الامام الثالث: الامام الحسین علیه السلام
.
الامام الثالث
الامام الحسین علیه السلام
وُلِد الإمامُ الحسین علیه السلام في المدینة في الیوم الثالث أو الخامس من شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة النبویة الشریفة.
والده: علیّ بن أبی طالب علیه السلام .
و اُمّه: فاطمة بنت رسول اللّه صلی الله علیه وآله .
كنیته: أبوعبداللّه و كان من ألقابه الرضیّ و الرشید و الطیّب و السیّد و السبط و الوفي و المبارك.
ولقد نزل جبرئیلُ علی رسولِ اللّه صلی الله علیه وآله لیهنئه بمیلاده من جانب اللّه تعالی طالبا منه أن یسمّیه (حسینا) وقد أذّن النبی صلی الله علیه وآله في أُذنه الیمنی وأقام في أُذنه الیسری. وعقَّ عنه في الیوم السابع من ولادته بكبشین، و فرّق لحمهما علی الفقراء و المساكین.
عاش الإمام الحسین – حسب بعض الأقوال – ستا و خمسین سنة، و أشهرا، ستة أعوام و أشهرا قضاها مع جده رسول اللّه صلی الله علیه وآله و ثلاثین سنة بعد جده مع والده علي علیه السلام و عشر سنوات بعد والده مع أخیه و عشر سنوات بعد أخیه .
و قد استُشهد علیه السلام في یوم عاشوراء عام 61 هجریة في كربلاء و دفن جثمانه
الطاهر في نفس تلك الارض، التی استُشهِد في ها.[358]
النصوص علی إمامته
لإثبات إمامة الإمام الحسین علیه السلام یمكن الإستفادة من الأدلة العامّة التی أشرنا إلیها في مجال الإمامة مضافا إلی الأحادیث المتضافرة التی صرّح بها رسولُ اللّه صلی الله علیه وآله بإمامة الحسَن و الحسین علیهما السلام.
فقد قال النبی صلی الله علیه وآله للحسن الحسین علیه السلام :«هذان ابناى إمامان قاما أو قعدا».[359]
هذا مضافا الی أن الامام الحسن علیه السلام عرَّف به علی أنه الامام من بعده وذلك قبیل وفاته علیه السلام .
وعن أبی عبداللّه علیه السلام قال – في حدیث – لما حضَرت الحسنُ الوفاة دعا محمدَ بن علی – یعنی ابن الحنفي ة فقال له – بعد كلام:«یا محمد بن علی أما علمتَ أن الحسین بن علی بعد وفاة نفسی و مفارقة روحی جسمی، إمامٌ من بعدی و عنداللّه في الكتاب، وراثة من النبی أضافها اللّه عزوجل له فى وراثة أَبیه و أُمه فعلم اللّه أنكم خیرة خلقه فاصطفى منكم محمداً واختار محمد صلىاللهعلیهوآله علیاً و اختارنی علیٌّ للامامة و اخترتُ أنا الحسینَ».
فقال له محمد بن الحنفي ة: أنت إمامی و سیدی و أنت وسیلتی إلی محمد صلی الله علیه وآله .[360]
وكتب علی بن یونس العاملی في كتابه – الصراط المستقیم – :لقد نص أمیرالمؤمنین علیه السلام علی الحسین علیه السلام كما مر في الحسن علیه السلام ثم قال: وروتِ الشیعةُ أن الحسن علیه السلام أوصی إلی أخیه الحسین عند وفاته و دفع إلیه مواثیق النبوة و عهود الإمامة و دل شیعته علی استخلافه، و نصبه لهم علماً من بعده و ذلك مشهور لاخفاء به.[361]
و كتب المسعودی في كتابه إثبات الوصیة یقول: ان الحسن لما اعتل دخل علیه أخوه ابوعبداللّه علیه السلام ثم جری بینهما كلام الی أن قال: ثم أَوصی الیه و سلّم الیه الإسم الاعظم و مواریث الأنبیاء و الوصیّة التی كان أمیرالمؤمنین علیه السلام سلّمها الیه.[362]
و قال محمد بن الحنفي ة لعلی بن الحسین علیه السلام : یا ابن أخی قد علمتَ أن رسول اللّه صلی الله علیه وآله كان جعل الوصیة و الامامة من بعده لعلی بن أبی طالب علیه السلام ثم إلی الحسن ثم إلی الحسین.[363]
فضائل الإمام الحسین علیه السلام
قال رسول اللّه صلی الله علیه وآله : «حسینٌ منِّی و أنا من حسینٌ أحبَّ اللّه من أحب حسیناً حسینٌ سبط من الأسباط».[364]
وقال رسول اللّه صلی الله علیه وآله : «من أحب أن ینظر إلى أحب أهل الأرض إلى السماء فلینظر إلى الحسین».[365]
وروی حذیفة عنه صلی الله علیه وآله انه قال: «الحسینُ أُعطی من الفضل ما لم یُعط أحد من ولد آدم ما خلا یوسف بن یعقوب».[366]
وقال حذیفة بن الیمان أیضا :رأیتُ النبی صلی الله علیه وآله آخذا بید الحسین بن علی علیه السلام وهو یقول: «یا أیها الناس هذا الحسینُ بن علی فاعرفوه فو الذی نفسی بیده إنه لفي الجنة و محبُّوه في الجنة ومحبُّو محبیه في الجنة».[367]
وقال رسولُ اللّه صلی الله علیه وآله :«الحسنُ والحسینُ خیرُ أهل الأرض بعدی وبعد أبیهما، واُمُّهما أفضل نساء أهل الأرض».[368]
وقال ابن عمر: قال رسول اللّه صلی الله علیه وآله عن الحسن و الحسین: «هما ریحانتای من الدنیا».[369]
وقال رسول اللّه صلی الله علیه وآله :«الحسن والحسین سیدا شباب أهل الجنة و أبوهما خیرٌ منهما».[370]
عبادته
روی أنه قیل للحسین صلی الله علیه وآله :ما أعظم خوفَك من ربِّك؟
وقال: لایأمن یوم القیامة إلا من خاف اللّه في الدنیا.[371]
ویقول عبید اللّه بن عباس :لقد حج الحسین بن علی علیه السلام خمسة وعشرین حجة ماشیاً و إن النجائب لتقاد معه.
وقیل لعلی بن الحسین علیه السلام : ما أقل وُلد أبیك؟
فقال: «العَجبُ كیفُ ولدتُ؟ كان یُصلی في الیوم و اللیلة ألفَ ركعة».[372]
یقول الراوی: رأیت الحسن والحسین صلی الله علیه وآله یمشیان الی الحج فلم یمرا برجل راكب إلا نزل یمشی فثقل ذلك علی بعضهم فقالو السعد بن أبی وقاص: قد ثقل علینا المشی ولا نستحسن أن نركب وهاذان السیدان یمشیان .
فقال سعد للحسن علیه السلام :«یا أبامحمد إن المشی قد ثقل علی جماعة ممن معك والناس إذا رأوكما تمشیان لم تطب أنفسُهم أن یركبوا فلو ركبتما؟
فقال الحسن علیه السلام : لانركبُ، قد جعلنا علی أنفسنا المشیَ إلی بیت اللّه الحرام علی أقدامنا، ولكنا نتنكب عن الطریق».
ثم أخذا جانباً من الناس.[373]
احسانه وسخاؤه
دخل الحسین علیه السلام علی أُسامة بن زید ذات یوم – و هو مریضٌ – و هو یقول: واغماه.
فقال له الحسینُ علیه السلام :«و ما غمُّك یا أخی؟»
قال: دَینی و هو ستون ألف درهم.
فقال الحسن علیه السلام : «هو عليَّ».
قال: إنی أخشی أن أموت.
فقال الحسین:«لن تموتَ حتى أقضیَها عنك».
قال: فقضاها قبل موته.[374]
و عن شعیب بن عبدالرحمن الخزاعی قال: وُجد علی ظهر الحسین بن علی یوم الطف أثر فسألوا زینالعابدین علیه السلام عن ذلك.
فقال: هذا مما كان ینقل الجِراب علی ظهره الی منازل الأرامل والیتامی
والمساكین.[375]
و روی عن الحسین بن علی علیه السلام أنه قال: «صحَّ عندی قول النبی صلىاللهعلیهوآله أفضل الأَعمال بعد الصلاة إدخال السُّرور في قلب المؤمن بما لاإثم في ه، فانی رأیت غلاماً یؤاكل كلباً فقلت له في ذلك».
فقال: یا ابن رسول اللّه إنی مغموم أطلب سروراً بسروره لأَن صاحبی یهودیٌّ أرید أن أُفارقه.
فأتی الحسین علیه السلام إلی صاحبه بمائتی دینار ثمناً له.
فقال الیهودیُّ: الغلامُ فداء لخطاك و هذا البستان له و رددت علیك المالَ.
فقال علیه السلام : و أنا قد وهبتُ لك المال.
قال: قبلتُ المال و وهبتُه للغلام.
فقال الحسین علیه السلام :أعتقت الغلامَ و وهبتُه له جمیعا.
فقالت امرأته: قد أسلمتُ و وهبت زوجی مهری.
فقال الیهودیُّ: و أنا أیضا أسلمتُ و أعطیتها هذه الدار.[376]
و قال أنس: كنت عند الحسین بن علی علیه السلام فَدخَلت علیه جاریةٌ فحیّته بطاقة ریحان فقال لها: أنت حرة لوجه اللّه.
فقلت له في ذلك.
فقال: كذا أدبنا اللّه تعالی قال تعالی:«و إِذا حُیِّیتُمْ بِتَحیَّةٍ فَحَیُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أوردُّوها» و كان أحسن منها إعتاقها.[377]
هذا وقد جنی غلامٌ له جنایة توجب العقاب علیها فأمر به أن یُضرب فقال: یا مولای «وَالْكاظِمِینَ الْغَیْظَ».
قال: خلوا عنه فقال: یا مولای «وَالْعافي نَ عَنِ النّاسِ» قال: قد عفوت عنك قال: یا مولای «وَاللّه یُحِبُّ الْمحسِنِینَ».
قال: أنتَ حرٌّ لوجه اللّه و لك ضعفُ ما كنتُ أعطیك.[378]
وروی أن أعرابیاً جاء إلی الحسین بن علی علیه السلام فقال: یا ابن رسول اللّه قد ضمنتُ دیة كاملة وعجزت عن أدائها، فقلت في نفسی: أسأل أكرم الناس و مارأیت أكرم من أهل بیت رسول اللّه صلی الله علیه وآله .
فقال الحسین: « یا أخا العرب أسألك عن ثلاث مسائل فإن أجبتَ عن واحدة أعطیتُك ثلث المال، و إن أجبتَ عن اثنتین أعطیتك ثلثی المال، و إن أجبتَ عن الكل أعطیتك الكلَّ ».
فقال الأعرابی: یا ابن رسول اللّه یُسأل عن مثلی و أنتَ من أهل العلم و الشرف.
فقال الحسینُ علیه السلام : « بلى سمعتُ جدی رسول اللّه صلى الله علیه وآله یقول: المعروف بقدر المعرفة ».
فقال الأعرابی: سل عما بدالك فإن أجبتُ و إلاّ تعلمتُ منك و لاقُوَّةَ إِلاّ بِاللّهِ.
فقال الحسینُ علیه السلام : « أیُّ الأعمال أفضل؟ »
فقال الأعرابی: الإیمانُ باللّه.
فقال الحسین علیه السلام : « فما النجاة من المهلكة؟ »
فقال الأعرابی: الثقة باللّه.
فقال الحسین علیه السلام : « فما یزیّن الرجلَ؟ »
فقال الأعرابی: علمٌ معه حِلم.
فقال: « فإن أخطأه ذلك؟ »
فقال: مالٌ معه مروءة،
فقال: « فإن أخطأه ذلك؟ »
فقال: فقرٌ معه صبرٌ.
فقال الحسین علیه السلام : « فإن أخطأه ذلك؟ »
فقال الأعرابی: فصاعقةٌ تنزل من السماء و تحرقه فإنه أهلٌ لذلك.
فضحك الحسینُ علیه السلام و رمی بصرة إلیه في ه ألف دینار و أعطاه خاتَمَه و في ه فُص قیمته مائتا درهم و قال: « یا أعرابی إعطِ الذهبَ إلى غرمائك و اصرف الخاتم في نفقتك ».
