مقالات قدیمة في الإمام الحسين عليه السلام

ثورة الحسين وواقعنا الراهن

لقد دأب مدونو تاريخ العرب علی الإهتمام بالتاريخ الشخصي للملوك والقادة، فسجلوا - بإسهاب عظيم - حروبهم - وانتصاراتهم، ومجالس لهوهم، ولم يولوا الجانب الإجتماعي من الحياة الإسلامية - وهو ما يتصل بحیاة الأمة - إهتماماً وإن ضئيلاً، ومن هنا أضحی التاريخ عندنا بالنسبة إلی الجماهير مجرد انعكاس لحيوات سابقة لا يسهم في تكوين الشخصية الإنسانية، إنه قد يسهم في إثارة الحماس الخلاق تارة، والغرور المدمر أخری، ولكنه لا يسهم أبداً في تكوين شخصية إنسانية سوية متكاملة، ترتكز علی أصول إنسانية عريقة فلا نفقد محور الإرتكاز حين تتعرض لإمتحان قاسٍ لا يجتازه إلاّ الإنسان.. الإنسان.. وإن حقبتنا الحياتية الراهنة لتحتم علينا أن نتناول التأريخ تناولاً إنسانياً. تناولاً يتيح له أن يكون عاملاً مطوراً فيما يتعلق بموقفنا من الحياة والكون.

