أسالیب السیدة زینب علیها السلام التبلیغیّة

إذا اعتبرنا أنّ حادثة كربلاء قد وجدت من خلال الإمام الحسین علیه السلام فإنّ الذي أحیى هذه الظاهرة وأوضحها وبیّنها هو السیّدة زینب علیها السلام . تولّت السیّدة زینب علیها السلام بعد عصر الیوم العاشر من المحرّم مسؤولیة الحفاظ على ثورة الإمام الحسین علیه السلام وإرسال خطابها وأهدافها وشعارها أي "هیهات منّا الذلّة" إلى أنحاء العالم. واجهت السیّدة زینب علیها السلام طریقاً ملیئاً بالصعاب في هذه المهمّة، حیث كان علیها أن تتحدّث بین جماعة كأنّهم صُمٌّ لا یسمعون، وعميٌ لا یبصرون، لا بل بین جماعة غارقة في الجهل والحماقة. وعلى هذا الأساس كان علیها في هذه المرحلة التفكیر ملیاً واتخاذ القرارات والاستفادة من الفرص لتوقظ الناس من غفلتهم وتقدّم لهم المعرفة والوعي لیشعروا بالمسؤولیّة وهذا یعنی إعدادهم للثورة لاحقاً.

أسالیب السیدة زینب علیها السلام التبلیغیّة

إذا اعتبرنا أنّ حادثة كربلاء قد وجدت من خلال الإمام الحسین علیه السلام فإنّ الذي أحیى هذه الظاهرة وأوضحها وبیّنها هو السیّدة زینب علیها السلام .

تولّت السیّدة زینب علیها السلام بعد عصر الیوم العاشر من المحرّم مسؤولیة الحفاظ على ثورة الإمام الحسین علیه السلام وإرسال خطابها وأهدافها وشعارها أي “هیهات منّا الذلّة” إلى أنحاء العالم.

واجهت السیّدة زینب علیها السلام طریقاً ملیئاً بالصعاب في هذه المهمّة، حیث كان علیها أن تتحدّث بین جماعة كأنّهم صُمٌّ لا یسمعون، وعميٌ لا یبصرون، لا بل بین جماعة غارقة في الجهل والحماقة.

وعلى هذا الأساس كان علیها في هذه المرحلة التفكیر ملیاً واتخاذ القرارات والاستفادة من الفرص لتوقظ الناس من غفلتهم وتقدّم لهم المعرفة والوعي لیشعروا بالمسؤولیّة وهذا یعنی إعدادهم للثورة لاحقاً.

لقد أدّت خطابات وكلمات السیّدة زینب علیها السلام إلى إفشال المؤامرات المشؤومة التي كان یخطّط لها الیزیدیون، أمّا أهمّ السیاسات والأسالیب التبلیغیة التي اتبعتها السیّدة زینب علیها السلام فهي:

1ـ البكاء وإقامة مجالس العزاء
بعد شهادة الإمام الحسین علیه السلام وأصحابه، بدأت السیّدة زینب علیها السلام تتحرّك حول الأجساد الطاهرة، وتقول: “وا أخاه وا سیّداه وا أهل بیتاه. ثم قالت: لیت السماء أطبقت على الأرض ولیت الجبال تدكدكت على السهل”1.

وعندما اقتادوها أسیرة وعبروا بها من أمام الأجساد الطاهرة باقتراح من الشمر اللعین، انحنت السیّدة زینب علیها السلام أمام جسد أبي عبد الله علیه السلام وقالت: “یا أخي لو خُیِّرت بین الرحیل والمقام عندك لاخترت المُقام عندك ولو أنّ السباع تأكل من لحمي”2.

وروى البعض أنها توجّهت في هذه الأثناء نحو المدینة، ثم قالت: “وا محمداه صلّى علیك ملائكة السماء، هذا حسین مرمّل بالدماء مقطّع الأعضاء وبناتك سبایا”3، یقول الراوی إنها كانت تبكي بأسلوب جعلها كما یقول البعض: “فأبكت والله كلّ عدو وصدیق”4.