فأخذ الأعرابی و قال: «اللّهُ أَعْلَمُ حَیْثُ یَجْعَلُ رِسالَتَهُ».[379]
الإمام الحسین بعد وفاة أخیه
إستُشهد الإمام الحسن علیه السلام في الیوم الثامن و العشرین من شهر صفر من عام 49 هجریة، و منذ ذلك الحین وصَلَت الإمامة و الخلافة إلی الإمام الحسین علیه السلام بصورة رسمیّه – حسب النصوص والوصایا عن جده رسول اللّه صلی الله علیه وآله و أبیه علیّ بن أبی طالب علیه السلام و أخیه الحسین بن علیّ علیه السلام و كان علی الناس أن یقوموا بتهیئة الأرضیة المناسبة لتحقیق خلافته و إقرار حاكمیته في المجتمع ، و لكن لم یحصل مثل هذا عملیّا بسبب دعایات معاویة الواسعة ضدّ الإمام علیّ بن أبی طالب علیه السلام و بنی هاشم من جهة، وبسبب نفوذ السلطة الطاغوتیة الغاشمة لمعاویة في البلاد الإسلامیة من جهة اُخری ، هذا مضافا إلی ماقام به معاویة من إنفاق واسع للأموال، لشراء الضمائر ، و جذب الشخصیّات الإجتماعیّة الكبری مما ولّد رعبا واسعا في أوساط الناس ، إلی درجة أنه لم یجرؤ أحد علی مخالفته ، ومعارضته ، بالإضافة إلی ما كان بین الإمام الحسن علیه السلام و بین معاویة من معاهدة صُلح تنص علی أن لایستخلف الأخیر أحدا من بعده، ولایتخذ ولیَّ عهدٍ له، بل یترك الناس أحرارا في إختیار الخلیفة من بعده.
وقد شكل الأمرُ الأخیر نافذة أمل لمؤیّدی البیت العَلَویّ 0
بالنظر إلی هذه النقاط رأی الامام الحسین علیه السلام أن من صلاح الإسلام و المسلمین أن یلتزم بعهد أخیه، ویحجم عن أیة حركة حادّة و أیة مبادرة عنیفة لاستنقاذ حقه المشروع في الخلافة ریثما تتوفر الظروف المناسبة، و لهذا امتنع من الاستجابة لاقتراح جماعة من شیعة العراق الداعی الی خلع معاویة وعزله عن الحكم، و النهوض لاستلام زمام الخلافة و القیادة و الحكومة.
ولقد بقی الامام الحسین علیه السلام علی هذا المنوال مدّة عشر سنوات، حتی مات معاویة في منتصف شهر رجب من عام60 هجریة.[380]
وبَعد أن مات معاویة توفّرت ظروفٌ جدیدة واستجدت أوضاع مناسبة أولدت أملاً لدی الإمام الحسین علیه السلام ومؤیّدی الحكومة العَلَویّة، بحیث أحسّوا في ظله بأَن ظروف الثورة علی الحكومة الاُمویّة ، وإِقامة حكومةٍ علویةٍ علی أنقاضها قد تهیّأت إلی حدّ ما ، وهذه الاسباب هی:
أولاً: ان المدة المقررة لمعاهدة الصُلح بین الإمام الحسن علیه السلام و معاویة قد انتهت ، ولم یعد هناك مبرر للالتزام به.
ثانیا: ان معاویة تعهد في عقد الصلح أن لایستخلف من بعده أحدا ، و لكنه لم یعمل بهذا البند، وأقدم علی استخلاف إبنه یزید، وقد عرف كثیرٌ من الناس بتخلّفه هذا ، وكانوا غیر راضین به.
ثالثا: أنّ معاویة تعهّد أن لایحمل الناس علی سبّ أمیرالمؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام و لم یتحقق هذا الأمر.
رابعا: أنّ معاویة تعهّد أن یعمل بالكتاب و السُنّة ، و لكنه عمل علی خلاف ذلك.
خامسا: ان یزید الذی استخلفه معاویة كان غلاما قلیل التجربة، معروفا بالفسق والفجور، و شاربا للخمر، ومثل هذا كان غیرصالح لأن یتصدی لمقام الخلافة و یكون خلیفة لرسول اللّه صلی الله علیه وآله .
ولإجل هذا كان الإمامُ الحسین علیه السلام یری مبایعته لیزید هذا ، وتأیید حكومته أمرا غیرصحیح مطلقا.
حادثة عاشوراء
تُعتبر حادثة عاشوراء من أفجع حوادث التاریخ الاسلامی ، بل تاریخ البشریة علی الإِطلاق ، اذ كانت فریدة في نوعها.
ففي هذه الفاجعة ُقتل الإمام الحسین علیه السلام في كربلاء و هو ابن رسول اللّه و نبیّ الاسلام صلی الله علیه وآله – رغم كل تلك التوصیات التی وردت في حقه – كما قُتل أیضا جمع من أبنائه و إخوانه ، وأبناء إخوته و أبناء عمومته و جمع آخر من اقربائه و عشیرته ، وأنصاره و أصحابه ، علی ید من كان یعتبرنفسه خلیفة رسول اللّه صلی الله علیه وآله وأیدی جنود كانوا یعتبرون أنفسهم مسلمین وأتباعا لذلك النبی الكریم ، بأفضع طریقة و في مذبحة جد قاسیة سوَّدت وجه التاریخ البشریّ.
إن دراسة هذه الحادثة المرّة، خطوةٌ ضروریةٌ لمعرفة الإمام الحسین علیه السلام إلا أن الدراسة التفصیلیة لهذه الحادثة تحتاج إلی كتاب مفصّل غیر مُیَسرّ لنا – في الوقت الحاضر- ولكننا نسعی إلی أن نشیر هنا إلی أبرز و أهم الأحداث في هذه الواقعة.
إحضار الإمام الحسین إلی دارالإمارة
بعد أن تربع یزید علی مسند الخلافة بعد موت أبیه معاویة ، كتب كتابا إلی الولید بن عتبة والی المدینة أن: خذ البیعة لی من الحسین بن علی كیفما كان.
فلما وصلت هذه الرسالة إلی الولید استدعی الامام الحسین علیه السلام إلی مكان إمارته وحكمه ، وبعد أن أخبره بموت معاویة طلب منه أن یبایع یزیداً، فاستمهله الإمامُ علیه السلام لینظر في الأمر، فقبل الولید اقتراح الإمام علیه السلام ثم غادر دار الإمارة وهو عازمٌ علی عدم مبایعة یزید ، وعدم تایید حكومته ، لأنه لم یره صالحا ، ولا مؤهّلاً لهذا المنصب.
وفي یوم آخر التقی مروان بن الحكم الأمامَ الحسین علیه السلام في أثناء الطریق في المدینة فقال له: إنی لك ناصح فأطعنی ترشد .. إنی آمرك ببیعة یزید أمیرالمؤمنین ، فإنه خیرٌ لك في دینك و دنیاك!!
فرد علیه الامام الحسین علیه السلام قائلاً: «إنا لله و انا الیه راجعون و على الاسلام السلام اذ قد بُلیت الاُمة براعٍ مثل یزید … و لقد سمعتُ جدّی رسولَ اللّه صلىاللهعلیه وآله یقول: الخلافةُ محرَّمةٌ على آل أبی سفيان ».[381]
ثم ان الولید حاكم المدینة استدعی الامام الحسین علیه السلام إلی دارالإمارة في یوم آخر، و أصرّ علیه ناصحا بأن یبایع یزیدا فاستمهله الإمام ثانیة و خرج من دارالإمارة.
لقد كان الحسین علیه السلام عازما علی ان لا یبایع یزیداً، ولهذا رأی أن من الصالح أن یخرج من المدینة ، ولا یبقی في ها ، فعلم أخوه محمدُ بن الحنفي ة بعزم أخیه الحسین هذا ، فقال له: إن كنتَ لاترید ان تبایع یزیدا ولاتهاجر إلی غیرها فانزل بمكة أو الیمن.
فقال له الحسین علیه السلام : یا أخی! واللّه لو لم یكن لی ملجأ و لا مأوی لما بایعت یزید بن معاویة.[382]
وصیّة الإِمام و الخروج من المدینة
قال الإِمام الحسین علیه السلام لأَخیه محمد بن الحنفي ة: أنتَ یا أخی فلا علیك أن تُقیم بالمدینة فتكون لی عیناً لاتخفي عنی شیئاً من أمورهم.
ثم دعا علیه السلام بدواة و بیاض و كتب هذه الوصیة لأخیه محمد: بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحیِمِ هذا ما أوصی به الحسین بن علی بن أبی طالب إلی أخیه محمد المعروف بابن الحنفي ة أن الحسین یشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شریك له و أن محمداً عبده و رسوله جاء بالحق من عند الحق و أن الجنة و النار حق و « أنَّ السّاعَة آتِیَةٌ لارَیْبَ في ها » وَ « أَنَّ اللّهَ یَبْعَثُ مَنْ في الْقُبُورِ » و أنی لم أخرج أشِراً ولابطِراً ولامفسداً و لاظالماً و إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدی صلىاللهعلیهوآله أرید أن آمر بالمعروف و أنهى عن المنكر و أسیر بسیرة جدی و أبی على بن أبی طالب فمن قبلنی بقبول الحق فاللّه أولى بالحق ومن ردَّ على أصبر حتى یقضی اللّه بینی وبین القوم وهو خیر الحاكمین، وهذه وصیتی یا اخی الیك وما توفي قی الا باللّه علیه تو كلتُ وإلیه انیب ».[383]
وبعد أن ودّع الإمامُ الحسین علیه السلام قبرجدِّهِ رسول اللّه صلی الله علیه وآله وأُمّه فاطمة وأخیه الإمام الحسن صلوات اللّه علیهم أجمعین خرج من المدینة المنورة في منتصف اللیلة الثالثة من شهر شعبان أو في 28 رجب سنة ستین من الهجریة النبویة قاصدا مكة المكرمة.
وقد رافقه في هذا السفرعائلتُه وأبناؤه وإخوته، وأبناءُ إخوته وأخواته، وأبناء أخته وبنو عمومته ، وأَكثر أَهل بیته.
وكانت قافلةُ الحسین علیه السلام تتحرك بسرعة حتی وصلت إلی مكة بعد أیام قلائل، و سكنت هناك، وكان عبداللّه بن الزبیرقد نزل بمكة قبل ذلك، و لجأ إلی الحرم المكي ، وكان یتوقع أن یبایعه المسلمون، و لهذا إنزعج من دخول إلامام الحسین علیه السلام إلی مكة ، لأنه كان یعلم أن لاأحد یبایعه علی الخلافة مع وجود ذلك الإمام العظیم.
ولماعلم أهلُ مكة، وزائرو البیت المعظم بقدوم الإمام الحسین علیه السلام الی مكة أخذوا یتوافدون علیه ، ویزورونه في منزله .
ومكث الإمامُ الحسین علیه السلام في مكة طوال شهر شعبان و رمضان و شوال و ذی القعدة و ثمانیة أیام من شهر ذی الحجة ینتظر الحوادث المقبلة0
دعوة الكوفيین للإمام الحسین
خلال هذه الفترة ، عرف أهلُ الكوفة بموت معاویة و استخلافه لولده یزید، و بعد أن بلغهم أن الإمام الحسین علیه السلام امتنع من مبایعة یزید، و هاجر إلی مكة، إجتمعوا في منزل أحد الشیعة ، و تشاوروا في ما بینهم حول دعوة الإمام الحسین علیه السلام إلی العراق و نصرته، و اتفقوا في نهایة الحوار علی أن یدعو الإمام إلی الكوفة، و یعاونوه في تأسیس حكومته و اقامة دولته 0
وبعد اتخاذ هذا القرارعمدوا إلی كتابة رسالة إلی الإمام علیه السلام جاء في ها:إنه لیس علینا إمام، فأقبِل إلینا لعلَّ اللّه أن یجمعَنا بك علی الحق.
ثم وقّعوا علی تلك الرسالة و ختموها بأختامهم ووجهوها علی ید جماعة من الشیعة إلی الامام الحسین علیه السلام في مكة ، ثم اُرسِلت – علی أثر هذه الرسالة- كتب ورسائل كثیرة الی الامام علیه السلام بنفس المضمون زاد عددُها – في بدایات الأمر – علی ستمائة كتاب وبلغت -في النهایة- إثنی عشر ألف كتاب أوتزید.
جواب الإمام الحسین علی رسائل اهل الكوفة
و لما كثرت الكتب وتلاقت الرسُل كلها عند الإمام علیه السلام ، وقرأها واطلع علی
مضامینها، و سأل الرسُل عن الناس، كتب مع هانیء بن هانیء و سعید بن عبداللّه و كانا آخر الرسل: « بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحیِمِ من الحسین بن علی إلى الملإ من المؤمنین والمسلمین أما بعد فإن هانئاً و سعیدا قدماً علیَّ بكتبكم، و كانا آخر من قدم علیَّ من رسلكم، و قد فهمتُ كل الذی اقتصصتم و ذكرتم و مقالة جلكم أنه لیس علینا إمامُ فأقبل لعل اللّه أن یجمعنا بك على الحق و الهدى، و أنا باعث إلیكم أخی و ابن عمی و ثقتی من أهل بیتی مسلم بن عقیل، فإن كتب إلیَّ بأنه قد اجتمع رأی ملأكم و ذوی الحجى و الفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم و قرأتُ في كتبكم، فإنی أقدم إلیكم و شیكا إن شاءاللّه فلعمری ماالإمامُ إلا الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الدائن بدین الحق الحابس نفسه على ذات اللّه و السلام ».[384]
ثم سلّم الكتابَ المذكور إلی مسلم بن عقیل ، وأمره بالتوجه إلی الكوفة برفقة قیس بن مسهّر الصیداویّ ، وعمارة بن عبد اللّه السلولی ، وعبد الرحمان بن عبداللّه الازدی ، و إیصال ذلك الكتاب إلی أهل الكوفة ، و تقصّی الحقائق من كثب، وإخباره بها.
