الإمام الحسین علیه السلام في أدب الأندلس

بعد ان ضعفت دولة الامویین في الاندلس ظهرت دول یحكمها السادة الحسنیون ومنهم آل (حمود) ودولة الموحدین... وظهر بینهم شعراء محبون لاهل البیت(ع) فمدحوهم ورثوا الامام الحسین علیه‏السلام بأشعارهم وهجوا بنی أُمیّة لظلمهم وفسقهم، ومن اولئك الشعراء : علی بن بسام وصفوان بن ادریس ومحمد بن هانی الاندلسی وغیرهم ونظم بعضهم أشعاراً تضاهی أشعار دعبل والكمیت والسید الحمیری

الإمام الحسین علیه السلام في أدب الأندلس

بعد ان ضعفت دولة الامویین في الاندلس ظهرت دول یحكمها السادة الحسنیون ومنهم آل (حمود) ودولة الموحدین… وظهر بینهم شعراء محبون لاهل البیت(ع) فمدحوهم ورثوا الامام الحسین علیه‏السلام بأشعارهم وهجوا بنی أُمیّة لظلمهم وفسقهم، ومن اولئك الشعراء : علی بن بسام وصفوان بن ادریس ومحمد بن هانی الاندلسی وغیرهم ونظم بعضهم أشعاراً تضاهی أشعار دعبل والكمیت والسید الحمیری وكثیر عزةّ، وقد أوردت في هذا البحث قسماً من اشعار هؤلاء الشعراء الملتزمین بحب اهل البیت وبصورة خاصة بحب الحسین علیه‏السلام .
أدب الشیعة له تاریخ عریق وخیر شاهد علی ما نقول : كتاب «الغدیر» للعلامة الأمینی النجفي رضوان الله علیه وكتاب «أدب الطف» لحجة الاسلام السید جواد شبر النجفي، وقد ظهرت للشیعة دول في بلدان مختلفة بما فيها الأندلس.
چوبین، حسین
خلاصة البحث :
بعد ان ضعفت دولة الامویین في الاندلس ظهرت دول یحكمها السادة الحسنیون ومنهم آل (حمود) ودولة الموحدین… وظهر بینهم شعراء محبون لاهل البیت(ع) فمدحوهم ورثوا الامام الحسین علیه‏السلام بأشعارهم وهجوا بنی أُمیّة لظلمهم وفسقهم، ومن اولئك الشعراء : علی بن بسام وصفوان بن ادریس ومحمد بن هانی الاندلسی وغیرهم ونظم بعضهم أشعاراً تضاهی أشعار دعبل والكمیت والسید الحمیری وكثیر عزةّ، وقد أوردت في هذا البحث قسماً من اشعار هؤلاء الشعراء الملتزمین بحب اهل البیت وبصورة خاصة بحب الحسین علیه‏السلام .

المقدمة :
المئات والمئات من الشعراء رثوا الامام الحسین علیه‏السلام وخیر كتاب أُلِّفَ في هذا المیدان كتاب : (أدب الطف او شعراء الحسین علیه‏السلام ) ومؤلفه: حجة الاسلام والمسلمین السید جواد شبر النجفي وقد طبع هذا الكتاب النفيس في النجف الاشرف وفي بیروت عدة مرات وذُكرَت فيه أسماء شعراء أندلسیین رثوا الامام الحسین علیه‏السلام ومنهم : صفوان بن أدریس الذی ذم في أشعاره بنی أمیّة ومدح أهل البیت والحسین علیه‏السلام بصورة خاصة.

كما جاء في كتاب: (دائرة المعارف الاسلامیة الشیعیة) للاستاذ حسن الأمین اللبنانی أسماء عدد من الشعراء الشیعة في الاندلس ومنهم : محمد بن هانی الاندلسی وأبو عبد اللّه‏ الرعسینی وعبادة ابن السماء واحمد القسطلی وعبد الرحمن الأشبونی وأبو البحر المرسی والجراوی، وفي هذا التحقیق نقدم مجموعة من القصائد الحسینیة التی نظمها هؤلاء الشعراء الاندلسیون.