یتّضح لنا من خلال هذه الأعمال التي قامت بها السیّدة زینب علیها السلام أنها ترید تقدیم دروس وعبر إلى جنود جیش العدوّ، كانت ترید منهم أن یدركوا الجریمة والجنایة التي ارتكبوها، وأرادت منهم أن یدركوا بأنّ هذه المعركة كانت معركة مع القرآن والنبيّ صلى الله علیه وآله وسلم.

وأرادت السیّدة زینب علیها السلام من خلال البكاء والعبارات التي كانت تتلفّظ بها أن توقظ عواطف وأحاسیس الناس وتشجّعهم على القیام والثورة ضدّ الظالمین الیزیدیین.

عندما كانت السیّدة زینب علیها السلام في الشام أقامت في منطقة یُطلق علیها “دار الحجارة” مراسم عزاء على شهداء كربلاء، وكان لهذا المجلس من الآثار أن دفع المشاركین إلى التفكیر بمهاجمة یزید وقتله5. وبعد تحمّل كلّ المصائب التي وقعت في كربلاء، نرى السیّدة زینب علیها السلام تعود إلى المدینة لتقیم مراسم العزاء في مدینة رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم، واستمرّ هذا الوضع حتى فهمت القبائل والعشائر ما جرى في كربلاء وبدأ البعض منهم یفكر بالانتقام لشهداء كربلاء6.

2ـ الخطابة
عندما وصلت قافلة الأسرى إلى الكوفة تجمّع الناس كباراً وصغاراً ونساءً ورجالاً عند البوّابات والمعابر وذلك بهدف مشاهدة الأسرى، هناك كان بعض المتجمّعین یبكي والبعض الآخر أتى للبهتان وآخرون كانوا منزعجین ممّا یحصل.

استجمعت السیّدة زینب علیها السلام قواها ونظرت إلى الناس، فسكت الجمیع فبدأت الخطابة وبكلمات وجمل دقیقة وقویة، قالت: “الحمد لله والصلاة على أبی محمّد وآله الطیبین الأخیار، أمّا بعد یا أهل الكوفة، یا أهل الختل والغدر أتبكون؟ فلا رقأتِ الدمعة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً تتخذون إیمانكم دخلاً بینكم، ألا وهل فيكم إلا الصَّلف والنطف والصَّدر الشنف وملق الإماء وغمز الأعداء وهل أنتم إلا كمرعى على دمنةٍ أو كفضّة على ملحودة…”7.

تحدّثت في البدایة عن الرسول صلى الله علیه وآله وسلم وعبرت عنه بكلمة “أبی” حیث أرادت بذلك تعریف الآخرین بالأسرى الموجودین في القافلة لتتضح النسبة بینها وبین النبيّ صلى الله علیه وآله وسلم ویفهم الحاضرون أيّ أشخاص هؤلاء الموجودون في القافلة. ثم أشارت إلى نقطة هامة تؤكد فيها على نقطة الضعف عند أهل الكوفة أي النكث بالعهود، حیث أرادت بذلك إخبارهم بخصالهم.

ثمّ تابعت الحدیث في خطابها تتحدّث عن شخصیّة الإمام علیه السلام حتى لا یبقي أيّ شك وتردید عند الناس وحتى لا یبقى أیّ عذر لدیهم. كانت تتحدّث مع الناس وتعتبرهم هم الذین قتلوا الإمام الحسین علیه السلام وآل بیت الرسول صلى الله علیه وآله وسلم. نعم، لقد بدّل خطابها الموقف حتى ضجّت الكوفة بالصراخ والعویل. ورسمت السیّدة زینب علیها السلام صورة أخرى عن القیامة جعلتها ماثلة أمام أعین الناس: ﴿وَیَوْمَ یَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى یَدَیْهِ یَقُولُ یَا لَیْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِیلً﴾8.

ولم تكتفِ السیّدة زینب علیها السلام بمخاطبة أهل الكوفة بل تحدّثت في دار الإمارة أمام ابن زیاد بجرأة وقوّة. وعند وصولها إلى الشام تحدّثت بجرأة أمام یزید موضحة ما اقترفته یده وفاضحة إیّاه أمام الملأ.

