مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

قيم ومبادئ وشخصيات

نكران الذات من أجل مبدأ ما، والفناء في فكرته بعيداً عن أي اعتبار صفة لا يسمو إلیها غير القلة من الأفذاذ. وتفاضل هذهِ القلة وتمايزها إنما يكون بقدر ما في مبادئها من السمو ثمّ بقدر ما تملكه من طاقات إيمانية بواقع هذهِ المبادئ وأقل القليل من تتجسد فيه فكرة مبدئه لتصبح واقعاً سلوكياً يحسه الجميع. والمبادئ هي الأخری إنما تتمايز وتتفاوت بمقدار ما تنطوي علیه من شمولية وعمق وأثمار. فالفکرة التي لا تتناول بعطائها غير فئة من الناس لا يمكن أن تسمو بقيمتها إلی ما يتسع منها لأمته والتي لا يتجاوز عطاؤها أمه واحدة لا يمكن أن ترتفع إلی الفکرة ذات النزعة الإنسانية الشاملة.

قيم ومبادئ وشخصيات
بقلم: السيد محمد تقي الحكيم/ عميد كلية الفقه
بسم الله الرحمن الرحيم
نكران الذات من أجل مبدأ ما، والفناء في فكرته بعيداً عن أي اعتبار صفة لا يسمو إلیها غير القلة من الأفذاذ.
وتفاضل هذهِ القلة وتمايزها إنما يكون بقدر ما في مبادئها من السمو ثمّ بقدر ما تملكه من طاقات إيمانية بواقع هذهِ المبادئ وأقل القليل من تتجسد فيه فكرة مبدئه لتصبح واقعاً سلوكياً يحسه الجميع.
والمبادئ هي الأخری إنما تتمايز وتتفاوت بمقدار ما تنطوي علیه من شمولية وعمق وأثمار.
فالفکرة التي لا تتناول بعطائها غير فئة من الناس لا يمكن أن تسمو بقيمتها إلی ما يتسع منها لأمته والتي لا يتجاوز عطاؤها أمه واحدة لا يمكن أن ترتفع إلی الفکرة ذات النزعة الإنسانية الشاملة.
ثمّ الفکرة ذات الشمول والاتّساع هي نفسها متفاوتة فيما بينها أشد التفاوت فبعضها ذات بعد واحد تتسع به أفقياً لا غير، وبعضها ذات أبعاد تكثر وتقل تبعاً لإمكانيات مشرعيها ومدی اتساع آفاقهم الخاصة.
وخير الأفكار ما صنعت الإنسان في مختلف أبعادة حتی الزمانية منها وخير القائمين علیها ما تجسدت فيهم هذهِ المبادئ فحولها إلی فكرة حية موحية.
وإذا صح هذا التقييم عدنا إلی واقع ما نعرف من أفكار ومبادئ وأشخاص لتقيمها علی هذا الأساس.
والّذي أظنه أننا في غنی عن أي ادعاء بأن كل ما نعرفه من مبادئ لا تتجاوز في شموليتها بعض جوانب الإنسان لأنها تجهل أبعادة وما تراه من أبعادة فهو لا تتجاوز السطوح وأظن أننا في غنی أيضاً عن التأكيد علی إنه لا يفهم الإنسان ككل سوی خالق الإنسان وبالطبع إن خالق الشيء أعرف بمقوماته وعناصره من غيره.
فالإنسان ليس جسداً فحسب لنعالج قضاياه علی أساس من مقومات الأجساد وليس روحاً خالصة لتعالج مشاكله علی أساس من قضايا الروح ثمّ هو ليس فرداً مجرداً لتستأثر فرديته بأدوار العلاج ولا شخصية مجردة عن مقومات الفرد لننظر قضاياه علی أساس جماعي.