توجه مسلم بالرسالة صوب الكوفة، و نزل – بعد وصوله إلی الكوفة – أولاً في بیت رجل من الشیعة یدعی المختار بن أبی عبیدهَ الثقفي فكرّم الشیعة قدومه، ورحبوا به ، وبادروا إلی زیارته، و قام مسلم – بدوره – بقرائة كتاب الإمام الحسین علیه السلام علیهم، فكانوا یبكون عند سماع ما في ه،ثم بایعوه علی أنه نائب الإمام الحسین علیه السلام ووكیله، وبلغ عدُد الذین بایعوه ثمانیة عشر ألفا، و قیل بلغ عددهم أربعین ألفا.
كتاب مسلم إلی الإمام الحسین علیه السلام
عندما رأی مسلم بن عقیل ترحیب الناس الهائل به في الكوفة ، واستقبالهم الكبیرله كتب رسالة إلی الإمام الحسین علیه السلام یخبره بذلك الإستقبال العظیم وطلب منه أن یقدم إلی الكوفة بسرعة.
ومن جهة أُخری بادر بعضُ أنصار الحزب الأُموی إلی إرسال رسالة إلی یزید یخبرونه في ها بقدوم مسلم بن عقیل إلی الكوفة ومبایعة الناس له، جاء في ها : ان كان لك في الكوفه حاجة فابعث الیهارجلاً قویاً ینفذ أمرك.
ولما وصلت هذه الرسالة إلی یزید عمد الی مشاورة أعوانه في ما یجب اتخاذه في هذه المسألة ، فاقترح أحدُهم علیه أن یختار عبیداللّه بن زیاد لإمارة الكوفة ، فأخذ یزید بهذا الإقتراح و أصدر حكماَ بتولیة عبیداللّه بن زیاد علی الكوفة مع الاحتفاظ بولایة البصرة، وأرسل ذلك الحكم إلیه وقد كتب ضمن ذلك أن: سِر حین تقرأ كتابی هذا حتی تأتی الكوفة فتطلب ابن عقیل طلب الخرزة حتی تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه .
دخول عبید اللّه بن زیاد الكوفة
دخل عبیداللّه بن زیاد الكوفة لیلاً، و في صبیحة تلك اللیلة استدعی جماعة من أعیان الكوفة إلی دارالإمارة و عاتبهم قائلاً:سمعت أن مسلم نزل بالكوفة وفرَّق بین الناس، أبلغوه أن یكف عن ذلك وإلا فلیستعد لعقابی، ثم دعاهم الی التعاون معه لیحظَوا بالاحسان واللطف من جانب یزید.
ثم أمر ابن زیاد جواسیسه بأن یبحثوا عن مكان مسلم بن عقیل و دفع لهم مبالغ من المال لصرفها في هذا السبیل.
ولما عرف مسلم بدخول ابن زیاد الكوفة وما قاله في أنصاره أحس بالخطر، فعمد إلی تغییر مكانه ، و انتقل في الخفاء إلی منزل هانیء بن عروة، و قد اكتشف أحدُ الجواسیس صدفةً مخبأ مسلم وأخبر ابن زیاد بذلك.
وقد أحضر ابنُ زیاد هانیَ بن عروة وعاتبه علی إیواء مسلم قائلاً: إیهٍ یاهانی بن عروة ماهذه الأُمور؟ جئت بمسلم بن عقیل فادخلته في دارك وجمعت له الجموع والسلاح والرجال في الدور حولك وظننت ان ذلك یخفي علیَّ ؟
وقد أنكر هانیء الموضوع في البدایة ، إلا أن ابن زیاد أَحضر الجاسوس فلما رآه هانیء بن عروة عرف بان أمره قد انكشف فقال:ما فعلتُ ذلك وما مسلم عندی .
فقال له ابن زیاد: واللّه لا تفارقنی أبدا حتی تاتی به.
فقال هانی: واللّه لا أجیئك به أبدا لا اجیبك بضیفي تقتله.
فضرب ابن زیاد وجهَ هانیء بقضیب كان بیده ضربة هشمت أنفه، وأحدثت فيه جراحةً نازفة، و أمر بایداعه السجن.
قیام مسلم و استشهاده
عندما عرف مسلم بن عقیل بما جری لهانئ بن عروة أمر أصحابه و كانوا أربعة آلاف بالتهیؤ للمواجهة والاستعداد للجهاد ، فاجتمعوا في المسجد و أطرافه، و استعدوا لمهاجمة دارالإمارة.[385]
فلما واجه ابنُ زیاد هذا الوضع قال لأنصاره: أن أْدخلوا بین جماعة مسلم وفرّقوهم عنه كیفما كان0
فدخل جماعة منهم بین صفوف أنصار مسلم بن عقیل و أشاعوا في هم أن جند الشام قد أقبلت ، وأنه سیقتلكم جمیعا ، وسوف لن یرحم كبیرَكم ولایكف عن صغیركم ، فانصرفوا وأْرجعوا إلی بیوتكم ، لتحظوا بعنایة یزید.
فلما سمع الناس هذا الكلام اُرعبوا وخافوا ، و أخذوا یتفرقون بحیث كانت المرأة تأتی إبنها أو أخاها فتأخذ بیده فتذهب به إلی بیتها، فمازالوا یتفرقون حتی أمسی ابنُ عقیل و صلّی المغرب و ما معه إلاّ ثلاثون نفسا في المسجد وعندما أراد أن یخرج من المسجد لم یبلغ الأبواب إلا و معه منهم عشرة ، ثم خرج من الباب وإذا لیس معه إنسانٌ.
فمضی مسلم یمشی في أزقة الكوفة متحیّرا ، لایدری أین یذهب، حتی أتی إلی باب بیت إمرأة یقال لها طوعة، فلما عرفته استضافته في بیتها، و لم یمض یوم إلاّوعرف ابنُ زیاد بمكانه، فارسل جماعة للقبض علیه وأسره فقاتلهم مسلم بمفرده، ولما عجزوا عن إمساكه أعطوه الأمانَ بعد أن تحمل جراحات كثیرة، فسلّم لهم، فأخذوه إلی ابن زیاد، و قُتل بصورة فضیعة وكان استشهاده في الیوم التاسع من شهر ذی الحجة[386] و قد استشهد معه هانی بن عروة أیضا.
و لقد جاء في التاریخ أن مسلم بن عقیل بكی حین أسروه فلما سألوه عن سبب بكائه قال: واللّه ما لنفسی بكیت ولا لها من القتل أرثی ولكننی أبكی لأهلی المقبلین، إنی ابكی للحسین وآل الحسین .
ثم انه التفت الی محمد بن الاشعث وقال له:تستطیع أن تبعث من عندك رجلاً علی لسانی ان یبلغ حسیناً ویقول له: ارجع فداك أبی واُمی باهل بیتك ولا یغررك أهل الكوفه. یقصد انه لا وفاءلهم.[387]
ولقد صادف یومُ خروج الإمام الحسین و أهل بیته من مكة یومَ خروج مسلم علی إبن زیاد في الكوفة واستشهاده وهو یوم الترویة.[388]
عزم الإمام الحسین علی السفر إلی العراق
1ـ الكتب والرسائل الكثیرة و المتواترة التی كتبها شیعة الكوفة إلی الإمام الحسین تدعوه إلی التوجه إلی العراق و أنه لا إمام لنا، فعجل في القدوم إلینا.
2ـ والاستقبال العظیم الذی أظهره أهل الكوفة في مبایعة مسلم بن عقیل، و رسالته إلی الحسین علیه السلام یخبره بأنه بایعنی إلی الآن ثمانیة عشر ألفا.
3ـ موت معاویة، و خلافة یزید الغلام الفاسق الفاجر ، و الماجن المستهتر، و الفجّ المتعجرف، العدیم التجربة الفاقد للقدرة اللازمة للادارة و التدبیر…
كل هذه الامور عزّزت الاحتمال التالی وهو ان المسلمین -و بخاصّة الشیعة – قد أخذوا العبرة اللازمة من ظلم الطغاة و عَسفهم، و تطاولهم علی الثروة العامة، و عدم الاكتراث بالقیم الإسلامیة، بل سحقها من قِبَل معاویة و عمّاله، وقد تبرموا بكل ذلك، كما أنهم قد شاهدوا بالعیان نتائج فقدان الحكومة الاسلامیة الأصیلة و أنهم بالتالی بصدد جبران مافات.
بالنّظر إلی أمثال هذه الشواهد كانت الاوضاع تبدو وكأن الارضیّة تهیّأت للقیام بنهضة عامة ، وإقامة حكومة إسلامیة.
في ظل هذه الإوضاع والظروف أحسّ الإمام الحسین علیه السلام بالمسؤولیّة وهی مسؤولیّة جدّ ثقیلة ، وجدّ صعبة و خطیرة.
في ظل هذا الوضع كانت الحجة علی الإمام قد تمت، و كان علیه أن یستجیب لدعوة أهل الكوفة المشروعة والمصیریة ویلبِّی دعوتهم ویتوجه إلی العراق.
ولم تكن عاقبة هذا العمل خارجة عن أحد حالین : إما أن یفي أهلُ الكوفة بوعودهم، و یؤیدوه في تأسیس وإقامة الحكومة الاسلامیّة ، وفي هذه الصورة تعود الحكومةُ الاسلامیّة الأصیلة إلی مسیرها الأصلیّ ، و علی الأقل تقوم في العراق حكومة شبیهة بحكومة علیّ بن أبی طالب علیه السلام ، و یمكن أن تمتد هذه الحكومة إلی سائر البلاد الاسلامیّة، و، منها الشام، وفي مثل هذا الفرض یحظی الاسلام والمسلمون بتوفيق عظیم جدّا.
والفرض الثانی هو أن یخیسَ أهل الكوفة بوعودهم و یخذلوا الإمام الحسین علیه السلام في هذه النهضة المشروعة المهمّة ، وتنتهی باستشهاده في نهایة الأمر.
وفي مثل هذا الفرض یكون الإمام الحسین علیه السلام قد قام بواجبه الالهی و یكون قد كشف للعالم – بنهضته الدمویة ضد حكومة یزید – عن عدم مشروعیة الحكومة الأمویّة ، ویزلزل بذلك قواعدها، لأَن قیام ابن رسول اللّه و علیّ و فاطمة صلوات اللّه علیهم ، ضد حكومة مّا دلیل صارخ و واضح علی عدم مشروعیتها.
لقد رأی الإمام الحسین علیه السلام أنه یمكن في مثل هذا الفرض أن یعطی المسلمین درسا في التدین والالتزام الدینی، وفي الأمربالمعروف و النهی عن المنكر، و الدفاع عن الاسلام و قیمه العظیمة ، و الجهاد في سبیل إقامة حكومة إسلامیة، وهذا لاشك نوع من الانتصار.
هذا ویُستفاد من بعض خطب الامام الحسین علیه السلام – عند الخروج من المدینة، وعند التوجه إلی مكة المكرمة نحو العراق و في طول الطریق – أنه لم یستبعد الفرض الثانی، بل كان یشم ریح الشهادة و القتل ، وكان یهییُ نفسه ورفقاءه لقبول مثل هذه النهایة ، إلا أنه حیث كان علیه السلام یشعر بالمسؤولیة، لم یكن له بد من ذلك.
ولهذا خطب في أصحابه یوم تحرك من مكة المكرمة متوجهاً نحو العراق وقال – بعد بیان إحساسه من هذا السفر، واحتمال عواقبه الخطیرة: « من كان فينا باذلاً مهجته، موطناً على لقاء اللّه نفسه فلیرحلْ معنا فانى راحلٌ مصبحاً ان شاء اللّه ».[389]
وفي نفس اللیلة التی اراد الامام الحسین الخروج في صبیحتها من مكة، اتاه أخوه محمد بن الحنفية وقد كان یومذاك في مكة وقال له :یا أخی إن اهل الكوفه قد عرفتَ غدرَهم بابیك واخیك وقد خفت ان یكون حالك كحال من مضی، فان رأیت ان تقیم فانك اعز من بالحرم وامنعه .
فقال له الامام علیه السلام : یا اخی قد خفت ان یغتالنی یزید بن معاویه فأكون الذی یستباح به حرمة هذا البیت .
فقال ابن الحنفية: فان خفتَ ذلك فِصر الی الیمن أو بعض نواحی البر فانك أمنع الناس به، ولا یقدر علیك أحد.
قال: أُنظرُ في ما قلت. [390]
و قد كان مثل هذه النظریة عند آخرین أیضا و لكن لم یستطع أَی واحد منهم أن یصرف الإمام الحسین علیه السلام عن عزمه الراسخ و إصراره علی القیام بالواجب ، وأن یثنیه عن التوجه إلی العراق.