3ـ ارتداء السواد
إنّ التدبیر والتعقّل كانا من العوامل الأساسیّة لموفّقیة ونجاح السیّدة زینب علیها السلام . وزینب علیها السلام معروفة بالتدبیر والتعقّل قبل قضیّة عاشوراء والأسر، حتى إنه أطلق علیها لقب عقیلة بنی هاشم وعقیلة النساء…

بشكل عامّ كان للتدبیر والتعقّل دور كبیر في نجاحها في أعمالها وإلّا فلن تتمكن من مواجهة یزید وأزلامه, من جملة الأمور التي لجأت إلیها السیّدة زینب علیها السلام إقامة مجالس العزاء في الشام والمدینة وقد طلبت من النساء ارتداء السواد، فقالت: “اجعلوها سوداء حتى یعلم الناس أنّا في مصیبة وعزاء لقتل أولاد الزهراء علیها السلام”.

صحیح أنّ الأعداء لا یهتمّون بهذه الأمور ویعتبرونها غیر ذات قیمة، إلّا أنّ هذه الأعمال هي التي مهّدت لقیام الناس للثأر من قاتلي الإمام علیه السلام.

4ـ سلوكها النابع من علمها
من جملة أسباب نجاح السیّدة زینب علیها السلام في إیصال رسالة الإمام الحسین علیه السلام أنها كانت تقرن التبلیغ بالعمل، وكانت تسعى للعمل بالتكلیف الإلهيّ ولم تتساهل في قضایا الحلال والحرام.

یُروى أنّ الناس في الكوفة تقدّموا إلى الأسرى مشفقین على الأطفال فأخذوا یقدمون لهم الخبز والتمر، عند ذلك علا صوت أمّ كلثوم9 قائلة لهم: الصدقة حرام علینا فكانت تأخذ الخبز والتمر من الأطفال وتعیده إلى الناس10. والأكثر من هذا أنها كانت تقسم طعامها بین الأطفال فبقیت ثلاثة أیام جائعة لم تأكل شیئاً وكل ذلك كي لا تسمح بدخول الصدقة إلى أفراد القافلة.

من الموارد العملیّة الأخرى التي كانت محطّ عمل تبلیغیّ من قبل السیّدة زینب علیها السلام هو حفظ الحجاب، فحافظت السیّدة زینب علیها السلام على الحجاب وابتعدت عن الأنظار حتى في أكثر الظروف صعوبة.

یقول الراوی: عندما رجعت من سفر الحجّ، دخلت الكوفة فوجدت الأسرى قد دخلوها ورأیت الإمام السجّاد على بعیر، فسألت: من هي؟ فقالوا: زینب الكبرى، رأیتها تتحدث إلى الناس بصوت عالٍ تطلب منهم غضّ الأبصار عن آل بیت رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم وتطلب منهم الحیاء من الله ورسوله11…

أرادت السیّدة زینب علیها السلام من خلال عملها أن تنبّه الجمیع إلى أنّ الإمام الحسین علیه السلام وأصحابه قد استشهدوا من أجل إحیاء الأحكام الإلهیة، ولهذا السبب أیضاً اقتید النساء والأطفال أسرى، وأنّ بني أمیة ویزید على وجه التحدید هم الذین یعملون على تحریف الدین الإلهیّ.

5ـ الدعاء والعبادة
الدعاء والعبادة واحد آخر من الأسالیب التبلیغیة التي اتبعتها السیّدة زینب علیها السلام . كانت تعلم بأنّ الأعداء ینتظرون منها أيّ موقف یدلّ على الضعف إلّا أنها وقفت أمام الشهداء وتوجهت نحو جسد أبی عبد الله صلى الله علیه وآله وسلم ودعت الله تعالى: “اللهم تقبّل منا هذا القربان”12.