ثورة الحسين وواقعنا الراهن
بقلم: لجنة دار الأضواء – النجف
ما نريده، ونلح علی أنه ضروري لنا في مرحلتنا الثورية الراهنة هو أنسنة التأريخ، هو جعله ذا صلة بحياة الإنسان ومطامحه، هو إعداده ليندمج مع الكائن الإنساني في تركيب عضوي متفاعل متكامل، وليس مجرد انعكاس خاو لحياة إنسانية سابقة.
لقد دأب مدونو تاريخ العرب علی الإهتمام بالتاريخ الشخصي للملوك والقادة، فسجلوا – بإسهاب عظيم – حروبهم – وانتصاراتهم، ومجالس لهوهم، ولم يولوا الجانب الإجتماعي من الحياة الإسلامية – وهو ما يتصل بحیاة الأمة – إهتماماً وإن ضئيلاً، ومن هنا أضحی التاريخ عندنا بالنسبة إلی الجماهير مجرد انعكاس لحيوات سابقة لا يسهم في تكوين الشخصية الإنسانية، إنه قد يسهم في إثارة الحماس الخلاق تارة، والغرور المدمر أخری، ولكنه لا يسهم أبداً في تكوين شخصية إنسانية سوية متكاملة، ترتكز علی أصول إنسانية عريقة فلا نفقد محور الإرتكاز حين تتعرض لإمتحان قاسٍ لا يجتازه إلاّ الإنسان.. الإنسان..
وإن حقبتنا الحياتية الراهنة لتحتم علينا أن نتناول التأريخ تناولاً إنسانياً. تناولاً يتيح له أن يكون عاملاً مطوراً فيما يتعلق بموقفنا من الحياة والكون.
إن أمتنا الإسلامية تجتاز في هذه الحقبة أدق وأخطر مرحلة من مراحل كفاحها الطويل عبر العصور. لقد حققت انتصارات يجب أن نحافظ عليها، وتعمل في الوقت نفسه لتحقيق انتصارات جديدة. وهنا تكمن الخطورة في هذه المرحلة. إنها الآن حين تقنع بالانتصارات التي حققتها وتقعد عن محاوله تحقيق غيرها تتعرض لخطر فقد هذه الانتصارات نفسها. ولذلك فيجب أن نحمي هذه الأمة من نفسها. من تطرق الوهن والاستسلام إلیها. يجب ألا ترضي عن نفسها.
هذه واحدة…
وأخری.. وهي أنها: إذا صممت علی السير، ولم تهن، ولم تنكل، يخشی عليها من أن تزيغ وتنحرف في تطورها، إذا لم يكن عندها… في أعماقها محور ترتكز عليه، وترجع إلیه المحور نابع من شخصيتها التاريخية، وذاتيتها العقائدية.
وما يؤمنها من نفسها، وما يؤمنها من الزيغ والإنحراف في تطورها هو أن تعي تاريخها بعد تطهيره، فتأريخها هي – تأريخ الأمم- ليس تأريخ حروب حكامها وانتصاراتهم ومجالس لهوهم، وإنما هو تأريخ ثوراتها علی هؤلاء الحكام. إن ثورات الأمم هي التي تمثل روحها، ونضالها، وإيمانها، أما الحكام الذين ثارت عليهم فليسوا منها لو كانوا منها لما ثارت عليهم، لو كانوا منها لأحسوا بعذابها، ولما خلقوا بتصرفاتهم مبررات ثورتها.
إن تأريخ الثورات هو تأريخ الشعوب.
ولكي تبقی هذه الشعوب في يقظة دائمة لئلا تخدع عن انتصاراتها، ولكي تبقی في وعي دائم لعملها التطویری الذي تمارسه يجب أن تكون في ثورة دائمة علی أعدائها في الخارج والداخل لتحتفظ بانتصاراتها، وثورة دائمة علی نفسها، تتناول نفسها بالنقد، وتفحص موقفها دائماً، لئلا تنحرف وتزيغ، ولكي تبقی في ثورة دائمة تصحح بها أوضاعها من الداخل والخارج يجب أن تلقن تأريخ نفسها، تأريخ ثوراتها.
ففي هذا التأريخ تجد الأساس التأريخي لشخصيتها العقائدية والنضالیة، فتعصمها شخصيتها العقائدية من الزيغ والإنحراف، وتعصمها شخصيتها النضالیة من الوهن والنكول.
ولقد أهمل المؤرخون الأقدمون تأريخ الثورات أو زيفوه، لأنهم – بوحي من أنفسهم أو حكامهم – كانوا يعتبرون هذه الثورات حركات تمرد وعصيان ضد السلطة الشرعية.
أما الآن، وقد أصبحت دفة التأريخ بيد هؤلاء الذين صنعوا الثورات، فيجب أن يصحح الوضع، يجب أن يكتب التأريخ النضالي لأمتنا كتابه صحيحة يجب أن يكشف عن العذاب، والاضطهاد، والجوع الذي كان يدفع بالناس إلی الثورة، إلی الموت، احتجاجاً علی واقعهم، يجب أن يكشف عن الشخصية التاريخية لهذه الأمة، ومحور إرتكازها العقائدي والنضالي عبر التأريخ يجب أن يكشف عن مناقب الثائرين التي كانت تعصمهم دائماً من أن ينقلبوا إلی لصوص، أو سفاحي دماء، لاهدف لهم، ولا يشعرون بمسؤوليتهم.
وتأريخ أمتنا النضالي تأريخ مضيء، فالثورات التي قامت بها أمتنا عبر العصور كانت دائماً تعبر تعبيراً تلقائياً حراً عن هذه الأمة، وعن إنسانيتها، وعن رغبتها الحارة في أن تعيش متمتعة بحقوقها الإنسانية كافة.
وتأتي ثورة الحسين عليه السلام في كربلاء علی رأس هذا التأريخ.
فهي رأس ثورة الحرية في التأريخ الثوري، هي الثورة الأولی التي عبأت الناس ودفعت بهم في الطريق الدامي الطويل، طريق النضال، بعد أن كادوا أن يفقدوا روحهم النضالیة بفعل سياسة الأمويين.
وهي أغنی ثورة بالعزم والتصميم علی المضي في النضال الدامي إلی نهايته أو النصر، فقد عرضت علی الثائرين أمتع حياة، ولكنهم أبوا هذه الحياة التي سيسكتون معها علی الظلم والتعسف وإرهاب الأمة.
وهي ثورة أمتحن أبطالها بأقسی ما أمتحن به الثائرون علی مدی التاريخ، فلم يهنوا، ولم ينكلوا بل ثبتوا – رغم كل شيء- ثائرين إلی اللحظة التي توجوا فيها عملهم العظيم بسقوطهم صرعی في سبيل مبدئهم الحق.
وهي أنبل ثورة قام بها جماعة من الناس، فإن الثائرين بكربلاء لم يستهدفوا من ثورتهم مغنماً شخصياً لأنفسهم، وإنما استهدفوا من ثورتهم تحرير مجتمعهم من الطغاة الذين كانوا يسومونه العذاب ويجرعونه المصاب.
ومن هنا تأتي أهميتها التاريخية والتطویریة.
من إنها النموذج المحتذی، النموذج الذي جاء كاملاً، والذي يجب أن يستوحي.
وحيث كانت بهذه المثابة وجب أن تنال عناية خاصة من القيمين علی شأن الكلمة عندنا، فعلی هؤلاء – وهم القوة المطورة والقائدة في الأمة- أن يهتموا إهتماماً جدياً بهذه الثورة، بشرح الدور الذي أسهمت به في تغذيه روح النضال وإلهابها، وبالكشف عن مناقبه التي بشرت بها وبإحلالها في محلها اللائق بها من تأريخنا الثوري.
وإن أدوات الأداء الحديثة لتتيح إمكانات لأحد لها لاستخدام تأريخنا الثوري في تطوير مجتمعنا، وفي إبراز شخصيته التاريخية لعينيه، ليعمل علي تركيز نضاله الحديث علی الأسس التأريخية والعقائدية لحركته النضالیة الكبری عبر العصور(1).
________________________________________
1- مجلة الأضواء -النجف- العدد-3- السنة الأولی- 1960/ ص60.

لینک کوتاه