التوجه إلی العراق
في وقت السحر من الیوم الثامن من شهر ذی الحجة ( عام 60 هجریة) خرج الإمام الحسین علیه السلام برفقةَ عیاله وأولاده و إخوته و أبناء إِخوته وأخواته و إبناء أخوته و أبناء عمومته، و لم یكن قد بلغه خبر استشهاد مسلم بن عقیل إلی ذلك الوقت بعد.[391]
ولقد إلتقی الإمام الحسین علیه السلام في أثناء الطریق بأفراد و شخصیّات عدیدة ممن تعجبو لخروج الإمام المفاجئ،وكانوا یبدون قلقهم من توجهه علیه السلام إلی الكوفة في الأغلب، وربما عمد قسمٌ منهم إلی نصح الامام علیه السلام بالإِنصراف عن السفر، بدافع الشفقة علیه والتخوف علی مصیره، و لكن الإمام الحسین علیه السلام كان لایبدی إهتماما بتلك النصائح والاقتراحات ، فقد كان شعوره بالمسؤولیة أقوی وأشدّ من أن تؤثّر فيه النصائح.
و في الثعلبیة وهی منطقة في الطریق اطّلع الإمام علیه السلام علی مصرع هانئ ومسلم و استشهادهما.
فقد روی عن عبداللّه بن سلیمان و المنذر بن المشعل الأسدیین أنهما قالا: إلتقینا – في زرود – برجل من أهل الكوفة فقلناله : السلام علیك.
فقال: و علیكما السلام.
قلنا: له أخبرنا عن الناس وراءك.
قال: نعم؛ لم أخرج من الكوفة حتی قُتل مسلم بن عقیل و هانیء بن عروة و رأیتهما یجران بأرجلهما في السوق.
فأقبلنا حتی لحقنا بالحسین فسایرناه حتی نزل الثعلبیة ممسیاً فجئناه حین نزل فسلمنا علیه فرد علینا السلام فقلنا له :یرحمكاللّه إن عندنا خبراً إن شئت حدثناك به علانیةً و إن شئت سراً.
فنظر إلینا و إلی أصحابه ثم قال :ما دون هؤلاء سرٌّ.
فقلناله : ان رجلا هو امرؤ منّا ذو رأی و صدق و عقل قدم من الكوفة فسألناه عن أَخبار الكوفه فحدثنا أنه لم یخرج من الكوفة حتی قُتل مسلم و هانیء و رآهما یجرّ ان في السوق بأرجلهما.
فقال: إِنّا للّهِ وَ إِنّا إِلَیْهِ راجِعُونَ رحمة اللّه علیهما یردد ذلك مراراً.
فقلنا له: ننشدك اللّه في نفسك و أهل بیتك إلا انصرفت من مكانك هذا و إنه لیس لك بالكوفة ناصرُ و لاشیعة بل نتخوف أن یكونواعلیك .
فنظر إلی بنی عقیل فقال :ما ترون فقد قتل مسلم ؟
فقالوا :واللّه ما نرجع حتی نصیب ثأرنا أو نذوق ما ذاق.
فأقبل علینا الحسین علیه السلام فقال :لاخیر في العیش بعد هؤلاء.
فعلمنا أنه قد عزم رأیه علی المسیر فقلنا: له خاراللّه لك.
فقال: یرحمكم اللّه.
فقال له أصحابه :إنك و اللّه ما أنت مثل مسلم بن عقیل و لو قدمتَ الكوفة
لكان أسرع الناس إلیك فسكت.[392]
ومن ناحیة أُخری عندما اطلع عبیدُ اللّه بن زیاد علی خروج الإمام الحسین علیه السلام من مكة وتوجهه نحو الكوفة سارع إلی ارسال الحصین بن نمیر قائد جیشه إلی القادسیّة لینظم الجیش و یعدّه.[393]
لقد قرر إبن زیاد أن یمنع الإمام الحسین علیه السلام من دخول الكوفة، و یمنع أهل الكوفة من الخروج منها والالتحاق بركب الإمام علیه السلام لیستطیع أن یحاصرالإمام الحسین علیه السلام و أصحابه خارج الكوفة ، و یجبرهم علی الاستسلام، ولهذا بعث الحر بن یزید الریاحی علی رأس ألف راكب إلی خارج الكوفة لیحاصر الإمام الحسین علیه السلام .
وكان الإمام الحسینُ علیه السلام قد قرر كذلك أن یدخل الكوفة – مركز الشیعة الذین دعوه ، ووعدوا بنصرته0
ملاقاة الحرّبن یزید الریاحی
في ما كان الامام الحسین علیه السلام یسیر بمن معه باتجاه الكوفة واجه فجأة الحر بن یزید الریاحی ومعه الف مقاتل قدموا من ناحیة القادسیة.
وعندما حضرت صلاة الظهر صلی الحسین علیه السلام باصحابه واقتدی الحرُّ وجماعته بالامام علیه السلام .
ثم ان الامام قام بعد الصلاة خطیباً في من حضر وقال: « أیها الناس إنی لم آتكم حتى أتتنی كتبُكم و قدمت علی رسلكم أن أقدمْ علینا فلیس لنا إمام لعل اللّه أن یجمعنا و إیاكم على الهدى و الحق فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فأعطونی ما أطمئن إلیه من عهودكم و مواثیقكم و إن لم تفعلوا وكنتم لمقدمی كارهین انصرفتُ عنكم إلى المكان الذی جئت منه إلیكم ».
فسكتوا عنه و لم یتكلموا كلمة.
ثم انه صلی العصر و اقتدی به الحرُّ وجماعته ایضا وبعد أن سلم انصرف إلیهم بوجهه فحمد اللّه و أثنی علیه و قال: « أما بعد أیها الناس فإنكم إن تتقوا اللّه و تعرفوا الحق لأهله یكن أرضى لله عنكم و نحن أهل بیت محمد أولى بولایة هذا الأمر علیكم من هؤاء المدّعین ما لیس لهم و السائرین في كم بالجور و العدوان فإن أبیتم إلا الكراهة لنا و الجهل بحقنا و كان رأیكم الآن غیر ما أتتنی به كتبكم و قدمت علیَّ به رسُلكم انصرفت عنكم ».
فقال له الحر: أنا و اللّه ما أدری ما هذه الكتب و الرسل التی تذكر.
فقال الحسین علیه السلام لبعض أصحابه: « یا عقبة بن سمعان أخرج الخُرجین اللذین في هما كتبهم إلی ». فأخرج خرجین مملوءین صحفا فنثرت بین یدیه.
فقال له الحر: لسنا من هؤاء الذین كتبوا إلیك و قد أمرنا أنا إذا لقیناك لا نفارقك حتی نقدمك الكوفة علی عبید اللّه بن زیاد.
فقال الحسین علیه السلام : « الموت أدنى إلیك من ذلك ».
ثم قال علیه السلام لأصحابه :فقوموا فاركبوا فركبوا .
و لكن الامام الحسین علیه السلام سلك طریقاً غیر سبیل الكوفة والمدینة وسایره الحرُّ وجنوده.
وفي الاثناء وصلت الی الحر رسالة من عبید اللّه بن زیاد جاء فيه: أما بعد فجعجعْ بالحسین حین بلغك كتابی هذا في غیر خضر وعلی غیر ماء ،فقرأَ الحر الرسالة للامام الحسین علیه السلام وقال: له لابد من النزول هنا.
الامام الحسین في كربلاء
وهكذا فرض الحرُ علی الامام الحسین علیه السلام واصحابه النزولَ في ارض كربلاء ،و كان ذلك في الیوم الثانی من المحرم سنة إحدی و ستین، فقام الحسین خطیباً في أصحابه فحمد اللّه و أثنی علیه ثم قال: «إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون و إن الدنیا تغیّرت و تنكرت و أدبر معروفُها، و لم یبق منها إلا صبابةٌ كصبابة الإناء و خسیس عیش كالمرعى الوبیل، ألا ترون إلى الحق لا یعمل به و إلى الباطل لایُتناهى عنه، لیرغب المؤن في لقاء ربه حقاً حقاً، فإنی لا أرى الموت إلا سعادة و الحیاة مع الظالمین إلا برماً».
فقام بعض اصحابه مثل زهیر بن القین و هلال بن نافع البجلی وبریر بن خضیر فقالوا: واللّه یا ابن رسول اللّه لقد منّ اللّه بك علینا أن نقاتل بین یدیك فتُقطع في ك أعضاؤا ثم یكون جدُّك شفي عنا یوم القیامة.
لم یكن الامام الحسین علیه السلام الی ذلك الوقت مأیوسا من نصرة شیعته إیاه في الكوفة بعد، وكان یتوقع أن یسعوا الیه اذا عرفوا بنزوله في كربلاء.
لهذا السبب ولاجل إتمام الحجة علیهمكتب الیهم كتابا وارسله الیهم علی ید أَحد اصحابه .
فقد كتب الامام الیهم:
«بِسْمِ اللّه الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ من الحسین بن علی إلى سلیمان بن صرد و المسیب بن نجبة و رفاعة بن شداد و عبد اللّه بن وائل و جماعة المؤمنین : أما بعد فقد علمتم أن رسول اللّه صلىاللهعلیهوآله قد قال في حیاته من رأى سلطاناً جائرا مستحلاً لحُرم اللّه ناكثاً لعهد اللّه مخالفاً لسنة رسول اللّه یعمل في عباد اللّه بالإثم و العدوان ثم لم یغیّر بقول و لا فعل كان حقیقا على اللّه أن یُدخله مدخله و قد علمتم أن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشیطان و تولوا عن طاعة الرحمن و أظهروا الفساد و عطّلوا الحدود و استأثروا بالفي ء و أحلوا حرامَ اللّه وحرموا حلالَه و إنی أحق بهذا الأمر لقرابتی من رسول للّه صلى اللهعلیه وآله و قد أتتنی كتبكم و قدمتْ علیَّ رسلكم ببیعتكم أنكم لاتسلمونی و لاتخذلونی فإن وفي تم لی ببیعتكم فقد أصبتم حظكم و رُشدكم و نفسی مع أنفسكم و أهلی و وُلدی مع أهالیكم و أولادكم فلكم بی أسوة و إن لم تفعلوا و نقضتم عهودكم و خلعتم بیعتكم فلعمری ما هی منكم بنكر لقد فعلتموها بأبی و أخی و ابن عمی و المغرور من اغتر بكم فحظَّكم أخطأتم و نصیبكم ضیعتم فَمَنْ نَكثَ فَإِنَّما یَنْكثُ عَلى نَفْسِهِ و سیغنی اللّه عنكم و السلام.»[394]
رسالة الحر الی ابن زیاد
ثم إن الحر كتب إلی ابن زیاد یخبره بنزول الحسین بكربلاء علی غیر ماء ولا كلاء وانه ینتظر اوامره.
فقررعبید اللّه بعد استلامه لكتاب الحر أن یقاتل الامام الحسین ومع ان اصحاب الامام الحسین علیه السلام لم یكونوا الا قلة – اثنان وسبعون رجلا او مائة علی الاكثرَ وكان یكفي لمقاتلتهم من كان تحت امرة الحر بن یزید الریاحی وهم الف رجل إِلا أَن ابن زیاد قرر ان یبعث جیشاً اقوی و اكبر لمواجهة الامام وانصاره لانه كان یعلم بما كان یتمتع به الحسین ومن معه من الشجاعه والبسالة والاستعداد للایثار، جیداً، وكان یعلم ان كل واحد من اولئك الابطال لن یموت حتی یقتل عدداً كبیراً من الأشخاص.
هذا مضافا الی انه كان یحتمل أن یلتحق به فریق، من شیعته في أثناء الطریق بأَی شكل ممكن.
ولعله كان یتصور ان الحسین سیرعَب اذا واجه عددا هائلا من المقاتلین في سلّم ویستسلم.
لهذا السبب ولعل لأَسباب غیرها رأی من الصالح ان یهیی ء جیشاً اقوی وأكثر تجهیزاً.
ولهذا جمع ابن زیاد الناس في جامع الكوفة ثم خرج فصعد المنبر ثم قال:
أیها الناس إنكم بلوتم آل أبی سفيان فوجدتموهم كما تحبون و هذا أمیر المؤنین یزید قد عرفتموه حسِن السیرة محمود الطریقة محسناً إلی الرعیة یعطی العطاء في حقه قد أمنت السبل علی عهده و كذلك كان أبوه معاویة في عصره و هذا إِبنه یزید من بعده یكرم العباد و یغنیهم بالأموال و یكرمهم و قد زادكم في أرزاقكم مائة مائة و أمرنی أن أوفرها علیكم و أخرجكم إلی حرب عدوه الحسین فاسمعوا له و أطیعوا.
ثم نزل من المنبر وقسم أموالا هائلة بین الناس وأمرهم بالتوجه الی میدان القتال مع الحسین تحت إِمرة عمر بن سعد، وبهذا جهز عشرین أو ثلاثین الف شخص للقتال.
وكان قد استدعی عمرَ بن سعد الذی كان قد نصبه لولایة الریّ قبل ذلك وامره بقتال الحسین علیه السلام فلما استعفاه وطلب منه ایكال هذه المهمة الی غیره وقال له ابن زیاد: اذن اردد الینا عهدنا، فاستمهله لیلةً ثم قبل بعد یوم خوفاً من ان یعزل عن ولایة الریّ ، ثم توجه علی راس اربعة الاف فارس لقتال الامام .