1ـ الأندلس لغةً وتاریخاً وأدباً :
الاندلس (Ansalusia)(1)
مقاطعة تقع في جنوب اسبانیا، ولها اسم آخر في بعض الكتب العربیة وهو المغرب(2)، وقد فتحت في عهد الولید بن عبد الملك، في أواخر القرن الهجری الأول، وكان فاتحها موسی بن نصیر الذی أهمله الأمویون فمات منسیاً!
في النصف الاول من القرن الهجری الثانی وبعد سقوط الأمویین في الشام فرَّ عبد الرحمن بن معاویة بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموی إلی الأندلس وأسس هناك الدولة الأمویة المروانیة الثانیة، واستمرت حوالی أربعة قرون، وحكمت دول الطوائف الأندلسَ بعد سقوط الأمویین وتعرف هذه الفترة بفترة الطوائف واستمرت حوالی أربعة قرون أیضاً، وبعد سقوط الأندلس بید الأفرنج في أواخر القرن التاسع الهجری تَحوَّل الأمویون فيها الی نصاری ویهود(3)، والذی یؤید هذا أننا لم نسمع لهم أی صوت اسلامی بعد سقوطهم، كما أننا لا نری الیوم أی نسل اسلامی منهم لا في الأندلس ولا في شمال افریقیا.
أما الأدب في الأندلس فقد بقی تقلیدیّاً طیلة أربعة قرون ثم ارتقی مدة قرنین، وبعدئذٍ انحط طیلة قرنین تقریباً، ونشیر هنا الی حقیقة ناصعة وهی أن الأدب الأندلسی لم یكن أمویاً بصورة كلیة، بل اننا نری أن قسماً من أدب الأندلس كان أدباً اسلامیاً أصیلاً ومنه أدب حسینی، بعیداً عن الخلاعة والمجون، فهناك مدائح في حق أمیر المؤمنین الامام علی علیه‏السلام وفاطمة الزهراء علیهاالسلام ومراثٍ حسینیة.

2ـ أدب الشیعة في الأندلس :

أدب الشیعة له تاریخ عریق وخیر شاهد علی ما نقول : كتاب «الغدیر» للعلامة الأمینی النجفي رضوان الله علیه وكتاب «أدب الطف» لحجة الاسلام السید جواد شبر النجفي، وقد ظهرت للشیعة دول في بلدان مختلفة بما فيها الأندلس، كدولتی الأدارسة والمُوحّدین(4)، ومن الشعراء الشیعة في الأندلس:

1ـ محمد بن هانی بن محمد بن سعدوان الأندلسی
2ـ أبو عبد اللّه‏ الرعسینی
3ـ عبادة بن عبد اللّه‏ الأنصاری المعروف بلقب ابن السماء
4ـ أحمد بن درّاج القسطلی
5ـ عبد الرحمن الأشبونی
6ـ أبو البحر صفوان المرسی
7ـ الجراوی
3ـ تقالید أهل الأندلس في ذكری استشهاد الامام الحسین علیه‏السلام :
قبل أن نقدم نماذج من أشعار الشعراء الاندلسیّین نشیر الی مخطوط أثری لكتاب مهم في هذا المیدان وهو موجود في جامعة القرویّین، واسمه: (اِعلام الأعلام فيمن بویع بالخلافة) ومؤلّفه: (لسان الدین الخطیب) وذكر فيه عادات الأندلسیین في ذكری استشهاد الأمام الحسین علیه‏السلام من التمثیل بأقامة الجنائز وانشاد المراثی، وذكر أنَّ هذه المراثی كانت حسینیة(5)، ونبادر الی نقل وصف المآتم الحسینیة في الأندلس علی لسان ابن الخطیب كما ذكر في كتابه المخطوط بجامعة القرویین، حیث قال : (لم یزل الحُزن متصلاً علی الحسین، والمآتم قائمة في البلاد یجتمع لها الناس لیلة یوم قتل فيه ـ أی لیلة عاشوراء ـ ولاسیما بشرق الأندلس، یقیمون رسم الجنازة في شكل من الثیاب ویُحتَفل بالأطعمة والشموع، ویُوقَدُ البخور، ویُجلَب القرّاء ویُتَغنّی بالمراثی الحسینیة، وبقیة من هذا لم تنقطع بعد(6)).
4ـ الشعراء الاندلسیون الذین رثوا الأمام الحسین علیه‏السلام وهجوا بنی أمیّة :
من أبرز وأشهر الاندلسیین الذین رثوا الامام الحسین علیه‏السلام ونظموا أشعاراً في هجاء بنی أمیّة :
أولاً: احمد بن درّاج القسطلی، وكان من الشعراء الافذاذ في الأندلس خلال القرن الخامس الهجری، وكان معاصراً لآل «حَمّود» وهم من السادة الأدارسة الحسنیین في الأندلس، وقد نظم قصیدة أشار فيها الی ما عاناهُ أهل البیت علیهم‏السلام من مصائب ورزایا، وقال الناقد المشهور ابو الحسن علی بن بسام في كتابه : «الذخیرة» عن تلك القصیدة الغراء : (قصیدة طویلة وهی من الهاشمیّات الغرّ، لو قَرَعت سَمْعَ دعبل بن علی الخزاعی والكمیت بن زید الأسدی لأمسكا عن القول، بل لو رآها السید الحمیری وكثیر ـ عزّة ـ لأقاماها بیّنة علی الدعوی، وتبدأ هذه الصیدة ببكاء شجی، بكاء تجهش به قلوب الشیعة في كلِّ مكان(7)).

یقول هذا الشاعر الأندلسی في قصیدته التی تزید علی سبعین بیتاً مشیراً الی الحسین والی آل رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏ وسلم :
الی الهاشمیّ الی الطالبی الی الفاطمیّ العطوف الوصول
الی ابن الوصیّ الی ابن النبیّ الی ابن الذبیح الی ابن الخلیل
فأنتم هُداةُ حیاة وموت وأنتم أئمة فِعلٍ وقیل
وسادات من حلَّ جناتِ عدنٍ جمیع شبابِهِمُ والكهول
وانتم خلائف دنیا ودین بحكم الكتاب وحكم العقول(8)

ثانیاً: أبو البحر صفوان بن ادریس التجیبی المرسی، وهو من شعراء القرن السادس الهجری، وقد ذكره أحد أعلام الفكر في القرن الثامن الهجری وهو لسان الدین بن الخطیب، وقال المحقّق المعاصر حجة الاسلام والمسلمین السید جواد شبّر النجفي في كتابه القیّم : «أدب الطف» : (أفادنا ابن الخطیب وعَرَّفنا بأحد شعراء الشیعة في الأندلس، الذی اشتهر برثاء سیدنا الحسین علیه‏السلام وهو ابو البحر صفوان بن ادریس التجیبی المرسی (561 ـ 598)، وهذه القصیدة منه كانت مشهورة ینشدها المسلمون وهی :

