الإمام الحسين (ع) يهدي إلى الحق ويدعو إلى العدل
آية الله السيد علي الميلاني
قال الله (عزّ وجلّ): {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}. السجدة: 24
في هذه الآية المباركة دلالات، فهي تدلّ:
أوّلاً: على أن الإمامة والخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنما هي بيد الله لا بيد الخلق.
ثانياً: على أن الغرض من نصب الأئمة هداية الناس إلى العدل.
ثالثاً: على أن الشرط لمن يتولّى لهذا المنصب هو الصبر على اليقين.
ثم إن المقصود من الهداية والعدل تطبيق ما جاء به الكتاب والسنّة في جميع الشؤون الفكرية والعملية والأخلاقية.
قال تعالى في آية أخرى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}. الأنبياء: 73
ومن الواضح أن الإمامة الداعية إلى الكتاب والسنّة يعتبر فيه أن يكون عالماً بهما، محيطاً بأسرارهما، وأن يكون عاملاً بهما.
كما قال (عزّ وجلّ): {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} وإلا فلا يكون داعياً إليهما، بل يكون داعياً إلى نفسه.
ثم إن الأدلة القطعية من العقل والنقل قد دلّت على أن المصاديق التامة للأئمة الذين يأتون بأمر الله تعالى هم الأئمة من أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) وهكذا ورد التفسير، وقد بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا الأمر لما نزل قوله تعالى {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}. الرعد: 7
فإنه (صلى الله عليه وآله) قال: أنا المنذر. وأومأ إلى منكب عليّاً فقال: “أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي”. وقد أخرج هذا الحديث كبار الحفاظ من أهل السنة من محدّثين ومفسّرين كعبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وابن أبي حاتم، والطبراني، والضياء المقدسي، وأبي نعيم الأصفهاني، والحاكم النيسابوري، وابن عساكر الدمشقي، وجلال الدين السيوطي، وغيرهم.
وقد صحّحه غير واحد منهم، كالحافظ، وقال الحافظ الهيثمي في كتاب مجمع الزوائد: رجال المسند ثقات، وتجد الحديث المذكور بذيل الآية المباركة في كتب الأئمة المفسّرين مثل الطبري والثعلبي والرازي وابن كثير وغيرهم.
وهذا الحديث كما يفسر الآية المذكورة كذلك يفسر قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.
فالبلاغ والإنذار مهمة الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولذا جاء بصيغة الحصر برسول الله (صلى الله عليه وآله) في غير آية من القران الكريم كقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ}، {إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ} فاطر: 23، {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ}. الشورى: 48
أما الهداية فهي مهمة. إن الهداية بمعناها العام المطلق كما تقتضي العلم تقتضي العصمة، ولا معصومة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلا الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، ولذا جعل الله تبارك وتعالى حفظ الإسلام والهداية إلى معالمه ومبادئه وتطبيق العدالة في الأرض بعهدة الأئمة الطاهرين، ولذلك نصبهم وأمر بالتمسّك بهم والتلقّي منهم والانقياد لهم في أحاديث كثيرة ثابتة، كحديث الثقلين الذي يدل بألفاظه المتعددة على هذه الحقيقة، كقوله (صلى الله عليه وآله): “إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا من بعدي”.
هذا الحديث المتواتر الدال على عصمة أهل البيت وأفضليتهم من غيرهم، والدال أيضاً بغنيمة حديثين متواترين أخرين وبقطع النظر عن سائر الأدلة أحدهم قوله (صلى الله عليه وآله): “الأئمة بعدي اثنا عشر”، والآخر: “من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية”، على أن الأرض لا تخلو من إمام منهم إلى قيام الساعة، و؟أن المهدي هو الإمام الثاني عشر منهم، وأنه حيّ موجود. ولكن الذي حدث أن بعض الصحابه قال: (حسبنا كتاب الله)، فعزلت العترة عن قيادة الأمة، وحرمت الأمة من هداية العترة. لقد خسرت الأمة أكبر خسارة بعزل العترة عن قيادتها، وتوالت عليها الويلات حتى وصل الأمر إلى حكم يزيد بن معاوية، وهو مشهود له من الصحابة وكبار التابعين بالفسق والفجور وجميع الموبقات.