ولما وصل جیش عمر بن سعد الی كربلاء واصطف في مقابل عسكر الامام علیه السلام بدات كتائب اخری تتوافد الی ارض كربلاء، تلتحق بعسكر ابن سعد بینما لم یجرؤ احد علی الالتحاق بركب الحسین من جانب آخر.
ولما رای الامام الحسین هذه الاوضاع ارسل إلی عمر بن سعد لعنه اللّه :إنی أُرید أن أكلمك فألقنی اللیلة بین عسكری و عسكرك 0
فخرج إلیه ابن سعد في عشرین و خرج إلیه الحسین في مثل ذلك فلما التقیا أمر الحسین علیه السلام أصحابه فتنحوا عنه و بقی معه أخوه العباس و ابنه علی الاكبر و أمر عمر بن سعد و أصحابه فتنحوا عنه و بقی معه ابنُه حفص و غلام له. فقال له الحسین علیه السلام : ویلك یا ابن سعد أ ما تتقی اللّه الذی إلیه معادك، ترید أ ن تقاتلنی و أنا ابن من علمتَ؟ ذر هؤاء القوم و كن معی فإنه أقرب لك إلی اللّه تعالی».
فقال عمر بن سعد :أخاف أن یُهدم داری.
فقال الحسین علیه السلام : أنا أبنیها لك.
فقال: أخاف أن تؤذ ضیعتی.
فقال الحسین علیه السلام : أنا أُخلف علیك خیراً منها من مالی بالحجاز.
فقال: لی عیال واخاف علیهم.
ثم سكت ولم یجبه الی شیء.[395]
وفي روایة ان ابن سعد كتب إلی عبید اللّه بن زیاد قائلاً : أما بعد فإن اللّه قد أطفأ النائرة و جمع الكلمة و أصلح أمر الأمة، هذا حسینٌ قد أعطانی أن یرجع إلی المكان الذی منه أتی، أو أن یسیر إلی ثغر من الثغور في كون رجلا من المسلمین.
فلما قرأ عبید اللّه الكتاب قال: هذا كتاب ناصحٍ مشفقٍ علی قومه.
فقام إلیه شمر بن ذی الجوشن فقال :أ تقبل هذا منه و قد نزل بأرضك وأتی جنبك و اللّه لئن رحل عن بلادك و لم یضع یده في یدك لیكونن أولی بالقوة و لتكونن أولی بالضعف و العجز فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن و لكن لینزل علی حكمك هو و أصحابه فإن عاقبتَ فأنت أولی بالعقوبة و إن عفوتَ كان ذلك لك.
فقال ابن زیاد : نِعم ما رأیت الرأی رأیك، أُخرج بهذا الكتاب إلی عمر بن سعد فلیعرَض علی الحسین و أصحابه النزول علی حكمی فإن فعلوا فلیبعث بهم إلی سَلماً، وإن هم أبوا فلیقاتلهم فإن فعل فاسمع له و أطع و إن أبی أن یقاتلهم فأنت أمیر الجیش فاضرب عنقه و ابعث إلی برأسه.
كتاب عبید اللّه الی ابن سعد
وكتب عبید اللّه بن زیاد إلی عمر بن سعد كتاباً قال في ه: إنی لم أبعثك إلی الحسین لتكف عنه و لا لتطاوله و لا لتمنیه السلامة و البقاء و لا لتعتذر عنه و لا لتكون له عندی شفي عاً ،انظر فإن نزل حسین و أصحابه علی حكمی و استسلموا فابعث بهم إلی سلماً وإن أبوا فازحف إلیهم حتی تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون فإن قتلت حسیناً فأوطئ الخیل صدره و ظهره فإنه عات ظلوم و لست أری أن هذا یضر بعد الموت شیئاً، ولكن علی قول قد قلته لو قد قتلته لفعلت هذا به فإن أنتَ مضیتَ لأمرنا فيه جزیناك جزاء السامع المطیع و إن أبیت فاعتزل عملنا وجندنا وخل بین شمر بن ذی الجوشن وبین العسكر فإنا قد أمرناه بأمرنا والسلام.
فأقبل شمر بن ذی الجوشن بكتاب عبید اللّه بن زیاد إلی عمر بن سعد فلما قدم علیه و قرأه قال له عمر: مالك ویلك لا قرَّب اللّه دارك و قبح اللّه ما قدمتَ به علیَّ و اللّه إنی لأظنك نهیته عما كتبت به إلیه و أفسدت علینا أمراً قد كنا رجونا أن یصلح لا یستسلم و اللّه حسین، إن نفس أبیه لبین جنبیه.
فقال له شمر: أخبرنی ما أنت صانع أ تمضی لأمر أمیرك و تقاتل عدوه و إلا فخل بینی و بین الجند و العسكر.
فقال ابن سعد: لا ولا كرامة، ولكن انا اتولی ذلك فدونك فكن انت علی الرجالة.
یوم تاسوعاء
حتی الیوم التاسع من شهر محرَّم لم تكن مسالة الحرب قد اتضحت بعد،وفي ذلك الیوم وصلت رسالة من جانب عبید اللّه بن زیاد الی عمر بن سعد القائد العام للجیش الكوفي في كربلاء: إن نزل الحسین علیه السلام واصحابه علی حكمی واستسلموا فابعث بهم الی سلماً وان هم أبوا فازحف الیهم حتی تقتلهم وتمثل بهم فانهم لذلك مستحقون.
وهنا عزم ابن سعد علی قتال الحسین علیه السلام لانه كان یعلم ان الامام لن یستسلم
قط ولهذا نادی في جیشه ،عصر الیوم التاسع من المحرم قائلا: یا خیل اللّه إِركبی وبالجنة فابشری.
فركب الناس ثم زحفوا نحوهم بعد العصر و كان الحسین علیه السلام جالسا أمام بیته محتبئاً بسیفه، وفي ما هو في هذا الحال إذ خفق برأسه علی ركبتیه، وسمعتْ اخته زینب الصیحة فدنت من اخیها وقالت: یا أَخی أما تسمع هذه الاصوات قد اقتربت؟
فرفع الحسین علیه السلام رأسه فقال: «إنی رأیت رسول اللّه الساعة في المنام و هو یقول لی: إنك تروح إلینا».
ثم قال لاخیه العباس بن علی:«اركب أنت یا أخی حتى تلقاهم و تقول لهم ما لكم و ما بدا لكم؟ و تسألهم عما جاء بهم».
فأتاهم العباس في نحو من عشرین فارسا، فقال لهم العباس: ما بدا لكم و ما تریدون؟
قالوا: قد جاء أمر الأمیر أن نعرض علیكم أن تنزلوا علی حكمه أو نناجزكم.
قال: فلا تعجلوا حتی أرجع إلی أبی عبد اللّه فأعرض علیه ما ذكرتم .
ثم انصرف العباس راجعاً یركض إلی الحسین علیه السلام یخبره الخبر، فلما جاء و أخبره بما قال القوم.
قال له:«ارجع إلیهم فإن استطعت أن تؤرَهم إلى غد و تدفعهم عنا العشیة لعلنا نصلِّی لربنا اللیلة و ندعوه و نستغفره، فهو یعلم أنی قد أحب الصلاة له و تلاوة كتابه و كثرة الدعاء و الاستغفار».
فمضی العباس إلی القوم وطلب منهم ما اراده الامام الحسین علیه السلام فقبلوا و رجع من عندهم و معه رسولٌ من قبل عمر بن سعد یقول :إنا قد أجلناكم إلی غد فإن استسلمتم سرحنا بكم إلی عبید اللّه بن زیاد و إن أبیتم فلسنا بتاركیكم فانصرفْ.
الأمر بالإستعداد والتهیُّؤ
وفي هذا الوقت اصبح وقوع الحرب امراً قطعیاً وبالنظر الی أن جیش الامام الحسین علیه السلام كان محاصَرا من قِبل جیش العدو الكبیر، بصورة كاملة لهذا لم یعد في مقدورأنصارالامام المتواجدین في الكوفة الالتحاق به، فكانت نتیجة الحرب – لذلك – واضحة جداً وهی : الموت بشرف والقتل في سبیل اللّه ، لأن الإمام الحسین علیه السلام لم یكن مستعدا للتسلیم والاستسلام لابن زیاد ، في أی حال من الأحوال ، ولهذا عزم علی المقاومة والثبات والوقوف في وجه جیش العدو الضخم ، بكل بسالة و شجاعة ، رغم قلة أنصاره وأعوانه، وعدم الرضوخ للذلة حتی الشهادة ، وكان علیه – لبلوغ هذا الهدف الكبیر- من إعداد أسبابه ومقدماته اللازمة ، وتهیئة أصحابه وأعوانه بل وحتی عائلته 0
وعلی هذا الأساس قام علیه السلام بالامور التالیة:
1- إختبارأصحابه وأنصاره: مع أن الإمام الحسین علیه السلام كان یعرف أصحابه وأنصاره ، وأقرباءه معرفةً كاملةً ، وكان یثق بمدی إیمانهم وإلتزامهم و وفائهم، فإنه – في ظل الاو ضاع والظروف الجدیدة، وحتمیة وقوع الشهادة – رأی من اللازم أن یُطلعهم علی حقیقة الاوضاع حتی لا یكون في جماعته من لا یرغب في الشهادة، ولكنه یری نفسه مضطرا للبقاء مع الحسین تحت طائلة الخجل أوبعض الاعتبارات الاخلاقیة، ولیتمكن أن ینجو بنفسه من یرید أن ینجو.
من هنا جمع أصحابه وأنصاره وأقرباءه – في خیمته – بعد أن غربت شمس الیوم التاسع من المحرم – وخطب في هم وطرح علیهم الموضوع 0
قال علی بن الحسین زین العابدین علیهماالسلام: «فدنوت منه لأسمع ما یقول لهم و أنا إذ ذاك مریض فسمعت أبی یقول لأصحابه :أثنی علی اللّه أحسن الثناء و أحمده علی السراء و الضراء اللهم إنی أحمدك علی أن أكرمتنا بالنبوة و علمتنا القرآن و فقهتنا في الدین و جعلت لنا أسماعاً و أبصاراً و أفئدة فاجعلنا من الشاكرین، أما بعد فإني لا أعلم أصحابا أوفی و لا خیرا من أصحابي و لا أهل بیت أبر و أوصل من أهل بیتی فجزاكم اللّه عنی خیرا ألا و إنی لأظن یوما لنا من هؤلاء.
ألا و إني قد أذنت لكم فانطلِقوا جمیعاً في حِل لیس علیكم حرج منی و لا ذمام، هذا اللیل قد غشیكم فاتخذوه جملا».
فقام العباس بن علی وقال: لا نفعل ذلك ابدا، لا ابقا نا اللّه بعدك، ولاكان ذلك الیوم أبدا».
و قام بعد ذلك إخوته وبنوه وبنو عمومته وابناء عبد اللّه بن جعفر وقالوا مثل ما قال العباس0
ثم خاطب الحسین علیه السلام أَبناء عقیل قائلا :«یا بنی عقیل حسبكم من القتل بمسلم بن عقیل فاذهبوا انتم فقد اذنتم لكم».
فقالوا: سبحان اللّه ما یقول الناس؟ نقول إنا تركنا شیخنا و سیدنا و بنی عمومتنا خیر الأعمام و لم نرم معهم بسهم و لم نطعن معهم برمح و لم نضرب معهم بسیف و لا ندری ما صنعوا، لا و اللّه ما نفعل ذلك، و لكن نفدیك بأنفسنا و أموالنا و أهلنا و نقاتل معك حتی نرد موردك فقبح اللّه العیش بعدك.
ثم جاء دور اصحابه فقام إلیه مسلم بن عوسجة فقال : أنحن نخلیِّ عنك و بما نعتذر إلی اللّه في أداء حقك، لا و اللّه حتی أطعن في صدورهم برمحی و أضربهم بسیفي ما ثبت قائمه في یدی و لو لم یكن معی سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، و اللّه لا نخلیك حتی یعلم اللّه أنا قد حفظنا غیبة رسول اللّه فيك، أما و اللّه لو علمت أنی أُقتل ثم أُحیا ثم أُحرق ثم أُحیا ثم أُذری یفعل ذلك بی سبعین مرة ما فارقتك حتی ألقی حمامی دونك، فكیف لا أفعل ذلك وإنما هی قتلة واحدة ثم هی الكرامة التی لا انقضاء لها أبدا.
و تكلم بعد ذلك جماعة من أصحابه بكلام یشبه بعضه بعضاً في وجه واحد فجزّاهم الحسین خیرا ودعالهم.
وهكذا اختبر الامام الحسین علیه السلام وفي ذلك الظرف الحساس اصحابه وثبت له علیه السلام وفاؤهم .