سلام كأزها الربی یتنسَّمُ علی منزل منه الهُدَی یتعلَّمُ
علی مصرعٍ للفاطمیّین غُیِّبَتْ لأوجهِهِم فيهِ بُدورٌ وأنجُمُ
علی مشهدٍ لو كنتَ حاضرَ أهلِهِ لعایَنتَ أعضاءَ النبیِّ تُقَسَّمُ
علی كربلا لا اَخلَفَ الغیثُ كربلا والاّ فأنّ الدمعَ أندی وأكرَمُ
مصارع ضجّت یثربٌ لمصابها وناحَ علیهِنَّ الحطیمُ وزمزمُ
ومكةُ والأستارُ والركنُ والصَّفا وموقفُ جمعٍ والمُقامُ المُعظَّمُ
وبالحَجَرِ الملثومِ عنوانُ حَسرةٍ ألستَ تراهُ وَهْوَ أسودُ أسْحَمُ
وروضةُ مولانا النبیِّ محمدٍ تَبدّی علیها الشكلُ یَومَ تَخَرَّمُ(9)
ومنبرُهُ العلویُّ والجذاعُ أعوَلاعلیهِمْ عویلاً بالضمائرِ یُفهَمُ
ولو قَدَّرَتْ تلك الجماداتُ قَدرَهُ مْلَدُك حراءٌ واستُطیرَ یُلَمْلِمُ(10)
وما قدرُ ما تبكی البلادُ وأهلُها لآلِ رسولِ اللّه‏ والرزءُ أعظَمُ
لو أنَّ رسولَ اللّه‏ یحیی بُعَیْدَهُ مْرأی ابنَ زیادٍ اُمُّهُ كیفَ تُعقَمُ(11)
وأقبلتِ الزهراءُ قُدّسَ تُربُها تُنادی أباها والمدامعُ تُسْجَمُ(12)
سقوا حسناً بالسمّ كأساً رویةًولم یقرعوا سناً ولم یتندَّمُوا(13)
وهم قطعوا رأسَ الحسین بكربلاوكأنَّهم قد أحسنوا حینَ أجْرَمُوا
وأسرُ بنیهِ بعدَهُ واحتمالُهم كأنَّهُمُ من نسلِ كسری ویُغنَمُوا
ونقُر یزیدٍ في الثنایا الّتی اغتدَت ْثنایاك فيها أیُّها النورُ تَلثِمُ(14)
هُمُ القومُ أمّا سعیهم فَمُخَیَّبٌم َضاعٌ وأمّا دارُهم فَجَهنَّمُ
قِفوا ساعدونا بالدموع فأنَّها لَتصغُرُ في حقِّ الحسینِ ویَعظُمُ
ومهما سمعتم في الحسین مراثیاً تُعبِّرُ عن محضِ الأسی وتُتَرجِمُ
فمُدّوا أكفّاً مُسعَدینَ بدعوةٍ وصَلُّوا علی جَدِّ الحسینِ وسَلِّموا(15)

ثالثاً: الجراوی وهو من شعراء دولة الموحّدین الحسنیة التی تأسَّست في القرن الخامس الهجری في المغرب، ثم امتدَّت الی الأندلس، وقال المحقّقُ اللبنانی المعاصر الاستاذ حسن الأمین في دائرة المعارف الاسلامیة الشیعیة عن الشاعر الجراوی : (ومن قصائده ملحمة في رثاء الحسین علیه‏السلام وهیء تختلف عن تلك المراثی التی تعرفها الشیعة، تُقرَأُ صبیحةَ یوم عاشوراء(16)) وجاء فيها :

أقولُ لحزنٍ في الحسین تأكدا تَملَّك فؤادی مُتهِماً فيه مُنجِدا(17)
ولو غیرُ هذا الرزء راح أو اغتدی لنادیتُهُ قبلَ الوصولِ مُردّدا
عقرتُ بعیری یا امرأ القیس فانْزِلِ ركبٌ اذا جاراهُمُ البرقُ یَعثَرُ تذكرتُ فيهِمْ كربلا فَتَحیَّروا
وغیداءُ لا تدری الأسی كیف یَخطُرُ بَثثتُ لها ما كنتُ بالطفِّ اَضمرُ
فألهیتُها عن ذی تمائمَ مُحوِلِ(18)
أیا فاساً قادّر الغُرورُ شكائمَهْ فأوردَ في صدرِ الحسینِ صوارِمَهْ(19)
تَهیَّأ لیومِ الحشرِ تَجرَعْ علاقِمَه فما لك مَنجیً من خصومةِ فاطِمَه(20)
وما ان أری عنك العمایةَ تنجلی