ویشیر هذا الدعاء إلى صلابة السیّدة زینب علیها السلام وثباتها رغم المصائب التي لحقت بها ثم خاطبت الله تعالى قائلة: “یا عِمَادَ من لا عمادَ له ویا سَنَدَ مَنْ لا سَنَدَ له، یا من سَجَدَ لك سوادُ اللیل وبیاضُ النهار، وشعاعُ الشمس، وحفيفُ الشجر، ودويُّ الماء، یا الله، یا الله، یا الله”13.

وقد دعت في مجلس یزید قائلة: “… اللهمّ خُذْ بحقّنا، وانتَقِمْ ممن ظَالَمَنا واجعَل غضَبك على من سَفَك دماءَنا، ونقضَ ذمامَنا، وقَتَل حُماتنا، وهَتضك عنّا سُدُولَنَا”14.

6ـ الاستعانة بمبادئ نفسیّة
صحیح أنّ الحرب النفسیّة من ابتكار العلوم المعاصرة، إلّا أنه یجب القول بوجود هذا الأسلوب في الأصول السماویة، وقد استعان أهل البیت علیهم السلام بهذا الأصل. واستعانت السیّدة زینب علیها السلام في حربها ضدّ الأعداء بهذا الأصل فكانت تبیّن في خطاباتها مدى حقارة وصغر العدوّ وتثني على الأصحاب وتحرّك العواطف…

عندما خاطبت أهل الكوفة أكدت بدایة على أصالة العائلة التي تنتمی إلیها لذلك تحدثت عن الرسول صلى الله علیه وآله وسلم كما شاهدته واصفة إیّاه بالأب لتلفت أنظار الناس إلى انتماء هؤلاء الأسرى… وفي أثناء مخاطبتها یزید قائلة له: “كیف یُرتجى مراقبة من لفظ فوه أكبَادَ الأذكیاء، ونبتَ لحمُه من دماء الشهداء…”15.

وإذا قارنّا بین خطبتی السیّدة زینب في الكوفة والشام لوجدنا أنها كانت تعرف المخاطّب، فالمخاطَبون في الكوفة هم من الناس الجاهلین بما یجری من حولهم، لذلك خاطبتهم بناءً على ما هم فيه وأطلعتهم على ما ارتكبوه. أمّا المخاطَبون في الشام في مجلس یزید فهم من الخواصّ العارفين بالأوضاع، لذلك اختلف لحن الخطاب.

ما تقدّم هو خلاصة عن الأسالیب التي اعتمدتها السیّدة زینب علیها السلام في التبلیغ، وهناك أسالیب أخرى یمكن الإشارة إلیها كالشجاعة والشهامة والفصاحة والبلاغة…

الكتاب: روضة المبلغین – 4، إعداد المركز الإسلامی للتبلیغ، نشر جمعیة المعارف الإسلامیة الثقافية.

________________________________________
(*) كاتب إیرانی في مجلة مبلغان.
1- بحار الأنوار، ج6، ص54.
2- معالی السبطین، ج2، ص55.
3- عزاء آل محمد، ص393.
4- معالی السبطین، ص31, بحار الأنوار، ج45، ص59, نفس المهموم، ص210.
5- الجزائری، السید نور الدین، الخصائص الزینبیة، ص296.
6- عماد زاده، حسین، زینب الكبرى علیها السلام ، ص150.
7- ترجمة اللهوف، 146 ـ 148.
8- سورة الفرقان، الآیة: 27.
9- یعتقد البعض أن المقصود من أم كلثوم هنا السیدة زینب علیها السلام .
10- بحار الأنوار، ج4، ص114.
11- مقتل المقرم، ص371.
12- المصدر نفسه، ص307.
13- آل بیت النبی في مصر، ص52 ـ 53.
14- بحار الأنوار، ج45، ص133 ـ 135.
15- المصدر نفسه.

________________________________________
المصدر: الموقع الرسمي للروضة الرضویة المقدسة
https://astan.razavi.ir/Portal/home/?news/272872/435941/1195939/%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%84%DB%8C%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%DB%8C%D8%AF%D8%A9-%D8%B2%DB%8C%D9%86%D8%A8-%D8%B9%D9%84%DB%8C%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A8%D9%84%DB%8C%D8%BA%DB%8C%D9%91%D8%A9

لینک کوتاه