2- إحداث ملجأ : من أخطر ما یهدد أی جیش من الجیوش في حال القتال هوعدم وجود ملجأ، ولهذا السبب یحاول كل جیش أن یجعل ساحة القتال عند جبل او تلة مرتفعة أو با لقرب من نخیل أو غابة أوعند نهر عریض لیأمن من هجوم مباغت من جانب العدو المتربص من خلفه ویكون القتال من جهة الامام فقط0
وللأسف لم تكن ساحة القتال في كربلاء علی هذا النحو، لأن جنود ابن زیاد أجبروا الإمام الحسین علیه السلام وأصحابه وأهله علی النزول في مكان لیس فيه ای جبل او تل اونخیل ، فكان في مقدور العدو أن یهاجم معسكر الإمام في جمیع الأطراف والنواحی 0
ومن الواضح جداً مدی صعوبة القتال والمواجهة في مثل هذه الحالة 0
ولحل هذه المشكلة أمر الامامُ الحسین علیه السلام أصحابه بأن یقاربوا بین الخیم والمضارب ویجعلوا حبالها متداخلة لیمنعوا بذلك من مهاجمتهم من الخلف0
ثم أمر بحفر خندق وراء الخیم وملئه بالحطب من أجل إشعاله عندما تقع الحرب لیكون ذلك ساترا آخرَ أمام العدو.
هذا مضافا إلی أن ذلك الخندق كان یمنع العدو من مهاجمة خیام الامام الحسین وخیام اصحابه وأنصاره0
3- تعبئة الجیش وتنظیمه : كانت المعركة بین جیش ابن زیاد والجیش الحسینی معركة غیر متكافئة جدا ،من حیث الامكانیات والعدد لأن عدد جند الإمام الحسین علیه السلام كان علی اغلب التقادیر إثنین وسبعین وعلی أكثر التقادیر مائة وخمسة واربعین شخصا في ما كان جیش العدو یُقدَّر باثنین و عشرین الی ثلاثین ألفا[396]
وهذه النسبة غیر متكافئة جدا ، ولكن عدم التكافؤ بكل أنواعه هذا لم یكن له أی تأثیر في معنویات الامام الحسین وأصحابه وأعوانه ولم یُظهرالامام أَی ضعف تجاه هذا الأمر أبدا ، بل كان عازما علی الدفاع عن نفسه وجادا تمام الجد في هذا المجال ولذلك عمد الی تعبئة جنوده وتنظیم صفوفهم ، فجعل زهیر بن القین علی المیمنة وحبیب بن مظاهر الاسدی علی المیسرة وجعل العباس بن علی صاحب لواء جیشه.[397]
وبعد الانتهاء من هذه الاعمال دخل كل من الامام الحسین علیه السلام وأصحابه وأعوانه ، خیمته واشتغل بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ومناجاة اللّه تعالی0
ولقد بات الامام الحسین علیه السلام وأصحابه لیلة عاشوراء ولهم دويٌ كدوي النحل دعاءً وضراعة ً وقراءةً وصلاةً وقیاما وقعودا وركوعا وسجودا.[398]
یوم عاشوراء
الیوم العاشر من شهر المحرم عام 61 هجریة یسمی بیوم عاشوراء.. في مثل هذا الیوم وقعت في أرض كربلاء حوادث في غایة الفضاعة وهی من الفجاعة بحیث لن تزول من الاذهان.
ففي هذا الیوم وقعت بین اصحاب الامام الحسین علیه السلام من جانب وجنود عمر بن سعد من جانب آخر حرب ضاریة استتبعت حوادث محزنة ومؤلمة.
فقد قُتل في هذه المعركة الامام الحسین علیه السلام وجمیع شبابه وأصحابه الا علیّ بن الحسین]السجاد] الذی كان آنذاك مریضاً بشدة وقتلوا با فجع صورة.
لقد سجل المؤرخون وارباب المقاتل حوادث ذلك الیوم بصورة دقیقة ومفصلة وخصصوا للحدیث باسهاب عن كل واحد من شهداء هذه الواقعة بصورة منفردة،وكتبوا عن كیفية خروجه الی القتال وعن رجزه وبطولاته وعدد من قتل من الاعداد وكیفية استشهاده، وقاتله علی وجه التفصیل.
ونحن هنا وفي هذه الصفحات القلائل لا یمكننا ان نذكر جمیع الحوادث المحزنة والالیمة التی وقعت في ذلك الیوم، ولهذا ینبغی لمن اراد الاطلاع علی هذه التفاصیل ان یراجع مئات الكتب المدونة في هذا المجال ولكن لأجل أن یقف القاریء الكریم علی ماهیة وقعة كربلاء الدامیة نقوم باعطاء مقارنة ومقایسة قصیرة بین الامام الحسین علیه السلام واصحابه من جانب وبین یزید بن معاویة واعوانه من جهة اخری.
مقارنة بین قادة المعسكرین
لم یكن الإمامُ الحسین بن علی علیه السلام ویزید بن معاویة من نمط واحد من حیث العائلة و طریقة التفكیر و الهدف، بل كانا مختلفي ن تمام الاختلاف من حیث الشخصیّة، و علی نوعین من التفكیر.
لقد كان الحسین بن علی إنسانا شریفا و رجلاً كریما و متدیّنا، و مؤمنا – من أعماقه – بالاسلام و بالقیم الدینیة.
كان علیه السلام إنسانا طاهرا معصوما، طافحا بالعواطف و الأحاسیس الإنسانیة و الإسلامیة كما كان متقیدا بمراعاتها في جمیع الأحوال وقد مدحه رسول الإسلام صلی الله علیه وآله مرارا و ضمن احادیث تفوق الحصر منها قوله علیه السلام : « الحسن و الحسین سیّدا شباب أهل الجنّة».[399]
ارجو ان تلتفِتوا إلی النموذجین التالیین من السّلوك:
عندما التقی الحسین بجیش الحرّ بن یزید الرّیاحی، و أحسّ بأنهم عطاشی، أمر أصحابه بأن یسقوهم جمیعا، بل و یسقوا خیولهم، أیضا، و حتی أن أحد جنود العدو عندما عجز عن شرب الماء ساعده الإمام علی شرب الماء.[400]
و لكن ابن زیاد أمر قائد قواته عمر بن سعد أن یقطع الماء عن الحسین و أصحابه و عائلته ولم یسمح و لابقطرة ماء واحدة لهم.[401]
لقد قلنا سابقا أنّ الحسین علیه السلام لم یكن طالب حرب وقتال، بل كان یسعی دائما أن لایقع قتال ولاتكون هناك حرب، بل لما واجه – في بدایة الحرب – شمر بن ذی الجوشن وهو من أخبث وأخطر افراد العدوّ، وأراد أحد أصحابه أن یستهدفه ویرمیه لم یأذن له الإمام الحسین وقال: « إنی أكره أن أبدأهم بالقتال ».[402]
و لكن عمر بن سعد أصدر أمرا ببدء القتال و صاح قائلاً: ما الانتظار؟ لماذا لاتبدأون القتال؟.[403]
لقد كان یزید شخصا فاسقا مستهتراً وغیرملتزم بالأحكام والقوانین والقیم الاسلامیة.
لقد كتب زیاد بن أبیه الذی اراد منه معاویة بن أبی سفيان أن یقوم بعمل في مجال الاعلان عن استخلافه لابنه یزید و ابلاغ الناس بذلك فكتب إلیه ابن زیاد: ما یقول الناس اذا دعوناهم الی بیعة یزید وهو یلعب بالكلاب والقرود، ویلبس المصبغ ویدمن الشراب ویمشی علی الدفوف؟!! [404]
لقد كان یزید هوالشخص المتعجرف الذی – من أجل ارساء قواعد حكمه غیرالمشروع ـ كتب إلی والیه في المدینه أن أَحضر الحسین وخذ منه البیعة لی فان امتنع فاضرب عنقه.[405]
لقد كان الإمام الحسین علیه السلام مضطرا لأن یغادر مكة حفاظا علی نفسه و لكن یزید بن معاویة كلّفَ أشخاصا لیغتالوا الإمام علیه السلام في الحرم الالهی الآ من مما اضطرّ معه الإمام علیه السلام إلی التوجّه نحو الكوفة.[406]
و قد قُتِل الحسین علیه السلام و أصحابه في كربلاء في المآل بأمر یزید و اُسر عیاله و اُخذوا إلی الشام.
إنّ یزید كانَ هو الذی أمر مسلم بن عقبة لیتوجّه علی رأس خمسة آلاف إلی المدینة المنوّرة لیستبیحوا النساء و الفتیات مدة ثلاثة أیّام و ینتزعوا الاموال من أصحابها و یرتكبوا الجرائم التی لطخت التاریخ، حتی اُخذت البیعة من أهل المدینة علی أنهم عبید لیزید.[407]
لقد كان والد الإمام الحسین علیه السلام هو الإمام علی بن أبی طالب علیه السلام ثانی شخصیة إسلامیة سبق أن ذكرنا فضائله و كمالاته.
– لقد كان علي علیه السلام أول من أسلم و هو بعد لم یبلغ الحُلم.
– و كان في خدمة الاسلام و النّبی الأكرم صلی الله علیه وآله .
– و نام علی فراش النّبی صلی الله علیه وآله لیلة المبیت واقیا بنفسه النبیَّ صلی الله علیه وآله و لیحفظه من شر الاعداء و كیدهم.
– و كان زوج فاطمة الزهراء و صهر رسول اللّه صلی الله علیه وآله .
– و كان شجاعا جدا و شارك في جمیع الحروب و قُتل عدداً كبیر من العدوّ علی یده.
– و قد استوعب كلَ علوم النبی صلی الله علیه وآله و كان عیبة علمه، و قد آمن بالاسلام و القیم الاسلامیة من أعماقه، و كان بنفسه تجسیداً لكل الكمالات و القیم الاسلامیة و الانسانیة.
واما یزید فقد كان والده معاویة بن أبی سفيان ،وهو الذی وصفه إبن أبی الحدید بأوصاف ذمیمة فهو یذكر:
– لبسه الحریر
– شربه في آنیة الذهب و الفضة حتی أنكر علیه ذلك أبو الدرداء فقال له: إنی سمعت رسول اللّه صلی الله علیه وآله یقول: إن الشارب فيها لیجرجر في جوفه نار جهنم،و قال معاویة: أما أنا فلا أری بذلك بأساً.
– استئثاره بمال الفي ء.
– ضربه من لا حد علیه.
– إسقاط الحد عمن یستحق إقامة الحد علیه.
– حكمه برأیه في الرعیة و في دین اللّه.
– استلحاقه زیاداً و هو یعلم قول رسول اللّه صلی الله علیه وآله : « الولد للفراش و للعاهر الحجر».
– قتله حجر بن عدی و أصحابه و لم یجب علیهم القتل.
– إِهانته لأبی ذر الغفاری و جبهه و شتمه و إشخاصه إلی المدینة علی قتب بعیر ومن دون وطاء لإنكاره علیه.
– لعنه علیاً و حسناً و حسیناً و عبد اللّه بن عباس علی منابر الإسلام.
– عهده بالخلافة إلی ابنه یزید مع ظهور فسقه و شربه المسكر جهاراً و لعبه
بالنرد و نومه بین القیان المغنیات و اصطباحه معهن و لعبه بالطنبور بینهن.[408]
لقد كان جدّ یزید ابوسفيان بن حرب، و كان من رؤوس الشرك الذین عادوا رسول الاسلام و كان یؤذیه و یؤذی أصحابه و یثیر الفتن و الحروب في وجوههم.[409]
و في معركة بدر كان یحرّض المشركین علی قتال المسلمین، و في هذه المعركة قُتِل أحد أولاده و یدعی حنظلة، و اُسر له ولد آخر یدعی عمر بن أبی سفيان.[410]
و في معركة اُحد ایضا كان یحرض المشركین علی مقاتلة المسلمین، و في هذه المعركة استشهد حمزة بن عبدالمطلب عم النبی و اهدیت كبده إلی هند زوجة أبی سفيان و قد لاكته بین أسنانها لشدة بغضها له، و جاءت إلی جسده و مثلت به تمثیلاً فضیعا، و صنعت من ذلك قلادة و خلخالاً و سواراً.[411]
و قد أظهر أبوسفيان بعد واقعة أُحد التی استُشْهِد في ها كثیرٌ من المسلمین الفرح و السرور و كان ینادی أُعل هُبَل، اُعْلُ هُبَل .. لنا العُزّی، و لاعُزّی لكم.[412]
و لقد بقی أبوسفيان علی كفره – الی حین فتح مكة – حیث اسلم في الظاهر خوفا علی نفسه، و قد قبل النبی اسلامه.[413]
و من ذلك الوقت كان رسول اللّه صلی الله علیه وآله یتفقد حاله ،ویلطف به و إن كان اسلامه ظاهریا، و ادعاءً، و لكن یظهر من بعض حوادث التاریخ انه لم یعتنق الاسلام.
یقول ابن أبی الحدید عنه: بعد أن اخذ عثمان البیعة من الناس دخل بیته ودخل الیه بنو امیة حتی امتلأت بهم الدار ثم اغلقوها علیهم فقال ابو سفيان بن حرب: أعندكم أحد من غیركم ؟
قالوا: لا.
قال: یابنی أُمیة تلقَّفوها تلقُّف الكرة فوالذی یحلف به ابو سفيان ما من عذابٍ ولا حسابٍ ولا جنةٍ ولا نارٍ ولا بعثٍ ولا قیامة!!.[414]
أهداف قادة المعسكرین
لم یكن الامامُ الحسین علیه السلام و یزید أصحاب هدف واحد في هذه المعركة بل كانا یهدفان أمرین مختلفين تماما.