رابعاً : محمد بن هانی الأندلسی الذی تحدث عنه المحقق المعاصر العلامة الشیخ الأمینی في كتابه الخاص بالشهداء برقم (6)، كما جاء عنه بحث وافٍ في كتاب (ادب الطف) في خمس وعشرین صفحة، ومن أشعاره في هجاء بنی أمیة :

واعذِرْ أمیّةَ إنْ تَغُصّ بریقِهَا فالمهل ما سُقِیَتْهُ والغسلینُ
قدْ قادَ أمرَهُمُ وقلَّدَ ثغرَهُمْ منهُمْ مهینٌ لا یكادُ یبینُ
أبنی لؤی این فضل قدیمكم بل این حلم كالجبال رصینُ
لو تتقون اللّه‏ لم یطمح لها طرف ولم یشمخ لها عرنینُ
لكنكم كنتم كأهل العجل لم یُحفظ لموسی فيهمُ هارونُ
لو تسألون القبرَ یومَ فرحتم لأجاب أنَّ محمداً محزونُ

ویقول العلامة الأمینی رحمه‏الله في كتابه الخاص بشهداء الفضیلة إنَّ الشاعرَ ابن هانی الاندلسی استشهد بأیدی اعداء اللّه‏ في 23 رجب سنة 362 رضوان اللّه‏ علیه، وعلی جمیع شهداء الفضیلة وعشاق الحسین علیه‏السلام في كلّ زمان ومكان.
خامساً : ناهض الوادی الاندلسی وهو من شعراء القرنین السادس والسابع، وقد ورد ذكره في كتاب (نفح الطیب) لابی العباس المقری الذی یُعَدُ مصدرنا الفرید عنه ـ والمؤلف ـ اكتفي بذكر اسمه ونسبه دون تطویل، وأثبت نصّ قصیدته في رثاء الحسین علیه‏السلام دون تعلیق كما ذكر سنة وفاته ومكانها ولم یزد شیئاً… ـ وقد ـ توفي رحمه‏الله سنة 615هـ ببلدة وادی آش، وبذلك یكون معاصراً لمجموعة من أدباء عصره الذین عاشوا خلال القرنین السادس والسابع للهجرة، واشتركوا معه في الموضوع نفسه وهو بكاء سید الشهداء الحسین بن علي شعراً أو رجزاً أو نثراً وتألیفاً وكانوا حلقة وصل بینهم وبین غیرهم… ومنهم علی سبیل المثال السلطان النصری الشاعر یوسف الثالث من ملوك بنی الأحمر، فقد ضمَّ دیوانه قصیدتین في رثاء الحسین والتعبیر عن الولاء لآل البیت علیهم‏السلام والدفاع عن التشیع.
واما ملوك بنی الأحمر الذی نظم أحدهم وهو یوسف الثالث قصیدتین في رثاء الامام الحسین علیه‏السلام فهم آخر أسرة إسلامیّة حاكمة في الأندلس حكمت غرناطة من عام 1235م والی عام 1492م مؤسسها محمد الغالب (توفي عام 1273م. هـ) الذی بنی قصر الحمراء في غرناطة.