وليت شعري أكان القائل: (حسبنا كتاب الله) يعلم بأن الأمر سيصل بعد سنوات إلى يزيد، وأنه سيقول: (لا خبر جاء ولا وحيّ نزل)، فكانت الأمة أن تخسر الكتاب والعترة معا، ولا أحد أولى من أئمة الهدى بأن يثبتوا على مبادئ الإسلام النبوية، ويدعو الأمة للثبات عليها؟
هذا أمير المؤمنين والإمامان الحسنان (صلوات الله عليهم) لما رأوا الانحرافات، فثبتوا في القول والعمل، وبيّنوا للمسلمين وجه الحق ودعوهم للثبات، كما قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا}. الأنفال: 12
وقد بدأ الإمام الحسين (عليه السلام) مواجهته الصريحه لمعاوية لما أراد أن ينصب ابنه يزيد – كما ذكر المؤرخون – وكان مما قال له لما اجتمع به: “هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السراج.. وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اشتماله وسياسته لأمة محمد (صلى الله عليه وآله)، تريد أن توهم الناس في يزيد كأنك تصف محجوباً أو تنعت غائباً أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص.
وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه.. ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق لأكثر مما أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم حتى ما لأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوما مشهود، ولات حين مناص”.
هذا هو الثبات على المبدأ، وهداية الناس إلى المبدأ، قد قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا}. البقرة: 256
ولا عجب في ذلك، فالحسين (عليه السلام) من أئمة الهدى الذين قال الله عنهم: {جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}.
ولقد كانت حركة الإمام الحسين (عليه السلام) حركة إلهية، والشواهد على ذلك كثيرة جدا، ومن ذلك أنه قال لشيخاً لقيه في الطريق، فقال له: أنشدك الله لما انصرفت، فوالله ما تقدموا إلا على الأسنة وحدّ السيوف.
قال له أمامنا (عليه السلام): “يا عبد الله، ليس يخفى علينا الرأي، وإن الله تعالى لا يغلب على أمره”.
لقد دعى الإمام الحسين (عليه السلام) إلى طاعة الله وطاعة رسوله، فكان نهجه تفسيراً عملياً لقوله تعالى: {َمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}. الحشر: 7
وكان رسول الله قد أخبر بما قدر الله للحسين (عليه السلام)، وأخبر أمّته بذلك، وتكرم عليه في حياته، فرضي الإمام بقضاء الله تعالى وقدره، وقدّم روحه وأعزّ أولاده وإخوته وأصحابه فداء طاعة لربّه (عزّ وجلّ) ولرسوله (صلى الله عليه وآله).
قال (عليه السلام): “رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلاءه، ويوفّينا أجور الصابرين، لم تشذّ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حضيرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز بهم وعده، من كان باذلاً مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى”.
فالحمد لله الذي شرفنا بأئمة يحفظون دين الله، ويهدون بأمر الله حتى لو كلّفهم ذلك أرواحهم الغالية.
ثم إن التابعين للحسين (عليه السلام) هم أهل الثبات على الحق والتضحية من أجل مبادئ الإسلام، فقال: “يا أيّها الناس، إن رسول الله قال: من رأى منكم سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرمات الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يؤثر عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله تعالى أن يدخله مدخله، إلا أن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر”.
للمؤمنين أسوة بالحسين (عليه السلام) في حفظ القرآن، والأخذ به، والعمل بالفرائض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوقوف في وجه الظالم بحسب الموازين الشرعية.
المجلس الاسلامي العلمائي
https://www.olamaa.cc/?p=15356
لینک کوتاه
سوالات و نظرات