فهدف الامام الحسین علیه السلام كما نعرف ذلك من وصیته لمحمد بن الحنفي ة ثلاثة اُمور:
1ـ إصلاح اُمة جده رسول اللّه صلی الله علیه وآله .
2ـ الأمر بالمعروف و النهی عن المنكر.
3ـ إحیاء سیرة رسول اللّه و علی بن أبی طالب صلوات اللّه علیهما المنسیّة.[415]
ولقد كان الامام الحسین علیه السلام یقصد تحقیق أهدافه الثلاثة بطریقین هما:
الأول: تأسیس حكومة إسلامیة واقعیة إن أمكن و تهیّأت الظروف الملائمة و المناسبة لذلك.
الثانی: و اذا لم تتهیا الظروف المناسبة و الملائمة لقیام الحكومة الاسلامیة و آل الأمر الی القتال، ثبت الامام الحسین علیه السلام و أصحابه في وجه العدو بكل بسالة و قاوموا الی حدّ الشهادة، و بذلك یكونون قد علّموا المسلمین دروسا في الثبات علی الدین و الجهاد في سبیل اللّه و الدفاع عن الاسلام و القیم الاسلامیة.
هذا مضافا إلی أن الإمام علیه السلام أثبت بثورته في وجه حكومة یزید عدم مشروعیتها، و أظهر ظلمها و شرورها و كفرها و نفاقها الباطنی وتهیّأت الارضیة لثورات اُخری ضدّ حكومات بنی اُمیّة.
و من الصّدف أن ثورة الامام الحسین علیه السلام لم تكن موفّقة في القسم الأوّل، و لكنها نحجت تمام النجاح في القسم الثانی.
و اما یزید بن معاویة فقد كان یهدف في هذه المعركة الدامیة أمرین:
1ـ ترسیخ قواعد حكومته غیر المشروعة من خلال أخذ البیعة من الإمام الحسین بن علي علیه السلام و ابن رسول اللّه صلی الله علیه وآله و إضفاء طابع الشرعیة علی حكومته من خلال الاستمرار في الظلم و المجون.
كتب الیعقوبی في هذا المجال یقول: لقد كتب یزید بن معاویة بعد وفاة والده الی والیه علی المدینة ان أحضر الحسین بن علی و عبداللّه بن الزبیر فخذهما بالبیعة لی فان امتنعا فاضرب اعناقهما وابعث لي برؤوسهما.[416]
2ـ الانتقام من بنی هاشم و بخاصه أبناء الامام علی علیه السلام لان عم یزید و جمعا آخر من رؤوس قریش و أقرباء مثل عتبة و شیبة و الولید و أبی جهل یزید قد قتلوا جمیعا في بدر.[417]
إن یزید و معاویة وان كانا یدعیان الاسلام و لكنهما كانا ینطویان علی احقاد جاهلیّة كبیرة، و من هنا یمكن القول أن الانتقام من أبناء رسول اللّه صلی الله علیه وآله كان أهداف یزید في وقعة كربلاء الدامیة.
و هناك شواهد كثیرة علی هذا الاحتمال في التاریخ أصلاً.
لقد كتب المؤرخون أن أهل الإمام الحسین علیه السلام وعائلته عند اُدخلوا أسری في الشام اُخذ رأس الامام علیه السلام إلی مجلس یزید، فأمر بمائدة الطعام أن تمدَّ و جعل الرأس المقدس علی المائدة.[418]
فكان یشرب الفقاع مع أصحابه و یأكلون الطعام، و كان یؤتی بالرأس المطهر في طست ثم یلعب الشطرنج إلی جانبه، و یسخر بالحسین و جدّه و أبیه او كان اذا انتصر علی منافسه شرب كأسا من الفقاع، و صبّ مازاد منه عند الطست و ینشر ابیاتا كالتالی:
لیت أشیاخی ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسلّ
لأهلَّوا و استهلّوا فرحا
و لقالوا یایزید لاتُشلّ[419]
مقارنة بین جنود الطرفين
لقد كان أصحاب الامام الحسین علیه السلام وكذا أصحاب یزید علی غرار قادتهم من ناحیة الشخصیة الإجتماعیة و طریقة التفكیر و نمط الأهداف و السلوك.
لقد كان أصحاب الامام الحسین علیه السلام أَشخاصاً متدینین و مؤمنین یتصفون بالعدالة، و الإیثار و الشجاعة و الوفاء، و المروءة و مناعة الطبع و الغیرة و بعیدین عن الطمع و الحرص، و موصوفين بالانصاف، و حب الخیر.
إنهم لم یأتوا الی كربلاء مع الحسین طلبا للجاه و المقام و المال و الثروة، بل عرفوا هدفه المقدس، و رافقوه لتحقیق ذلك الهدف، و حاربوا إلی جانبه دفاعاً عن هدفه بمنتهی الشجاعة و البسالة و دافعوا عن حریم الولایة، حتی سُقوا – في المآل – كؤوس الشهادة والتحقوا بالرفيق الأعلی و حظوا بلقائه عن رغبة، و حب.
و لقد ذُكرت – في كتب التاریخ – عن أصحاب الامام الحسین نقاط رائعة و جمیلة بل و مفيدة تحكی عن عمق ایمانهم، و اخلاصهم، وفضائلهم الاخلاقیة لانجد هنا فرصة لذكرها و للأسف. و لكننا نكتفي بذكر نموذجین هنا:
النموذج الاول: بعد ظهر العاشر من شهر محرّم اقترب شمرُ بن ذی الجوشن إلی مخیم الحسین علیه السلام و قال: این بنو اُختنا و كان مقصوده: العباس و جعفر و عبداللّه و عثمان أبناء علی علیه السلام من اُم البنین، و كان بین ام البنین و شمر قرابة.
و اراد العباس أن لایجیب شمرا، و لكن الإمام الحسین قال له: أجبه.
فاقترب العباس إلی شمر و قال له: ماترید؟
فقال الشمر:أنتم یابنی اختی آمنون.
فقال له: لعنك اللّه ولعن امانك، أَتؤمننا وابن رسول اللّه لا أَمان له؟.[420]
النموذج الثانی: عند ظهر عاشوراء و في ذروة القتال قال أحد أصحابه و هو أبوثمامة الصیداوی للحسین علیه السلام : یا ابا عبد اللّه، نفسی لنفسك الفداء، هؤلاء اقتربوا منك، ولا واللّه لاتُقتل حتی أُقتل دونك، وأُحب ان القی اللّه ربّی وقد صلیتُ هذه الصلاة .
فرفع الحسین راسه الی السماء وقال ذكرت الصلاة جعلك اللّه من المصلّین، نعم؛ هذا أول اوقاتها.
ثم قال: سلوهم ان یكفوا عنا حتی نصليّ.
فقال الحصین بن نمیر: إنها لا تُقبل .
فقال حبیب بن مظاهر: لا تُقبل الصلاة زعمتَ من ابن رسول اللّه وتُقبل منك یا ختار؟
وروی أن سعید بن عبد اللّه الحنفي تقدم امام الحسین وجعل نفسه تُرسا للامام فاخذوا یرمون الحسین بالنبال كلما اخذ الحسین یمیناً وشمالاً قام بین یدیه فما زال یرمی حتی سقط الی الارض وهو یقول: اللهم إلعنهم لعن عاد وثمود، اللهم أبلغ نبیك السلام عنّی وأبلغه ما لقیت من الم الجراح فانی أردت بذلك نصرة ذریة نبیك ثم مات رضوان اللّه علیه فوُجد به ثلاثة عشر سهماً سوی مابه من ضرب السیوف وطعن الرماح.[421]
لقد كان أصحاب یزید و جنوده علی نمطه من حیث النفسیات الفاسدة و من حیث الأهداف الدنیویة و الحیوانیة المنحطة، فقد كانوا علی غراره طلاب شهوة و مال، عدیمی الاخلاق، و الشخصیة، لایرتدعون عن ای نوع من انواع الجریمة في سبیل الوصول الی أهدافهم الحیوانیة، كانوا یدافعون عن ما یقوم به یزید لترسیخ قوائم حكمه و تقویة قواعد دولته، لیصلوا في ظل ذلك إلی ما كانوا یفكرون في ه و یطمحون إلیه من مزید المال و الثروة و الجاه و المنصب.
و لقد قاد عبیداللّه بن زیاد المتعطش إلی الجاه و المنصب معركة كربلاء الدامیة و ارتكب ما ارتكب في ها من الفضاعات، ردا منه لجمیل الوصول إلی حكومة الكوفة من جانب یزید.[422]
و عندما دخل ابن زیاد الكوفة عمد إلی استخدام سلاح التهدید و الترغیب لتفریق الناس و إبعادهم عن مسلم بن عقیل و القبض علیه و قد استخدم نفس هذا الاسلوب لحضّ الناس علی مقاتلة الامام الحسین علیه السلام أیضا.[423]
علی أن ضعف الإیمان و الجهل كانا بعض أسباب هذه الحالة، فعلی أثر ضعف الإیمان و الجهل و حبّ الدنیا قام جنود ابن زیاد بارتكاب كل جنایة مخزیة حتی أنهم لم یرتدعو عن العملیات القاسیة التی تعتبر جرائم حرب:
– فقد حالوا بین ماء الفرات و بین أصحاب الامام الحسین علیه السلام وانصاره و نسائه و اولاده و أطفاله بحیث إرتفع صراخ الاطفال و هم یشكون العطش وهم یقولون: واعطشاه، و دوی هذا الصراخ في أرض كربلاء.
– انهم لم یرتدعوا عن قتل الأطفال الصغار بل و حتی الرضع، كما أنهم بعد أن قتلوا الإمام الحسین علیه السلام و أصحابه و أعوانه بكل قسوة و وحشیّة حزّوا رؤوسهم و قسّموا الرؤوس بین قادة الجیش، لیأخذوها إلی ابن زیاد و یحظوا منه بالجوائز.
– انتزعوا ثیاب القتلی و الشهداء و لم یتركوا حتی الألبسة الزهیدة القیمة.
– أغارو علی خیام الإمام الحسین علیه السلام و مضاربه و نهبوا مافيها.
– احرقوا الخیام و المضارب.
– للحصول علی الأقراط لم یأبهوا انتزاعها من آذان البنات والصبایا بقوة وقسوة مما ادی إلی تمزیقها و جرحها.
– عمدوا إلی دفن قتلاهم و لكنهم تركوا جسم الإمام الحسین علیه السلام واجساد أصحابه علی الرمال من دون دفنها و مواراتها و الحال أن كفن بدن المیت و دفنه أمر واجب شرعاً.
ـ أَسروا عوائل الشهداء و اولادهم و حملوهم كالاسری من كربلاء الی الكوفة وطافوابهم في أزقة الكوفة أمام الناس و أدخلوهم إلی مجلس ابن زیاد و أَهانوهم في ذلك المجلس.
ـ عرضوهم علی الناس عند حملهم اسری من الكوفة إلی الشام في القری و المدن، و عند ورودهم في الشام زینوا البلد و طافوا باهل البیت في الطرقات و الاسواق، و الازقة ثم أَدخلوهم في مجلس یزید و اهانوهم و احتقروهم في ذلك المجلس.
و العجب أن هذه الجرائم المشینة تمت علی ید اشخاص كانوا یعتبرون أنفسهم مسلمین و مؤمنین برسول اللّه صلی الله علیه وآله وهو جدّ هؤلاء الشهداء و الاسری الذین كانوا من أهل بیت النبی صلی الله علیه وآله .
أهداف الامام الحسین و طریقته في متابعتها
لكی نعرف – بصورة افضل -أهداف الامام الحسین علیه السلام في نهضه كربلاء الدامیة من الأفضل أن نراجع كلماته علیه السلام .
فقد كتب المؤرخون لهذه النهضة الكبری أن الامام الحسین علیه السلام عندما اراد الخروج من المدینة كتب وصیّة الی أخیه محمد بن الحنفية جاء في ها: « انی لم اخرج أشرا ولابطرا ولا مفسدا ولاظالما انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدی، أُرید ان آمر بالمعروف وأَنهی عن المنكر وأَسیر بسیرة جدی وأَبی علی بن أَبی طالب علیه السلام .[424]
لقد اشار الامام الحسین علیه السلام في هذه الوصیة إلی ثلاثة أهداف لقیامه وهی: اصلاح اُمور المسلمین، والأمر بالمعروف و النهی عن المنكر، وإحیاء سیرة جدّه رسول اللّه صلی الله علیه وآله و أبیه علی بن أبی طالب علیه السلام .
بقلیل من الامعان یمكن القول بأن أهمّ هدف ذلك الامام كان هو اصلاح اُمور الاُمة التی حرّفت سیرة رسول اللّه صلی الله علیه وآله في المجالات المختلفة العبادیة، و الاجتماعیة، و الأخلاقیة و السیاسیة، والاقتصادیة.
و لقد قام الإمام الحسین علیه السلام بهذا المهمّ من خلال الأمر بالمعروف و النهی عن المنكر بجمیع مراحلها و مراتبها.
