مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

روح الله في هيكل بشري

لو تصفح متصفح كتب التاريخ بغية استطلاعه عن حیاة العظماء الّذين كانت لهم مآثر في الحياة وما زال التاريخ محتفلاً بذکریاتهم الخالدة التي تتجلی فيها العظمة ويشرق فيها الجمال كما تتعالی بالهيبة والعظمة، بديهي أنه يجد إن كل عظيم من عظماء الدهر له نوع خاص من السیرة لا تكاد أن تقترن بسیرة غيره من العظماء. والتاريخ الذي تكرست صفحاته بذکریات الحوادث والأحوال يعطينا عن حیاة كلّ عظيم درساً خاصاً فيه نوع من العبرة. وكل من شد التاريخ ودرس أحوال رجال الدنيا يعلم مراتب إمكانياتهم ودرجات منزلتهم من الرقي والعظمة، وإنّه قادر علی التمييز بين أحوالهم ومكاناتهم الإنسانية حيث يمكنه وذلك ضروري أن يواصل جهده لزاماً علیه في أن يزن كلا منهم في ميزانين اثنين؛ ميزان القيم الإنسانية، وميزان العظمة، فإن وجده في ميزان القيم ثقلاً لا جرم إنه في ميزان العظمة ثقيل أيضاً.

روح الله في هيكل بشري
بقلم: الأستاذ السيد صادق آل طعمة
لو تصفح متصفح كتب التاريخ بغية استطلاعه عن حیاة العظماء الّذين كانت لهم مآثر في الحياة وما زال التاريخ محتفلاً بذکریاتهم الخالدة التي تتجلی فيها العظمة ويشرق فيها الجمال كما تتعالی بالهيبة والعظمة، بديهي أنه يجد إن كل عظيم من عظماء الدهر له نوع خاص من السیرة لا تكاد أن تقترن بسیرة غيره من العظماء.
والتاريخ الذي تكرست صفحاته بذکریات الحوادث والأحوال يعطينا عن حیاة كلّ عظيم درساً خاصاً فيه نوع من العبرة.
وكل من شد التاريخ ودرس أحوال رجال الدنيا يعلم مراتب إمكانياتهم ودرجات منزلتهم من الرقي والعظمة، وإنّه قادر علی التمييز بين أحوالهم ومكاناتهم الإنسانية حيث يمكنه وذلك ضروري أن يواصل جهده لزاماً علیه في أن يزن كلا منهم في ميزانين اثنين؛ ميزان القيم الإنسانية، وميزان العظمة، فإن وجده في ميزان القيم ثقلاً لا جرم إنه في ميزان العظمة ثقيل أيضاً.
وإن خفت في ذلك موازينه الإنسانية كذلك تخف في هذا موازين عظمته، إذْ العظمة في الإنسان تتبع قيمه الإنسانية قبل كل شيء، وإن الوزن الأول هو خير من الوزن الثاني في ذينك المقياسين بالأثقال المعنویة.
وإن دل اتزانه علی وجود نقص في قيمه الإنسانية فلا يسمي إنساناً حقيقياً جامعاً للكمالات والمزايا الإنسانية لتجرده عن كامل قيمها والعظمة إذن بعيدة عنه بعد المشرقين.
لأن العظيم عظيم بإنسانيته ذات القيم الروحية والمثل العلیا المنشئة من فضائل المزايا الحسنة النبیلة التي لها أهميه كبری وهي الشريطة أن تكون منحصرة فيه بأسرها حتی تكون له شخصية تبالي بأكمل معانيها وأجمل صورها وأروع أياتها.
وإن كثيراً ممن سجلهم التاريخ واحتفل بذکریاتهم بعنوان إنهم رجال عظماء ولكنهم ليسوا بعظماء، لأنهم لو وزناهم في قسطاس القيم الإنسانية التي هي أساس عظمة الإنسان ولولاها لم يكن ولن يكون عظيماً مهما بلغت مكانته الاجتماعية من الرقي والتبجيل ومهما أشير بالبنان نجدهم خفافاً ليس لهم وزناً من القيم كاملاً وهم عن مثلها العلیا مجردون، إذْ هم لم يجملوا في الذات وسام الإنسانية الفريدة؛ ذلك الوسام النادر الذي هو جوهره روحية ومنحة الهیة أسمي، وهو بالحق عنوان لكل عظيم.