فالدعوات التصوفية التي لا تؤكد علی غير الروح، والدعوات المادیة التي لا تؤكد علی غير الجسد والدعوات ذات الجانب الفردي أو الجماعي، كل هذهِ الدعوات فيها سطحية منشؤها الجهل بواقع الإنسان وبخاصة تلك التي لا تؤمن بغير العامل الموحد لتقتطع علی أساس جانباً من جوانب الإنسان فتؤكد علیه كالشيوعية مثلاً في إيمانها بالجانب الاقتصادي ودوره في خلق المشاكل وحلها علی الإطلاق.
وقيمة الإسلام – بعد ذلك في نظرته الشمولية الواسعه ذات الأبعاد المتکثرة فهو بالنظرة إلی إصلاح الإنسان من خارجه بل يحاول التغلغل في نفسه إلی الأعماق فهو معه في مختلف جوانبه.
فالإسلام إنساني النزعة لا تقف دون انطلاقته حدود من زمان أو مكان أو لغة أو جنس.
والإسلام تكاملي النزعة فهو لا يؤمن بالتجزيئية في نظرته ولا يخطط علی أساس من البعد الواحد فالإنسان عنده ذو أبعاد يتصل بعضها بربه وبعضها بنفسه كفرد وثالث بمجتمعه ورابع ببيئته وعصره فهو عندما يبرمج وسائل الإصلاح لا يغفل بعداً من هذهِ الأبعاد وأكثر هذهِ الوسائل متشابكة في تشريعاته.
فمن أراد أن يفهم الإسلام لا يسوغ له أن يقتطع جانباً من جوانبه ويسلط النظر علیه كما لو كان قائماً وحده.
فالمرأة في الميراث مثلاً لا يسوغ لها أن تعترض المشرع في تقليل نصيبها منه ومضاعفة نصيب الرجل ما دام قد قدر لها الإسلام أن تعيش في مجتمع يقوم علی نظام الأسرة وتنهض علی أكتاف الرجل فيه وحده جميع مسؤوليات البيت وتكالیفه المادیة وهي معفاه من كل تكليف وليس من العدالة أن نصانع نصف الأمة علی حساب نصفها الآخر دون أن نراعي في تشريعاتنا مختلف الجوانب.
وإذا عرفنا قيمة الإسلام وأردنا أن نجعله المنطلق إلی تقييم شخصياته وجدنا في القمة بالمقياس الذي ذكرناه في بدایة الحديث قلة من الناس تحولوا في واقعهم إلی الإسلام متجسد يتمثل لديهم في مختلف مجالات السلوك.
وهذه القلة ذات الإمكانيات النادرة ما كان من الممكن أن نأخذ مكانتها من القمة لولا أن تصمم عناصرها المكتسبة وفق مخطط تربوي بنيت ركائزه علی أساس من الواقع الإسلامي عن أن يرافقها هذا التصميم.
ليصنعها وفق ذلك الواقع من جهة ويبعدها عن جميع المجالات اللاإسلأمیة، من جهة أخری ولولا هذا التصميم والبناء بالإضافة إلی ما تملكه هذهِ القلة من إمكانيات طبیعیة لما أمكن أن يتجسد فيها الإسلام.
وأظن أن هذا النوع من الفهم لواقع هذهِ القلة هو الذي يقوي علی تفسير ما انطوی علیه سلوك النّبي صلی اللهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّم مع النخبة من أهل بيته الكرام وإلا فإن مقام النبوة يقتضينا أن ننزه جميع الاعتبارات العاطفية في مجالات التشريع وكل سلوكه تشريع.
فليس من الصدفة أن يعمد صلی اللهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّم إلی حسين مثلاً فيحتضنه من بدایة حياته كما احتضن أباه وأخاه من قبل ثمّ يتولی تربيته بيده الکریمة وفق مخطط إسلامي متكامل ثمّ يلقي بذلك المخطط إلی أبيه ليتم تربيته علی أساس من بعده وهو يعده للقيام بشؤون رسالته ثمّ يؤهله هذا المنصب الكبير عندما يوحد بينه وبين نفسه من حيث ما يتصل بهما من الوظائف العامة بأمثال هذهِ الكملة الخالدة:
«حسين مني وأنا من حسين».