واما قصیدة الشاعر ناهض الأندلسی في رثاء الامام الحسین علیه‏السلام فهی تقع في ستة عشر بیتاً علی وزن الكامل ورویّها الكاف المكسورة ویستهلها الشاعر بتساؤل یتوجه به الی حمامة یتصورها باكیة مولهة مثله علی غرار شعراء الوجدانیات مثل أبی فراس الحمدانی وابن شهید الاندلسی وابن خفاجة وغیرهم لیستفسر عن سبب بكائها… وقد وفق الشاعر في اختیار السیاق العام لصیاغة تجربته مستغلاً ما ترمز الیه الحمامة في التراث الشعری العربی قبله من حزن وأسی ولوعة، ولكنه یجعل مصابه فوق مصابها لأنَّه یبكی الحسین قتیل الطفِّ، فرع النبوة الزاكی ویتوعد قاتله بمصیرة المظلم في قعر جهنم… ویبدو الشاعر الاندلسی موفقاً ایَّما توفيق في اختیار معجمه الشعری وحسن توظیفه لمجموعة من الالفاظ ذات الظلال والایحاءات الخاصة مستعیناً في تصویر انكساره بایثار الكسرة لحرف الرویّ وبمناجاة الحمامة التی حاول معرفة حزنها الدفين لعلّه یصل الی اكتشاف سببه معظماً من مصابه لانه فوق كلِّ مصاب وحین تتأزَّم نفسه یصرّح لها بسرّ معاناته فيقول:
لو كنتِ مثلی ما افقتِ من البكا لا تحسبی شكوای من شكواك
ایهٍ حمامةُ خبّرینی انّنی أبكی الحسینَ وأنتِ ما أبكاك؟
وقد كتب الباحث المغربی علی الغزیوی الذی یدرس الأدب الأندلسی في جامعة سیدی محمد في مدینة فاس في المملكة المغربیة كتب بحثاً مهیا عن هذه القصیدة الغراء في مجلة النور التی تصدر في لندن في عدد جمادی الثانیة سنة 1421هـ.ق وذكر في بحثه ان هذه القصیدة متنوعة الاسالیب، ما بین الخطاب الذی هیمن علی معظم أبیاتها الاولی في شكل تساؤل، من الحمامة، والبوح الذی یتلو ذلك بما فيه من وصف وتصریح بالصور المفزعة الدامیة لمقتل الشهید الحسین فرع النبوة وكیف تعفّر ومُزّقت اشلاؤه عدواناً وظلماً… ـ ففي القصیدة ـ رقة في العاطفة وحرارة في الأحاسیس وصدق فنی وانسیاب وتلقائیة في العبارة ومتانة في البناء مع ایمان قوی باحقاق الحقّ والانتصاف من الجُنَاة وهذه متقطفات من تلك القصیدة:
إیهٍ حمامة خبّرینی إنَّنی أبْكی الحسینَ، وأنتِ ما أبكاك؟
أبكی قتیلَ الطفّ فرع نبیّنا اكرمْ بفرعٍ للنبوة زاكی
ویلٌ لقومٍ غادروهُ مُضرّجاً بدمائه نضواً صریعَ شكاك
متعفِّراً قد مُزّقت أشلاؤهُ فریاً بكل مُهنّدٍ فتّاك
ثم یخاطب الشاعر یزید قائلاً:
أیَزیدُ لو راعَیْتَ حُرمَة جَدِّهِ لم تقتنص لیثَ العرینِ الشاكی
اترومُ وَیْك شفاعةً من جَدِّهِ هَیْهاتَ! لا، وَمُدَبِّرِ الأفلاك
ولسوفَ تُنْبَذُ في جَهَنّمَ خالداً ما اللّه‏ُ شاءَ ولاتَ حینَ فكاك
(مصدر القصیدة: كتاب نفح الطیب ج 5، ص 70 ـ 71)