و علی هذا الاساس یمكن وصف نهضة الإمام الحسین علیه السلام بأنها كانت عملاً
اعتراضیا و نهضة إصلاحیة و قدتمت ضمن مراحل مختلفة و طبقا لمقتضیات الزمان و المكان.
المرحلة الأُولی: الهجرة من المدینة )فقد كتب یزید إلی والی المدینة ( الولید ) بعد موت أبیه معاویة أن یأخذ البیعة من الحسین بن علي، و إن یقتله أن امتنع من إعطاء البیعة و لكن الإمام الحسین علیه السلام كان یعتبر حكومة یزید حكومة غیر شرعیّة، و لم یكن مستعدا – لإضفاء الشرعیة علی هذه الحكومة و لهذا امتنع عن مبایعة یزید و خرج من المدینة و اتجه الی مكة لإثبات عدم رضاه، بمبایعته، و كان هذا العمل یعدّ نوعا من النهی عن المنكر.
المرحلة الثانیة:( الإقامة في مكة) لقد قصد الامام الحسین علیه السلام ان یبقی في مكة، و أن یثبت ضمن إعتراضه العملیّ – في صورة الإمكان إبداء اعتراضه، و إظهار عدم رضاه، بالخطابة في جماعة المسلمین الوافدین من البلاد المختلفة إلی مكة بقصد الحج و كان هذا نوعا من الأمر بالمعروف و النهی عن المنكر، و لكن حدثت حادثتان جدیدتان في مكة كان من الممكن أن تؤثران علی ارادة الأمام علیه السلام .
الاولی: أن شیعة الكوفة اطلعوا – خلال مدة توقف الامام الحسین علیه السلام في مكة – علی عدم مبایعته و حركته باتجاه مكة، فدعوه ضمن رسائل كثیرة جدا.
الثانیة: ان الامام الحسین علیه السلام اطّلع علی ان یزید بن معاویة قد كلّف عدة أَشخاص لاغتیال الإمام سرّا.
المرحلة الثالثة:الحركة باتجاه الكوفة) بالنظر إلی الحادثة المذكورة تغیّرت الاوضاع فمن جانب لم یكن في امكان الامام أن یبقی في مكة لانه في صورة اغتیاله كانت تنهار قداسة الحرم و یذهب دمه هَدَرا، و من جانب آخر كان شیعة العراق قد دعوه، و لم یكن لدیه ای حجة في رفض دعوتهم.
و بناء علی هذا أحس الامام علیه السلام بالمسؤولیّة و رأی بأن یتحر كباتجاه الكوفة و یواصل حركته الاعتراضیة.
و في نفس الوقت و لأجل رعایة الاحتیاط بعث مسلم بن عقیل – في البدایة – مع رسالة إلی الكوفة لیتقصّی الحقائق من قریب، و یطلعه علی حقیقة الحال، و بعد مدة تلقی كتاباً من مسلم بن عقیل جاء فيه: أَنه قد بایعه في الكوفة خلق كثیر وهم ینتظرونه .
لقد احسّ الإمام الحسین علیه السلام بأن علیه أن یتوجّه إلی العراق لأنّه من جانب یمكنه أن یواصل- بذلك – حركته الإعتراضیة، و من جانب آخر كانت رسائل أهل الكوفة و كتاب مسلم تكشف عن أن أرضیة تأسیس الحكومة الاسلامیة بدون التوسل بالحرب و سفك الدماء و من خلال مناصرة جماعات كبیرة من الشیعة قد تهیّأت، وفي النتیجة یتمكن الإمام من إِحیاء الحكومة الاسلامیة و سیرة جدّه رسول اللّه صلی الله علیه وآله و اصلاح أوضاع المسلمین و هو أعلی مرتبة من مراتب الأمر بالمعروف و النهی عن المنكر.
في هذه الاثناء اذا لم یعمل الكوفي ون بوعودهم أو حصلت عراقیل و مشاكل في هذا المسار یكون الإمام قد عمل بمسؤولیته و وظیفته الجدیدة طبق مقتضیات الزمان و المكان، و علی كل حالٍ یفقد مبرّر حركته الاعتراضیة.
المرحلة الرابعة: الإطّلاع علی شهادة مسلم لقد إطّلع الأمام الحسین علیه السلام في الثعلبیّة علی خبر استشهاد مسلم، وواجه اوضاعا جدیدة، و في هذه المرحلة كان یجب علیه ان یقرر موقفا و متوافقا مع المستجدّات، و كان اول خطوة اتخذها هی أنه أخبر أصحابه بمصرع مسلم بكل وضوح و شاورهم في
الأمر.
فقالوا له: واللّه ما نرجع حتی نصیب ثأْرنا او نذوق ما ذاق.
فقال الامام الحسین علیه السلام : « لا خیر فى العیش بعد هؤلاء ».
فقال له بعض اصحابه: انك واللّه ماانت مثل مسلم، ولو قدمت الكوفة لكان اسرع الناس الیك.
و في ظل الاوضاع الجدیدة لم یكن مقابل الإمام الحسین إلا أمران: إما أن یواصل توجهه باتجاه الكوفة، او ینصرف عن الذهاب إلی الكوفة و یتوجه إلی مكان آخر، ویقوم هناك بواجبه طبقاً للظروف و الشرائط التی تتجدد.
و قد رجّح الإمام علیه السلام الطریقَ الأول، لأنه لم ییأس من نصرة أهل الكوفة له بالمرّة و قد أیّد أصحابُه و أعوانُه هذا الاحتمال و هذا الخیار.
و ثانیاً: لقد فكر الامام علیه السلام و رأی أن أهل الكوفة إذا لم یعملوا بوعودهم فانه مع ذلك یتمكن أن یقوم بواجبه و فقا للأوضاع و الشرائط المستجدة و یواصل حركته الاعتراضیة، و لهذا قرر أن یتحرك نحو الكوفة.
لقد رأی الإمام الحسین علیه السلام أَن من اللازم هنا أن یقوم بعمل آخر و هو أنه كان بین أصحابه و أَعوانه شخص أَو أَشخاص یكرهون الاستمرار في هذا السفر الخطیر، و كان لایرید أن یسیر معه أحد بدافع الحیاء من فلابد تركه و لهذا قال لاصحابه و أنصاره: إِنه قد اتانا خبر فضیع: قتل مسلم بن عقیل وهانیء بن عروة وعبد اللّه بن یقطر وقد خذلنا شیعتنا فمن أَحب منكم الانصراف فلینصرف في غیر حرج لیس علیه ذمام ».
فتفرق أفراد معدودون جدا، و واصل الإمام سفره الی الكوفة.
المرحلة الخامسة: ملاقاة الحرّ) لقد كان برنامج الحسین علیه السلام هو أن یصل إلی الكوفة في اسرع مایكون، و لكنه قبل أن یصل إلی الكوفة التقی الحرّ و جنده، فمنعه الحر من السیر فقال له الإمام: « ایها الناس انى لم آتكم حتى أتتنى كتبكم فان كنتم لمقدمى كارهین انصرفتُ عنكم الى المكان الذى جئت منه الیكم ».
فقال الحر: أَنا واللّه ما أَدری ما هذه الكتب والرسل التی تذكر .
لقد تجدد واقع جدید جدا، وان التسلیم لابن زیاد لم تكن نتیجته الا البیعة مع الذلة و الصغار أو الشهادة باحتقار، و من البدیهی ان الإمام الحسین علیه السلام ماكان لیقبل بمثل هذا الأمر و لهذا غیرمسیره، و بدلا من أن، یذهب إلی الكوفة اختار طریقا أخر، لینجو من هذه الطریق المسدودة ویواصل حركته الاعتراضیة في مناطق اُخری.
المرحلة السادسة: النزول في أرض كربلاء) كانت قافلة الإمام الحسین علیه السلام تواصل طریقها و یرافقها جیش الحرّ من دون التوسل بالحرب، و یراقبها حتی وصلت إلی ارض كربلاء.
و في هذا الوقت بالذات وصلت رسالة من ابن زیاد الی الحرّ تأمره بان یمنع الحسین من الحركة و یوقف حركته في تلك المنطقة.
بوصول هذه الرسالة تغیّرت الاوضاع بالكامل وحصل واقع جدید فالامام لم یعد بامكانه الذهاب الی الكوفة، و لا الذهاب إلی نقطة أُخری، و مرة اُخری صار الإمام أَمام طریقین:
إما أن یسلّم لابن زیاد و یقبل بالذلة لیحیا و یبقی، او یعیش بضع سنوات، او یقاوم إمام العدل، و یرجح الدفاع المقدس و الشهادة بشرف علی الحیاة الذلیلة.
و في هذا الظرف العصیب الخطیر أیضا لم یدع الامام الحسین علیه السلام مواصلة هدفه.
لقد آثر الامام الحسین علیه السلام القتال برجولة، و الدفاع المقدس حتی الشهادة
لیعلّم المسلمین درسا في الحریة، و الالتزام الدینی، و تحری العدالة و الوقوف ضد الاستبداد، ولیزعزع قواعد الحكومة الأمویة غیر المشروعة.
إن هذا هو أَعلی مراحل الأَمر بالمعروف والنهی عن المنكر.
[358] بحارالأنوار ج44 ص200 – 201 وكشف الغُمة ج2 ص216-252 وإعلام الوری ج1 ص 240 ومطالب السَّؤُول ج2 ص49 و 51 و 70
[359] إثبات الهداة ج5 ص134-171
[360] إثبات الهداة ج5 ص169 وبحارالأنوار ج44 ص174
[361] إثبات الهداة ج5 ص173
[362] إثبات الهداة ج5 ص174
[363] إثبات الهداة ج5 ص170
[364] بحارالأنوار ج43 ص261
[365] بحارالأنوار ج43 ص297
[366] بحارالأنوار ج43 ص316
[367] بحارالأنوار ج43 ص262
[368] بحارالأنوار ج43 ص264
[369] بحارالأنوار ج43 ص316
[370] بحارالأنوار ج43 ص246
[371] بحارالأنوار ج43 ص192
[372] بحارالأنوار ج44 ص192
[373] بحار الأنوار ج 43 ص 276
[374] بحار الأنوار ج 44 ص189
[375] بحار الأنوار ج 44 ص 190
[376] بحار الأنوار ج 44 ص 194
[377] بحار الأنوار ج 44 ص 195
[378] بحار الأنوار ج 44 ص 195
[379] بحار الأنوار ج 44 ص 198
[380] أُسد الغابة ج4 ص387 والإرشاد ج2 ص32
[381] بحار الأنوار ج 44 ص 326
[382] بحار الانوار ج 44 ص 329
[383] بحار الأنوار ج 44 ص 329
[384] بحار الانوار ج 44 ص 334
[385] بحار الانوار ج 44 ص 248
[386] بحارالأنوار ج44 ص 350 ـ 363
[387] بحار الأنوار ج44 ص 353
[388] بحارالأنوار ج44 ص363
[389] بحارالأنوار ج44 ص367
[390] بحارالأنوار ج44 ص 364
[391] بحارالأنوار ج44 ص 366
[392] بحار الانوار ج44 ص 373
[393] بحار الانوار ج44 ص 369
[394] بحار الانوار ج44 ص 381
[395] بحار الانوار ج44 ص 388
[396] بحار الانوار ج45 ص4
[397] بحار الانوار ج45 ص394
[398] بحار الانوار ج 44 ص 392
[399] بحارالأنوار ج43 ص 263
[400] بحارالأنوار ج44 ص376
[401] بحارالأنوار ج4 ص 389
[402] بحارالأنوار ج45 ص10
[403] بحارالأنوار ج45 ص10
[404] تاریخ الیعقوبی ج2 ص22
[405] تاریخ الیعقوبی ج2 ص241
[406] تاریخ الیعقوبی ج2 ص 249
[407] تاریخ الیعقوبی ج2 ص 250
[408] شرح نهج البلاغه لابن أبی الحدید ج5 ص129 الی 131
[409] أنساب الأشراف ج1 ص 116
[410] أنساب الأشراف ج1 297 ـ 301
[411] أنساب الأشراف ج1 312 322
[412] أنساب الأشراف ج1 ص 327
[413] أنساب الأشراف ج1 ص 355 – 361
[414] شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید ج9 ص53
[415] بحارالأنوار ج44 ص 329
[416] تاریخ الیعقوبی ج2 ص241
[417] بحارالأنوار ج45 ص167
[418] بحار الانوار ج45 ص176
[419] بحار الانوار ج45 ص186
[420] بحار الانوار ج 44 ص 391
[421] بحار الانوار ج45 ص22
[422] بحارالأنوار ج44 ص 327
[423] بحارالأنوار ج44 ص 341 – 340
[424] بحار الانوار ج 44 ص 329
المصدر:العتبة الرضویة
الموقع الرَّسمِی للعَتَبَةِ الرضوِیَّة المُقَدَّسة
https://razavi.aqr.ir/portal/home/?news/272210/432601/736896/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%DB%8C%D9%86-%D8%B9%D9%84%DB%8C%D9%87%E2%80%8C%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85
لینک کوتاه
سوالات و نظرات