وكل منهم لو أردت أن تدرس حياته وتعرضها علی بساط البحث والتحليل بغية الاستفهام عن الغایة المتوخاة والبحث عن الضالة المنشودة تجدها تسفر لك عن نقص هائل في وجود ذاته ولعل هذا النقص أن يكون هو العضو الفعال والعامل الوحيد الذي يؤخره عن القافلة الإنسانية تأخيراً فتأخيراً.
وإذْ كان منان يسمی عظيماً وهو عن القيم الإنسانية عديم لم يكن عظيماً ولو كان في زمرة العظماء في التاريخ، وهؤلاء هم كثيرون، منهم معاویة الفاجر المنافق، وابنه الجائر الفاسق يزيد الطاغية، اللذان هما من الشجرة الملعونة التي:
(اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ).
إن العظيم عظيم إذا كانت عظمته قبساً من شعلة المؤهلات الروحیة التي تشرق ساطعة في بهو قالبه النفيس وهو القالب الإنساني المتكون من ومضات نور الإنسانية المثالية والناشئ من خالص جوهر فضائلها الصالحة، فلمثل هذهِ الإنسانية النزيهة التي تشع بالقيم الروحیة والمثل العلیا تكون العظمة عمادها.
وإذا سموت بالحق إلی درجة الإمكان من الفهم وذهبت مستقصياً الغرض المطلوب في آفاق الحقیقة تترأی لك العظمة بأوضح معانيها الجلیة الناصعة؛ فتری كأنها كالبركان المتوهج تنبثق في سماء العبقریة بالشخصية وعظمتها؛ وتلوح في أوج الآفاق تبدو بكل ألغازها الغامضة آية للناس وعبرة الدهر والتاريخ في عالم الخلود.
ولا تمثل هذهِ الإنسانية ولا تظهر هذهِ العظمة إلاّ في شخص بطل العروبة والإسلام وسيد الأباة والأحرار ومطلع نور الإنسانية ونور الإمامة وجلالها العظيم الإمام الشهيد الحسين بن علی علیهِ السَّلاَم الذي انبثق من ذات جبينه الطهور نور الله وانتشر في دنيا الوجود وغمر الكون ببهاء لآلائه الأبلج المبين، ذلك في يوم 3 شعبان المعظم في السنة الرابعة بعدالة جرة النبویة.
إنه الحق يوم مبارك بورك فيه بميلاد هذا الوليد الطاهر الميمون الذي فاح شذاه العابق فحملته نسائم فجر ذلك النهار الباسم الطروب وعطرت به أجواء الحياة ، وكان وما يزال يوم مولده الأغر للعالم الإسلامي عيداً سعيداً فيه كل المجد ومنتهي الفخر وغایة الإجلال والإعظام.
أجل: تلك إنسانية فذة تمثلت في تلك الشخصية الکریمة المثلی وتعالت كالروح الإلهي في هيكلها البشري وتلك عظمة عظمت فيه وليس فوق عظمتها إلاّ عظمة الله جلت عظمته.
ولست أغالی إذا قلت بأن الحسين علیهِ السَّلاَم بالإضافة إلی ما كانت تزدهر فيه تلك المؤهلات الروحیة بعناصرها الرجولية الحیة مما كانت هي نموذجاً من قدرة الله ولغزاً عجيباً من ذات روحه المقدسة ازدادت فيه أضعافاً مضاعفة من المؤهلات القدسية والإنسانية والشخصية والعظمة؛ وقد جاءت هذهِ الأضعاف المضاعفة إلیه من جوانب أربعة، وكل جانب منها هو ركن عظيم وهذه الجوانب هي: جده محمد صلی اللهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّم، وأبوه علی بن أبي طالب علیهِ السَّلاَم، وأمه الطاهرة فاطمة الزهراء علیها السَّلاَم، وأخوه الحسن الزكي المجتبي علیهِ السَّلاَم، وهناك جانب علوي آخر وهو الخامس وهو الجانب الأعظم وهو ذات عظمة الله التي في السموات والأرض التي تجلّی وأشرق نورها الزاهر في هؤلاء الخمسة وهم أصحاب الكساء (سلام الله علیهم أجمعين).