(2) قصیدة من بحر الرمل المقصور، في كل مصراع «فاعلاتن فاعلاتن فاعلان» نظمها كاتب المقالة (د. حسین چوبین).
ندبتی طول حیاتی یا حسین والی حینَ مماتی یا حسین
انّنی مذ كنتُ في صُلب الوجود قلتُ في روحی وذاتی یا حسین
كنتُ في الرحم جنیناً واقول هامساً في حركاتی یا حسین
والی الدنیا اَتیتُ في صراخ هاتفاً في صرخاتی یا حسین
ثمَّ اُمی ارضعتنی وتقول دائماً في رضعاتی یا حسین
صرتُ احبو واقومُ لاسیر قائلاً في حبواتی یا حسین
ثمَّ أمّی علّمتنی بالكلام كانت أولی كلماتی یا حسین
وأبی علّمنی كیف الصلاة قلت من بعد صلاتی یا حسین
وقد امضیتُ بعمری سنوات نادیاً في سنواتی یا حسین
واذا معضلةٌ جاءَت اقول أنت حَلُّ المعضلاتِ یا حسین
هكذا كنتُ بلیلٍ ونهار في صباحی في سباتی یا حسین
واذا موتی أتی في الاحتضار قَولی من قبل وفاتی یا حسین
ثم بعد الدفنِ في لحدٍ مخوف یأتی صوتٌ من رفاتی یا حسین
وبیوم النشر اذا احیی اقول یا غریب الغربات یا حسین

الهوامش :
______________________________
1. البعلبكی منیر، قاموس المورد، انجلیزی عربی، حرف (A).
2. قصص العرب، طبع مصر، ج4، ص 91 (النص والحاشیة).
3. مجلة آخر ساعة المصریة، في تحقیق عن مصیر الأمویین ونسلهم في الأندلس في أواخر سنة (1960)، ولم یرد شرح عمن بقی من نسل بنی أمیة في كتاب (صبح الأعشی) للقلقشندی مع أنه جاء شرح عمن بقی من نسل بقیة القبائل.
4. الأمین، حسن، دائرة المعارف الاسلامیة الشیعیة، طبع دار التعارف، بیروت، سنة 1393هـ.ق، ج 4، من الصفحة الثالثة حتی الصفحة 32 (عن دولة الأدارسة في الاندلس) وفي الجزء الثالث، من الصفحة 318 حتی الصفحة 327 (عن دولة الموحدین في الأندلس).
5. شبر، السید جواد، أدب الطف أو شعراء الحسین علیه‏السلام ، طبع بیروت، ج 4، ص 11.
6. المصدر السابق، نقلاً عن مجلة العرفان اللبنانیة، مجلد 59.
7. الأمین، حسن، دائرة المعارف الاسلامیة الشیعیة، ج 4، ص 24.
8. المصدر السابق.
9. تخرم، في الأصل : تتخرم، بمعنی تتشقّق من شدّة الحزن، المعجم الوسیط، ص 230.
10. یُلَمْلِمُ: یجمع ما تناثر منه، المعجم الوسیط، ص 230.
11. كیف تعقم: كیف یكون نسلها أبتر.
12. تُسجَمُ: تجری.
13. قرع علیه سنه: صكها ندماً، المعجم الوسیط، ص 728.
14. تَلثِمُ: تُقَبِّلُ.
15. شبّر، السید جواد، أدب الطف أو شعراء الحسین علیه‏السلام ، ج 4، ص 11 وص 12 وص 13 نقلاً عن: اعلام الأعلام، لابن الخطیب، وهو مخطوط في جامعة القرویین، ص 37 و38.
16. الأمین، حسن، دائرة المعارف الاسلامیة الشعیة، ج 3، ص 324.
17. مُتهِماً: ذاهباً الی منطقة تهامة، مُنجِداً: ذاهباً الی نجد وكلتا المنطقتین في شبه الجزیرة العربیة، المعجم الوسیط، ص 90 و 92.
18. تمائم: جمع تمیمة، وهی : الكتابة التی تعلق في العنف لدفع العین، المعجم الوسیط، ص 89، المُحْوِل : هو الذی مضی علیه حول (أی سنة)، المعجم الوسیط، ص 208، ومعنی عجز البیت: لا تنظر الی الشخص الذی في عنقه تمیمه وقد مضی علیه عام.

المصدر: موقع موعود

https://www.mouood.org/arabic/item/15225-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%DB%8C%D9%86-%D8%B9%D9%84%DB%8C%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%81%DB%8C-%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%AF%D9%84%D8%B3.html

لینک کوتاه