول الناس لنا تركنا شيخنا وسيدنا ولم نرم معه بسهم ولم نطعن برمح ولم نضرب دونه بسيف ولا ندري ما صنعوا به لا والله ما نفعل ذلك لكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلنا ونقاتل دونك حتی نرد موردك فقبح الله العيش بعدك.
وقام مسلم بن عوسجة فقال:
أنحن نخلي عنك وما عذرنا إلی الله تعالی، لا والله حتی أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ماثبت قائمة بيدي، والله لو علمت أني أُقتل ثم أُحرق ثم أُحيي يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك، فكيف وهي قتله واحدة، ثم الکرامة التي لا انقضاء لها أبداً، وقام زهير بن القين فقال:
والله وددت أني قتلت ونشرت ثم قتلت ونشرت ثم قتلت يفعل بي ذلك الف مرة وان الله دفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الصبيان من أهل بيتك.
ثم تكلم جماعة من أصحابه بما يشبه هذا الكلام فجزاهم الحسين عليه السلام خيراً، وانصرف إلی مضربه، ومن الذين أذن لهم الحسين عليه السلام بالانصراف جون مولی أبي ذر، وكان عبداً أسود، قال له الحسين عليه السلام:
يا جون أنت في حل مني إنما تبعتنا لطلب العافية.
فاستعبر باكياً، وقال: يابن رسول الله أفي الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم؟!، والله أن ريحي لنتن وإن حسبي للئيم وإن لوني لأسود فتنفس علي بالجنة فيطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيض وجهي، وهملت عيناه بالدموع فدعا له الحسين عليه السلام، ولما أخبر محمد بن بشير الحضرمي أن ابنه أسر في ثغر الري قال عند الله أحتسبه ونفسي ما أحب أن يؤسر وأبقی بعده، فبلغ الحسين عليه السلام قوله فقال له:
رحمك الله أنت في حل من بيعتي أمض وأعمل في فكاك إبنك.
فقال: أكلتني السباع حياً إن فارقتك.
قال عليه السلام:
فأعط ابنك هذه الأثواب يستعين بها في فداء أخيه.
فإعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار، وفي اللیلة العاشرة من المحرم وهي اللیلة التي قتلوا في صباحها قسموا أنفسهم أولئك الصفوة قسمين: القسم الأول الهاشميون ويرأسهم أبو الفضل العباس بن علي عليه السلام، والقسم الثاني الأنصار ويرأسهم حبيب بن مظاهر الأسدي، وصار كل قسم منها يطلب التقدم علی الآخر في الذب عن أبي عبد الله عليه السلام، فكان الهاشميون يقولون لا نترك أصحابنا يتقدمونا إلی القتال لأن الحمل الثقيل لا يقوم به إلاّ أهله، وكان الأنصار يقولون بل نحن نتقدم إلی الموت حتی لانری هاشمياً مضرجاً بدمه وهكذا كانوا يتنافسون علی طلب المنیة:

متنافسين علی المنیة بينهم *** فكأنما هي غادة معطار
يتسابقون إلی الكفاح ثيابهم*** فيها وعمتهم قناً وشفار
ولما مشي الحسين عليه السلام ومعه حبيب بن مظاهر إلی مصرع مسلم بن عوسجة فأدركوه وبه رمق من الحياة ، ومما قال له حبيب لولا علمي أني لاحق بك لأحببت أن توصي إلی فأجابه مسلم مشيراً إلی الحسين عليه السلام أوصيك بهذا، قاتل دونه حتی تموت فقال له حبيب لانعمنك عيناً.
هذا بعض ما يؤثر عن أولئك الأصحاب الكرام من المودة والوفاء لسيدهم الحسين عليه السلام ونصرتهم لمبدأه السامي من الانتصار للدين الحنيف والمكافحة عنه حتی النفس الأخير من أنفاسهم وبذلوا تلك النفوس الطاهرة الزکیة في هذه الغاية الشريفة التي تقتصر دونها الغايات ولم يقتل الواحد منهم حتی قتل العشرات أو المئات من أعداء دين الله، وما أحسن قول القائل فيهم:
تحملوا محناً لو بعضها حمل ال ***سبع الطباق هوت ضعفاً علی الترب
بساعة لو تكون الساعة اقتربت *** منها تكافئتا في شده الكرب
حيث الكريهة ترمي للسما شرراً *** كالقصر نيرانها من شده اللهب
وحين قامت علی ساق جثت غضباً *** لها بنو مضر الحمرا علی الركب
من تحتهم لو تزول الأرض لا نتضبوا*** علی الهوی هضباً أرسی من الهضب
أبطال حرب اذا عضوا نواجذهم *** لا منجد لأعاديهم سوی الهرب