والحسين علیهِ السَّلاَم فضلاً عن ازدهار نور إمامته الخاصة وشخصيته وعظمته تنبثق في أرجاء نفسه السمحة الطاهرة هذهِ الأنوار الساطعة المعشية للإبصار تمثل فيه عظمة جده محمد صلی اللهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّم وعظمة أمه الزهراء وعظمة أخيه الحسن علیهِ السَّلاَم وعظمة الله التي هي أعظم منها وأعظم.
والحسين علیهِ السَّلاَم قدوة صالحة ومثال رائع ورمز سامي للعدالة والمساواة والشفقة والحنان والمروءة والوجدان والعطف والإيثار، ومثل أعلی في الکرامة والجود والسخاء، والجود هو سجية طيبة من سجاياه الحميدة، بل هو في الجود بحر خضم زاخر مصطخب الأمواج، والدليل علی ذلك تلك الأكرومة التي كانت وما تزال حسنة الواقع في القلوب وقد بقي صداها يرن في مسمع الأزمان منذ وقوعها حتی آخر الأبد، وهي رمز الجود وعبرة للمكرمين الأسخياء وهي:
في روایة لابن عساكر إنّ سائلاً في المدینة أتي باب دار الحسين علیهِ السَّلاَم وأنشأ يقول:
لم يخب الآن من رجاك ومن
حرك من دون بابك الحلقة
أنت جواد وأنت معتمد
أبوك قد كان قاتل الفسقة
إلی آخر ما قال فخرج الحسين علیهِ السَّلاَم ورأی علیه آثر ضر وفاقه وأمر قنبراً بإتيان النفقه المتبقیة حينذاك وهي تبلغ أربعمائة درهم فأتي بها وتناولها الإمام منه وفتح الباب قليلاً ودفعها إلی الأعرابي السائل وأنشأ يقول في جوابه:
خذها فإني إلیك معتذر
واعلم بأني علیك ذو شفقة
لو كان في سيرنا الغداه عصا
أمست سمانا علیك مندفقة
لكن ريب الزمان ذو غير
والكف منها قلیلة النفقة
فأخذها الأعرابي ومضی وهو يقول:
(اللّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
والحسين علیهِ السَّلاَم عظيم في المولد والتربیة والنشأه، وعظيم في الأخلاق والصفات المحمدیة الحسنة التي استطعمها في مهد العقيدة الصادقة من ثدي الإيمان الراسخ القويم وفي حجر النبوة من يد جده محمد صلی اللهُ علیهِ وَآلِهِ وَسَلَّم الذي كان يحبه حباً جماً وطالما كان يقول:
«حسين مني وأنا من حسين».
عظيم في السیاسة والبطولة والزهد والتقوی والامتثال لأوامر الله ونواهيه، عظيم في النسب العريق وفي التاريخ وعظيم في الدنيا والآخرة بل به وبجده وأبيه وأمه وأخيه والأئمة العظام من بنيه عظم التاريخ.
عظيم في الإمامة التي هي سر أكبر والسر نور، والنور قدس، والقدس روح الله تمثل في قالب إنساني مجيد وتعالی بتفوق غير محدود فوق مستوی المخلوق.
عظيم كيف لا وهو شبل العظام وأبو العظماء والسلام علی الحسين العظيم يوم ولد ويوم استشهد في سبيل الدين والحق والحریة والمبدأ. ويوم يبعث حياً(1).
________________________________________
1- في مولد الإمام الحسين بن علی (علیه السلام) – اللجنة الدینیة الأدبیة – كربلاء – الحلقة السادسة – 1958م /ص9.

لینک کوتاه