وكأن و جهة نظر المشرع في ذلك ما كان يعلم به من أن العقيدة -أيه عقیدة- لا تحقق نفسها جماعياً ما لم تتحول إلی واقع سلوكي يتمثل في طبیعة القائمين علیها لأن الناس -كل الناس- لا يقوون علی التفكيك بين الرسالة وسلوك الناهضين بها من الحكام والحماه فالحاكم المتفسخ والحاكم المزدوج الشخصية والحاكم المستأثر بمقدرات الشعوب كل أولئك لا يمكن أن تؤمن شعوبهم بواقع دساتيرهم وأن تبنت أقدس المفاهيم وأشرفها وربما تأثروا هم في سلوكهم المنحرف أكثر من تأثرهم بطبیعة تلكم الدساتير ومن هنا قيل أصلح الحاكم يصلح المحكوم ولقد رأینا كمثل علی ذلك مدی انهيار الإسلام في نفوس معتنقيه عندما رأینا انهياره من نفوس الحاكمين باسمة طيلة أيام الحكم الأموي.
والحقیقة أن الشعوب كالأفراد لا تصح شخصياتها وتسلم عن الانحراف إذا لم تبن عناصرها علی أسس تربوية سليمة فالتربية السليمة هي الأساس في بناء شخصيات الشعوب والأفراد علی السواء.
وعلامه الصحة فيها من وجهة نفسیة أن نعرضها لاختبار دقيق ثمّ ننظر ما ينجم عن ذلك الاختبار وعلی أساسة يتم الحكم لها أو علیها وما أقل ما يخرج من ذلك الاختبار وهو سليم معافي وسلام الله علیك أبا الحکمة البالغة حين أرسلتها کلمة خالدة:
«الناس عبيد الدنيا والدين لعق علی ألسنتهم يحوطونه ما دارت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون».
وعلی هذا فالتربية المصممة وفق الأسس الإسلامية الصحیحة هي الركيزة لسلامة الشعوب شريطه أن تتبنی علی أساسها في مختلف المجالات والانحراف عنها انحراف عن مقوماتها الحياتية واقتراب من أهم عوامل التحلل والفناء ولقد رأینا بأعيننا نتائج ابتعادنا عن هذهِ التربیة حين أدرك المستعمر قيمة بناء الأمة علی أساسها فحاول إقصائها عن برامجه العلمانية التي فرضها علی بلادنا ونشأ جيلاً من أبنائنا علیها ثمّ أراد أن يلتمس نتائج هذا الابتعاد فعرضنا بوسائله الملتوية لشيء من الاختبار والتمحيص وكان ما كان من نتائج ذلك الاختبار.
لقد تساءلت في غير هذا الحفل عن طبیعة هؤلاء الّذين الحدوا في دينهم وتنكروا لمقدساتهم وانتهكوا أعراضهم وسفكوا الدماء البريئة بوحشية الذئاب الحاقدة هل استوردناهم من بلد أجنبي أو إنهم كانوا أبنائنا وبناتنا فهل قدر لكم أن تسألوا أنفسكم لماذا انحرف هؤلاء وهم من أبناء من تسموا علی الإسلام ثمّ لماذا فزعوا إلی هذهِ المبادئ المستوردة مع مجافاتها لطبیعة عقائدهم وتقالیدهم وأعرافهم ومن المسؤول عن ذلك كله ألسنا نحن المسؤولين أولاً وبالذات حين سلمنا أفلاذ قلوبنا إلی أياد غير أمينة لتصممها حسبما ترید(1).
________________________________________
1- مجلة النجف – النجف – العدد -9و10 – السنة الرابعة 1961م /ص18.

لینک کوتاه