وقلت انا من قصيده فيهم عليهم الصلاة والسلام:
وقام سبط رسول الله ليس يری*** لنصرة الدين إلاّ بذل مهجته
في فتيه عجنت في الذر طينتهم*** كف الهدی بقراح من محبته
لنصره طلقوا الدنيا وقد نهضوا***يسارعون إلی العقبی بصحبته
علی حفيظته شدوا الحبا وعلی*** أجسادهم لبسوا ابراد طاعته
كأنما الطف إذ في أرضها نزلوا*** افق السماء تراها في أهلته
من كل أبلج أن ليل الخطوب دجا** يهدي الأنام علی أنوار غرته
وكل ذي سطوه تحكي صوارمه ** علی جموع العدی أسياف عزمته
الروس تسجد إجلالاً لصارمه *** وتركع الهام تعظيماً لصعدته
يستقبل الموت مرتاحاً علی طرب *** كأن نيل الأماني في منيته
حتی إذا كشف الله الغطاء لهم *** وأبصروا النعمه العظمی بجنته
تسابقوا للقا حتی قضوا وغداً *** يثني الزمان لهم أسرار مدحته
إنّ نساء هؤلاء الكرام لم يكنَّ أقل مودة ووفاء للحسين عليه السلام وأهل بيته من رجالهن فأنهن رضوان الله عليهن كن بأعمالهن الخالدة يطلبن المواسات بل المساوات للرجال، فمنهن زوجة زهير بن القين الذي كان يساير الحسين في الطريق عند خروجه من الحجاز ويتباعد عنه ولما جاءه رسول الحسين عليه السلام يدعوة نظرتْ إلیه زوجته فرأته كالمتثاقل إلیه عليه السلام فأخذت تلومه علی ذلك قائله: يا سبحان الله يدعوك إبن رسول الله وتتثاقل، ثم أخذت تستفز حفيظته وتقوي عزيمته علی الالتحاق بالحسين عليه السلام، «ومنهن» زوجة حبيب بن مظاهر الأسدي حين أمرها بالإلتحاق بأهلها بكت بكاء عالیاً وقالت: والله لا أذهب فأنتم تشاركون الرجال ونحن نشارك النساء، فجاء إلی الحسين عليه السلام وقال: سيدي أبت الأسدية إلاّ مشاركتكم، «ومنهن» زوجة مسلم بن عوسجة التي قتل زوجها في المعركة دعت ولدها الذي لم يبلغ الحلم وشدت له سيف والده مقصرة له الحمائل ليجاهد دون سيده الحسين عليه السلام، «ومنهن» أم وهب بن حباب الكلبي وزوجته المجاهدتين هذه بيدها عمود الخيمة وتلك بالحجر الصلد، وهكذا بقیة الكريمات من نساء هؤلاء الأبطال فهل كان في العالم منذ نشأته إلی إلیوم أصحابٌ لأحد كهؤلاء الصفوة الكرام من رجال ونساء، كلا ثم كلا فجزاهم الله عن هذا الدين وأهله وعن الحسين وجده المختار خير جزاء المحسنين، ولعنه الله علی القوم الظالمين.(1)
________________________________________
1- مجلة الميزان -العماره- العدد- 27، 28- السنة الرابعة- 1367ه/ص19.

لینک کوتاه